هل الحل للعالم العربي دولة مدنية علمانية ليبرالية؟

حجم الخط
0

من النظريات السوسيوسياسية أن الدولة ذات التنوع الثقافي (بمفهوم طرائق التفكير) والديني والطائفي والإثني، لا يصلح لها إلا النظام المدني العلماني الليبرالي (المتحرر)، لكن – العلمي الموضوعي غير الانتقائي في سياسة الحكم، حتى لو كانت طائفة أو ديانة بعينها تمثل الغالبية، على أسلوب أن ‘الدين لله والوطن للجميع’. وتذهب تلكمُ النظريات في المُجمل إلى أن ذلك يشكل صمام أمان ومصدر استقرار للدولة، لأنه حسب المفهوم العلمي الموضوعي يُفترض أن يقف النظام المدني العلماني الليبرالي على مسافة واحدة من الجميع، ويتيح للجميع فرص الحراك السياسي والاقتصادي والديني والطائفي وغيره من الحَراكات .
أمريكا ودول أوروبا الغربية، وبالتحديد بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا عانت طويلا من سطوة الكنيسة النصرانية (أو المسيحية) بحجة أن النصرانية أو المسيحية، رغم اختلاف مفاهيمها وأشكالها والمضامين المصاحبة لها من دولة إلى أخرى، كان يُنظر إليها افتراضا على وجه الاحتمال، بأنها تمثل السواد الأعظم من الناس مما أدى إلى قمع، وفي الحد الأدنى تهميش وإقصاء الأيديولوجيات والأفكار والإثنيات والطوائف الأخرى، مع التضييق على الأقل على الحريات الشخصية، فكانت ردة الفعل منذ عصر النهضة الصناعية وتلاشي دور الكنيسة، هي اختيار الحكم المدني العلماني الليبرالي مع إطلاق الحريات على اختلاف أنماطها. صحيح أنه في بلد مثل فرنسا، على سبيل المثال، انتكس مفهوم الحرية الشخصية، مما اعتُبر خللاً في طبيعة ليبرالية الحكم المدني العلماني، مثل تجريم لبس الحجاب للمسلمة أثناء أداء العمل الحكومي، ومنع المتحجبة من دخول الجامعة وما شاكل، وهي انتقائية وعنصرية تخل حتما بتوجهات الحكم المدني العلماني الليبرالي، بَيْدَ أن الحكم المدني العلماني الليبرالي في الإطار العام يبقى إلى حد ما نسبيا أقل سوءاً من غيره، لأنه أكثر حيادية وأسلم ويساعد على تطبيع القيم المدنية ويتيح لكل الأديان بناء مساجدها وكنائسها ومعابدها، كما هوحاصل في بريطانيا مثلاً، حيث ترى بأم العين أنه مجتمع مدني. ومن حق كل امرءٍ أن يعبد الله حسب اقتناعاته أو قناعاته. أما التَّمذهب وفرض دين واحد على الناس جميعا فهو مخالفة لأمر الله ‘لا إكراهَ في الدينِ قد تبينَ الرشدُ من الغيِّ.’ كــــثير من دولنا العربية في الظروف الراهنة بالكاد ليست استثناءً من تلكمُ القاعدة النظرية.
يقيناً في العالم العربي لسنا في حاجة لنموذج الحكم الإيراني، الذي استطاع جعل دولة عربية كالعراق شيعية مثله رسميا على الأقل، ولسنا هنا بوارد المسببات والأسباب والعوامل، لأن النظام الإيراني صراحة ينطلق في السياسة والدين من منطلقات شيعية إسلامية أيديولوجية عنصرية في خطه العام، وإنْ ظل ينكر ذلك على منتقديه. وأي حكم يقوم على أساس الدين أو المذهب حتماً ستُضهد فيه بقية الديانات والمذاهب والإثنيات.
ولكننا حتما في حاجة ماسة لتطبيق النموذج التركي المدني العلماني الليبرالي، الذي للدين فيه دور في الحياة العامة. في ضوء ما يحدث في العراق والبحرين والسعودية والإمارات واليمن وسورية ومصر والأردن، وغيرها من دول العالم العربي من نعرات طائفــــية أو اقتتال طائفي يمزق نسيج أبناء البلد الواحد، نرى أن تطبيق الحكم المدني العلماني الليبرالي مع وجود دور للدين في الحياة العامة هو سفينة نوح الجديدة لإنقاذ الأمة من الطوفان السياسي الحالي، وما سيأتي لا يعلم مداه إلا الله .
إن الدولة المدنية العلمانية الليبرالية المستندة إلى القوانين الوضعية على فلسفة ‘أنتم أدرى بشؤون دنياكم’، تبدو هي الأسلوب الأمثل لنظرية الحكم، وهذا ما عمل به رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالمدينة، حيث أصبح رسول الله حاكماً للمسلمين واليهود والنصارى (أو المسيحيين) استناداً لدستور المدينة .لأن الدين أي دين يعكس فلسفة كراهية وعنف وذبح ورفض للآخر، تعساً لذلك الدين، الدين’ أن تحب لنفسك ما تحبه لغيرك’ كما قال رسولُ رحمةِ الله إلى الناس كافةً، وهل الدين إلا الحب، وما بعث الله أنبياءه ورسله إلا لنكون آدميين بشراً نبشر بالخير، وإنسانا يأنس الناس به وإليه محبين متسامحين لنعمر الأرض.
إن مدنية الحكم العلماني الليبرالي تتعاطى مع الإنسان كل إنسان كونه يستحق الاحترام والحب، بغض النظر عن دينه أو قوميته أو عرقه أو موطنه، فالناس صنفان: إما أخُ لك في الدين أو نظيرٌ لك في الخلق، ونحن كعرب ومسلمين لو تخلقنا بهذه الأخلاق لَكان الآن وضعنا بين الأمم أفضل من الوضع الذي نحن فيه الان لسوء أخلاقنا وسريرتنا. بمثل هذا الفهم سيستقيم العراق وسورية والسعودية والبحرين وإيران، كل دول العالم العربي والإسلامي التائهة في غياهب الدين والطائفة والمذهب، والقتل الطائفي والديني والعنصرية البغيضة التي يغذيها عنصريون من كل الفئات. إذا لم يتم تبني مثل هذا الإدراك القائم على فهم إنساني شامل عميق بالقرآن الكريم وسنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وهما للبشر جميعاً فإن دائرة العنف ستتسع وتتسع كالترنادو (وهو إعصار فيه نار) ولن تتوقف، وستكنس كل ما في طريقها ولن يستتب الأمن إلا بعد عقود، وهذا أمر يقلقني ويؤرقني ويقض مضجعي في كل لحظة من يومي وليلي . اللهم هل بلغتُ اللهم فاشهدْ أستاذ جامعي وكاتب قطري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية