هل الأمم المتحدة قادرة على تقديم طوق النجاة للأطراف العراقية؟

عبد الحميد صيام
حجم الخط
1

نيويورك ـ «القدس العربي»: ما زالت الأزمة العراقية بعيدة عن الانفراج ولا يبدو أن هناك حلا قريبا في الأفق بعد تفاقمها بين التيارات السياسية المختلفة بعد انسحاب التيار الصدري من المشاورات السياسية واستقالة ممثليه من البرلمان ولجوئه إلى الشارع للضغط على القوى الأخرى المنضوية تحت «الإطار التنسيقي» للقوى الشيعية التي تحاول تشكيل حكومة برئاسة محمد شياع السوداني بدون موافقة الزعيم مقتدى الصدر.

من جهته لجأ التيار الصدري إلى الشارع للضغط على الأطراف الأخرى، وقام بخطوات تصعيدية وصلت إلى حد اقتحام المنطقة الخضراء والاعتصام في البرلمان. وعندما طلب الصدر من أنصاره إخلاء البرلمان قال «لقد وصلت الرسالة» واعتبر هذه الخطوة «فركة أذن» ضد الفساد وضد استبعاد التيار، أقوى الكتل البرلمانية في البرلمان. يقترح الصدر كخطوة للخروج من الأزمة الدعوة إلى انتخابات جديدة وإبقاء حكومة الكاظمي لتسيير أعمال لفترة انتقالية لغاية الانتهاء من الانتخابات، حيث يعتقد بنوع من الثقة أنه سيفوز فيها مرة أخرى ويحصل على أعلى الأصوات. لكن الدعوة لانتخابات جديدة مسؤولية حصرية للبرلمان في جلسة تصويت خاصة، من شبه المؤكد أن نتيجة التصويت لن تكون لصالح مقترحات الصدر بإجراء انتخابات جديدة.
وللمساعدة في الخروج من الأزمة الخانقة طالبت رئيسة بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق «يونامي» جينين هينيس-بلاسخارت، جميع الأطراف العراقية الفاعلة إيجاد حلول من خلال إطلاق حوار شامل من دون تأخير، مشيرة إلى أن الحاجة الآن إلى مثل هذا الحوار أصبحت أمرا ملحا. وحذرت بلاسخارت من استمرار خضوع الدولة العراقية لسيطرة المصالح المتنافسة، وهو ما يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار وتحميل الشعب العراقي ثمن ذلك.
وأعرب الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عن قلقه من التطورات الجارية في العراق وطالب في بيان رسمي احترام حرية التعبير والتجمع السلمي. وناشد جميع الجهات الفاعلة ذات الصلة «اتخاذ خطوات فورية لتهدئة الموقف، وتجنب المزيد من العنف، وضمان حماية المتظاهرين السلميين ومؤسسات الدولة». كما حث جميع الأطراف والجهات الفاعلة على تجاوز خلافاتها وتشكيل حكومة وطنية فعالة- من خلال الحوار السلمي والشامل- قادرة على تلبية مطالب الإصلاح القائمة منذ فترة طويلة، دون مزيد من التأخير. كما أعرب عن استعداد الأمم المتحدة لمد يد العون بالطريقة التي يراها العراقيون وقواهم السياسية.
إن الدعوة لاستئناف الحوار بين جميع التيارات ما هي إلا عبارة عن مسكنات تخفي الألم مؤقتا لكنها لا تصل إلى جوهر الداء المتأصل في جسم الدولة العراقية منذ عام 2003 ومنذ حطم بول بريمر، الحاكم الأمريكي الفعلي للبلاد، نسيج المجتمع العراقي وحوله إلى طوائف ومذاهب تتقاسم فيه الولايات المتحدة النفوذ مع الجار الإيراني.

