هل الانتخابات معجزة موريتانية؟
هل الانتخابات معجزة موريتانية؟ الأنباء القادمة من موريتانيا تتحدث عن حصول ما يشبه المعجزة: انتخابات وشفافية ونزاهة وتنافس شهد بدء جريانها البارحة، علي المستويين البرلماني والبلدي، أكثر من 200 مراقب أجنبي وحوالي 300 مراقب محلي، بينهم بطبيعة الحال ممثلو منظمات متعددة من أطر المجتمع المدني، وأولها منظمات حقوق الإنسان الدولية والوطنية، وفوق كل ذلك سير الانتخابات في جو هادئ لم تتخلله شوائب عنف أو شغب تذكر.ورغم أن بعض المراقبين أشادوا بحذر بما اعتبروه بداية جديدة، فقد سجل كثير منهم مسارعة حشود من الموريتانيين، معظمهم من النساء، إلي الاصطفاف أمام مركز الاقتراع في العاصمة نواكشوط قبل بدء التصويت، وهي عملية تعتبر الأولي في سلسلة عمليات ستكتمل في آذار (مارس) المقبل بانتخابات رئاسية يُفترض أن تنقل السلطة من المجلس العسكري الحاكم إلي المدنيين، بعد حوالي عامين من الإطاحة بنظام الرئيس السابق ولد الطايع، الذي استمر حوالي 18 عاما! سبق الانتخابات الموريتـــــانية المشار إليها، استفتاء في حزيران (يونيو) الماضي علي تعديل الدســـــتور، أدي إلي الحد من فترة حكم الرئيس، كما صدر قانون يحدد تميــــيزا إيجابيا لصالح المرأة، وذلك بتخصيص حصــــة انتـــــخابية لها في أن يكون خُمس مرشحي الأحـــــزاب في أي استحــقاق من النساء.وكان قد سبق ذلك كله الإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين، وعلي رأسهم زعماء المعارضة، كما أتيحت مساحة واسعة من حرية التعبير والعمل السياسي. فشهد جميع المتابعين علي إيجابية المناخ السياسي الحاصل، بما في ذلك من تشارك وطني وتوافق اجتماعي لم يستبعد منه أحد، لا من جهة الحزب الحاكم سابقاً، ولا من جهة المعارضة، التي سجلت تقدما ونجاحاً ملحوظاً، كما تشير الدلائل الأولية والجزئية للانتخابات الجارية. ويعتقد كثيرون أن الانتقادات الموجهة إلي المجلس العسكري بخصوص الانتخابات الجارية لا تنقص من سمات ذلك المناخ الإيجابي، وذلك علي خلفية اتهام المجلس المذكور بمحاولة التشبث بالسلطة عبر الوقوف وراء تشكيل كتلة حملت اسم مجلس المرشحين المستقلين ، ومثلت قوائمها المتعددة نحو ربع اللوائح الانتخابية علي حد قول رئيس حزب اتحاد قوي التقدم محمد ولد مولود. فحتي لو صحت تلك الاتهامات فلا شك أن العملية تجري كلها في إطار اللعبة الديمقراطية، إذ شاركت جميع التعبيرات والقوي السياسية التي بلغ عددها 28 حزباً، وشملت من بين ما شملت إسلاميين بل وداعين لمعارضة الهيمنة العربية أيضا.وعندما يكون حدث الانتخـــــابات هذا جديداً، ومفارقا لعقود من الحكم الشمولي ولانتخابات صــــورية سابقة لم ينجم عنها أي تعبير عن تــــداول السلطة، فإن تعبير المعجزة سيكون مستغرباً، وســـــيكون التساؤل المفــــيد بالتالي هو عن ماهية الشروط التي ساهمت في صــــنع هذا الحدث. وأكثر من ذلك سيحق لنا أن نشكك في استخدام تعبير المعجزة نفسه بما يخفيه أو يسكت عنه من تبرير لمصالح السلطات والنخب الحــــــاكمة علي طول الوطن العربي وعرضه. محمد نجاتي طيارةباحث سوري وناشط في مجال حقوق الإنسان6