عمان- «القدس العربي»: واضح تماماً أن العقل المؤسسي للحركة الإسلامية الأردنية قرر تكتيكياً مخاطبة مخاوف الجهات الرسمية عشية عطلة عيد الفطر عبر تخفيض الحراكات والتظاهرات الشعبية لأغراض تمرير الخيارات والمرحلة الصعبة في ظل التوترات الإقليمية مفتوحة الاحتمالات، وفي ظل استئناف وعودة التصعيد العسكري الإسرائيلي بوحشية ودموية أكثر في الثلث الأخير من شهر رمضان المبارك.
قبل العيد، أعلن الملتقى الشعبي لنصرة المقاومة وحماية الوطن عن تجمعات اقترحها للمواطنين في ليالي شهر رمضان الأخيرة وصبيحة يوم العيد تحت عنوان «نكون أو لا نكون».
واضح للمراقبين أن العنوان أثار المخاوف البيروقراطية والرسمية، والسلطات بذلت جهداً في التواصل مع المسيسين من أبناء الحركة الإسلامية بعدما شهدت نهايات شهر رمضان ارتفاعاً في منسوب النصائح والرسائل المشفرة التي تحذر التيار الإسلامي مما يصفه الرسميون بنقل أزمة العدوان الإسرائيلي إلى الداخل الأردنيـ أو ما وصف أيضاً عبر مقالات لكتاب مقربين من دوائر القرار بالإصرار على البقاء في الشارع.
لم يعرف بعد ما الذي حصل فعلاً خلف الستائر والكواليس. والقناعة عموماً وسط النخب الأردنية باتت تتسلل أكثر لصالح المنطق الذي يدعو الجميع في الملف الداخلي إلى أقسى طاقات الحذر والحيطة خشية أن يستفيد اليمين الإسرائيلي حصراً من أوضاع فيها قدر من الاضطراب الداخلي الأردني.
لم يعرف بعد أيضاً ما إذا كانت الدولة الأردنية قد لفتت النظر ووجهت رسائل ونصائح، وما إذا كانت قيادة الحركة الإسلامية قد قررت لسبب أو لآخر ترسيم حالة كمون تكتيكية، ولو مرحلية، بسبب حساسية الاعتبارات الإقليمية.
ووجود حالة طارئة من الاستنفار السياسي؛ مرة لأن اليمين الإسرائيلي يوسع مدار القصف فيضرب في سوريا ولبنان ودرعا قرب خاصرة الحدود الأردنية السورية، كما يعود للغزو البري بهدف الحسم في غزة، في الوقت الذي تدخل فيه ملفات الضفة الغربية بحسابات أردنية مغرقة بالتعقيد.
ما لمسه المراقبون عموماً في عطلة عيد الفطر الأخير تقليص في شعار وهتاف نكون أو لا نكون، وتجنب الزحام والتحشيد في الشارع على نحو مباغت، الأمر الذي يوحي بتبادل رسائل خصوصاً مع قادة الحركة الإسلامية التي تمثل عملياً جذر الزخم الشعبي في الشارع الأردني.
لكن تبادل رسائل وطنية معمقة هدف دائم ونبيل ومطلوب، برأي السياسي المقرب من الإسلاميين مروان الفاعوري، الذي يرى أن دقة المرحلة تتطلب الانتباه وتدشين محطة استخدام الأوراق الأردنية الرابحة في مواجهة عدوان يستمر ويتواصل ولن يقف -برأي الفاعوري- عند حدود نهر الأردن الغربية في فلسطين المحتلة.
الإسلاميون بمعنى أو بآخر، لن يظهروا بكثافة في الشارع خلال العيد. ورغم أن القصف على غزة اشتد على نحو وحشي، يبدو أن قوى المعارضة الأردنية المسيسة ميالة إلى تهدئة ما ولو مؤقتة باتت مطلوبة في كل الأحوال جراء المقايضات والمقاربة التي تفترض بأن مرحلة الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب تسعى لتجذير وتأسيس صدام في الأردن، أو ستسعى مع الإسلاميين -وهو أمر حذر منه العديد من الخبراء الذين يؤمنون بأن اليمين الأمريكي سيبدأ مرحلة الضغوط على الدول العربية قريباً لإخراج الإسلام السياسي من معادلة القضية الفلسطينية. فيما يقدر الناشط الحقوقي والسياسي عاصم العمري، بأن تلك المرحلة من التحريض الأمريكي والغربي والإسرائيلي قد تكون قريبة ووشيكة بهدف ضرب التعاطف في الحواضن الاجتماعية العربية المحيطة مع القضية الفلسطينية.
والمقصود هنا بالتأكيد وبصورة مرجحة هو المساهمة عبر دول الجوار العربي المقربة من التحالف مع الولايات المتحدة في محاصرة ومطاردة خيارات المقاومة الفلسطينية، الأمر الذي سينتهي حتماً بالعودة إلى سيناريوهات حسم الصراع والتهجير، فيما خيارات الدولة الأردنية في زوايا ضيقة للغاية، فكرتها مصلحة الشعب الأردني قبل الاعتبارات الموازية.
وما ترغب به السلطات هنا أيضاً واضح، خصوصاً من التيار الإسلامي.
وهو التوافق على تعريف مصلحة الشعب الأردني ما دامت الأوراق العالمية والإقليمية مختلطة الآن بهدف المرور والعبور في مرحلة حرجة وحساسة جداً تهدد استقرار الإقليم، وقد تنتهي بمجازفات لا تحتمل معها مقترحات بقاء قوى سياسية عريضة في الشارع والانشغال فيها، فيما الدولة تخوض معركة الحسابات الأكثر تعقيداً.
تبادل الرسائل على أساس حماية الأردن خطوة مفيدة ومهمة.
وما خصلت له المراقبات السياسية والإعلامية نهاية أسبوع عطلة العيد على الأقل هو أن التيار الإسلامي تقدم خطوة في التكتيك باتجاه الحد من لهجة التواجد في الشارع، وتجنب مزالق صدام محتمل مع المؤسسات والدولة، في الوقت الذي يمكن فيه توفير مساحات أخرى دستورية وبرلمانية وقانونية تنهي الانشغال بمعارك وهوامش جنوبية.
هل يعني ذلك تطوراً في لهجة تفاهم فيما المذابح في غزة متواصلة؟
سؤال ليس من الحكمة الاستعجال في البحـــث عن جواب عليه؛ لأن التطورات متدحرجة، ومصــلحة الأردن يفترض دوماً أن تبقى عنــصراً مشتركاً في ثنائية أو معادلة الدولة والشارع.
وإذا لم يكن ذلك متاحاً، يبقى أن تلك المساحة يفترض أن تحظى بالإجماع، أو على الأقل التوافق.