جوهر الأزمة العراقية

إن الأزمة العراقية، أعمق بكثير من أن تحل بحوار بين الأطراف الفاعلة والتوصل إلى توافقات مؤقتة ومرحلية تعيد إنتاج الطبقة السياسية نفسها التي نهبت خيرات البلد، كما تقول المنظمة الدولية، فالعراق تحت حكم قادة الميليشيات صنف من قبل منظمة الشفافية الدولية من أسوأ عشر دول في العالم حسب مؤشرات الفساد. لقد زادت الأموال المنهوبة منه منذ عام 2003 عن تريليون دولا حيث راكم بعض المتنفذين ثروة تزيد عن السبعين مليارا كافية لتمويل الميليشيات الطائفية لكنها لم تكن على قدر المسؤولية عندما اجتاح تنظيم الدولة «داعش» البلد عام 2014 واستطاع اقتطاع ثلثه لدولة الخلافة المزعومة.
لقد جاءت انتفاضة أكتوبر 2019 كجرس منبه للطبقة السياسية تقول إن الشعب العراقي لم يعد يستحمل هذا الكم من الفساد والانقسام الطائفي وتغول الميليشيات وهيمنة الجار الإيراني على مواقع القرار في الدولة العراقية وتقاسم النفوذ مع الولايات المتحدة.
وللخروج من الأزمة المستعصية، نود أن ندلي برأينا، بعد خبرة طويلة في العمل في العراق والشأن العراقي، مركزين على المسائل الأساسية التالية:
– حسم الجدل في مسألة الهوية العراقية وذلك بعودته إلى الحاضنة العربية أولا وقبل كل شيء والتفاوض مع القوى الإقليمية والدولية على هذا الأساس؛
– إن تقسيم المناصب العليا طائفيا، كما هي الحالة في لبنان، لن ينتج عنه إلا عراق طائفي يكرس الانقسام ولا يحله ويثبت رؤية بريمر والتي وضحت أهدافها للغالبية الساحقة من الشعب العراقي؛
– إن الإبقاء على الميليشيات الطائفية لن يساهم في بناء دولة المواطنة المتساوية وسيادة القانون. فما دام هناك مجموعات تعتبر نفسها فوق القانون فلن يتم بناء الدولة الحديثة القائمة على الكفاءات والمهنية والتخصصية؛
– حسنا فعل الكاظمي بالانفتاح على كل دول الجوار وإقامة علاقات متوازنة مع الدول العربية وخاصة دول مجلس التعاون، كي يخفف من الهيمنة الإيرانية وقد أحسن أيضا في استضافة حوارات بين السعودية وإيران على أرض العراق كمؤشر على أن العراق على استعداد أن يلعب دور الجسر الجامع للقوى الإقليمية؛
– إن إعادة صياغة العلاقة مع الولايات المتحدة أمر حيوي كذلك فليس من مصلحة البلاد أن تبقي القواعد العكسرية الأمريكية في العراق ويظل مسرحا لحروب الآخرين. إن تكريس سيادة العراق على كل شبر من أراضيه أمر حيوي لبناء الدولة المنيعة ذات السيادة الناجزة؛
– موضوع السيادة أيضا يتطلب إجراء حوار شامل مع الدولة التركية التي تنشط في الجزء الحدودي مع العراق. فحزب العمال الكردستاني يسيطر على أجزاء كبيرة من الشمال الغربي للبلاد تصل إلى عشرة آلاف كيلومتر مربع وهو ما يبرر، من وجهة النظر التركية، التدخلات المتواصلة في المنطقة واستخدام القوة وسقوط الضحايا من المدنيين كما حدث في الهجوم على منتجع سياحي في محافظة دهوك يوم 20 تموز/يوليو الماضي وسقوط تسعة مدنيين وجرح 33 آخرين، ما أدى إلى عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن يوم 26 من نفس الشهر. إن إنكار وجود قوات لا تخضع لسيطرة الدولة العراقية على الحدود لن يحل المشكلة. فالحزب يستفيد من الحاضنة الشعبية الكردية في المنطقة لتوجيه ضربات موجعة للقوات التركية. السيادة العراقية تتطلب السيطرة على كل ذرة تراب وخضوع البلاد لدولة واحدة وجيش واحد وقيادة واحدة؛
– لقد أعادت الحراكات الشعبية المتواصلة، من بغداد إلى كل أجزاء العراق الجنوبية، الروح للشعب المظلوم والذي باسمه تسرق الثروة وتبنى الميليشيات وباسمه تدعى القوى الخارجية للتدخل. إن هذه الروح هي التي التقطها التيار الصدري وطرح شعار «لا شرقية ولا غربية» ما أدى إلى اكتساحه الانتخابات العامة عام 2021 ووصل إلى قبة البرلمان بأكثر عدد من النواب. هذا هو الدرس وهذه هي الطريق للحل. المطلوب أن تكون هناك توجهات لبناء: عراق الثروة والخير والمواطنة المتساوية والملتزم بعروبته أولا بعيدا عن التقسيمات المذهبية والعرقية.



كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية