هل اكتشف الباحثون الأثريون مسار درب الحرير في فلسطين؟

حجم الخط
0

الناصرة- “القدس العربي”: عثر منقبون أثريون من جامعة حيفا على منسجوات قطنية عمرها 1300 سنة في منطقة وادي عربة، وتعتبر دليلاً إضافياً على طريق التجارة من الشرق الأقصى إلى أوروبا عبر فلسطين، والتي كانت تعرف بدرب الحرير.

وطبقاً لبيان صادر عن جامعة حيفا، فإن الأقمشة الأثرية المكتشفة تشكّل دليلاً أولياً على أن درب الحرير التاريخية قد مرت من فلسطين أيضاً، وبالتحديد عبر منطقة وادي عربة والنقب، وأنها تفرّع إضافي جديد لم يكن معروفاً حتى اليوم في خريطة طريق درب الحرير الدولية المركزية بين الشرق وبين الغرب، بين آسيا وبين أوروبا.

وكان فريق من الباحثين الأثريين، التابعين لجامعتي حيفا وبئر السبع وجامعة غوتينغن الألمانية، قد شرع في أعمال حفريات أثرية في وادي العمانية في صحراء وادي عربة، قبل شهور، وعثروا في الأمس على تشكيلة موجودات تاريخية مستوردة من الشرق الأقصى، خلال فترة الحكم العربي الإسلامي.

 وتحتوي تشكيلة المكتشفات الأثرية على منسوجات قطنية ومنسوجات من حرير أصلها، على ما يبدو، من الصين ومن الهند. ويرجح الباحثون الأثريون أن هذه المنسوجات التاريخية دليل أوّل على مرور درب الحرير في فلسطين، من خلال واحدة من تفرّعاتها التي كانت تخدم البعثات التجارية من الشرق إلى الغرب. ويوضح هؤلاء أن هذه الطريق الفرعية قد تطابقت مع مسار ما يعرف بدرب العطور التي اجتازت منطقة وادي عربة، ووصلت لموانئ سواحل البحر الأبيض المتوسط عبر النقب.

يذكر أن درب الحرير هي طريق التجارة الأساسية في اليابسة لنقل البضائع من الصين عن طريق الهند، مصر والشرق الأوسط وصولاً إلى أوروبا. أما المسالك الرئيسة لدرب الحرير فقد مرت إلى أوروبا عبر القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية، إسطنبول اليوم.

مسيرة العولمة المبكّرة

ويعتبر الباحثون أن نقل البضائع، وأبعاد مسارات التجارة، تدلل على مسيرة العولمة المبكّرة التي خبرها الشرق الأوسط في بدايات الألف الميلادي الأول وحتى اليوم. كانت الدراسة الأكاديمية لتركيبة التجارة القديمة تعتمد بالأساس على مصادر تاريخية، فيما كانت الموجودات الأثرية الملموسة المدللة عليها نادرة حتى الآن. وفي مثل هذه الدراسات، التي تقودها الجامعات الثلاث، يتتبع الباحثون التغييرات على محور الزمن، وذلك من خلال تحليل مجمعات قمامة على هوامش الطريق التاريخية بهدف التعرّف على ملامح الحياة اليومية لقادة القوافل التجارية القديمة وبحثاً عن موجودات أثرية نادرة.

 وخلال الدراسة التاريخية- الأثرية هذه تمت معاينة كميات من القمامة في وادي العمانية في العربة، وتحديداً في موقع معيّن من القرن السابع ميلادي تزامناً مع بدء الحكم العربي- الإسلامي. وفوجئ الباحثون والمنقبّون الأثريون بـ “كنز” عضوي يحتوي على تشكيلة مكتشفات أثرية توضح بالتفصيل الحضارة المادية، وتعكس ملامح الحياة اليومية لسكان الصحراء القدامى: منسوجات، بقايا ملابس، ومواد صحية، وأحزمة وجوارب، وأمشاط وغيرها، علاوة على مواد من الشرق الأقصى تكتشف للمرة الأولى في فلسطين من هذه الفترة. ومن ضمن ما عثر عليه الباحثون منسوجات حرير وقطن من الهند والصين ومن بلاد النوبا جنوب السودان.

وطبقاً لبيان جامعة حيفا، فإن وادي العمانية هو موقع مهم جداً من ناحية المنسوجات، مقارنة مع مواقع العصر القديم في فلسطين، وفيه تم اكتشاف كمية كبيرة من الأقمشة التي نقشت بأشكال مختلفة تشبه جداً منسوجات اكتشفت في مغر منطقة “باجينتا” في الهند، خلال القرن السادس الميلادي، ما يدلل على مستوى صناعة النسيج وقتذاك.

وتحتوي المنسوجات الأثرية هذه في وادي عربة على بعض قطع القماش المصنوعة من القطن والصوف الملوّن المجدولة معاً في قطعة سجادة واحدة، وهي طريقة نسيج معتمدة، حتى اليوم، في إيران وفي دول أخرى في وسط آسيا.

 وعثر المنقبون على قطع سجاد ما زالت بحالة جيدة، وهي مزدانة بتشكيلة ألوان وأشكال. وينوه الباحثون أنه بعد الفتوحات العربية- الإسلامية لم تعد طريق العطور التاريخية (الطريق التجارية بين شبه الجزيرة العربية وبين موانئ البحر المتوسط)، التي نقلت فيها العطور والبضائع في الفترات اليونانية القديمة (الهيليتية) والرومانية، لم تعد سالكة والحركة فيها غير نشطة. ولذلك يرى الباحثون أن مكتشفات الأعمال الحفرية في وادي عربة تدلّل للمرة الأولى على تغيرّات تمت في طابع الطريق التجاري ومسارها، وبنوعية بضائعها نتيجة مسيرة العولمة في تلك الفترة التاريخية.

ويوضح الباحثون أن الموجودات التاريخية المكتشفة في وادي عربة تعكس علاقات مميزة بمقاييس عالمية مع مصادر صناعة النسيج في الشرق الأقصى، وتوفر معلومات جديدة عن أهمية درب الحرير بمنظور إقليمي وكوني كمسار لنقل البضائع والناس والتقنيات والأفكار والتقاليد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية