تكرر مصطلح الشرعية الدولية في خطاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الأمم المتحدة ما لا يقلّ عن خمس مرّات. وقبل أن أرمي بالعداء للشّرعيّة الدّوليّة وممثّلها الفلسطينيّ أو بالانتماء إلى معسكر الخارجين عليهما أعلن أنّ مشكلتي لم تكمن ابتداءً مع الرّئيس الفلسطينيّ، فلست ممن يعدّ على الرجل أنفاسه، غير أنّي لمّا كنت منهمكًا بكتابة مقالٍ بالإنكليزيّة عن الخطاب راعني عدم الاتّساق في ترجمة المصطلح، فوجدتهم تارة يترجمونه بما يوازي عندنا ‘المجتمع الدّوليّ’ وتارةً ‘القانون الدّوليّ’، وتارة ‘الإجماع الدّولي’، وتارة يترجمونه حرفيا إلى’الشرعية الدولية’. وبعد بحث وتنقيب في أصل المصطلح وفصله وجدت أنّ المشكلة لا تكمن في التّرجمة إذ لا شيء في الإنكليزية اسمه ‘الشرعية الدولية’. ثمّة ‘المجتمع الدولي’ و’القانون الدولي’، ومعظم المقالات الانكليزية التي يظهر فيها المصطلح في الإنكليزية هي إما مترجمة عن العربية، أو لكتاب عرب يكتبون بالإنكليزية، أو منشورة في صحف عربية صادرة بالإنكليزية، أو هي لكتاب أجانب عن العالم العربي. ولكن ماذا تعني ‘الشرعية الدولية’ في العربية أصلا؟ هل هي فعلا مرادفة لمفهوم ‘القانون الدولي’ أو ‘المجتمع الدولي’ أو حتى ‘الإجماع الدولي’ أم هي أشبه بتعبير ميتافيزيقي يرفع القانون والمجتمع الدوليين إلى ما هو فوق القانون؟ وماذا يعني الرئيس الفلسطيني حين يطلب من حماس ‘الاعتراف بالشرعية الدولية’؟ أم أن الرئيس الفلسطيني قد أدمن عبارة ‘الشرعية الدولية’ حتى بات يتغنى بها كمن يقرأ في كتاب مقدس ولا يعي ما يقول. إن لمفهوم ‘الشرعية الدولية’ في الخطاب العربي معنى فضفاضا هيولانيا قابلا للتشكّل وفق مقتضى الحال يحتمل في مدلولاته العام والخاص على السواء. والشّرعيّة الدّوليّة تحضر في الخطاب العربيّ بوصفها:1- مؤسسة كما لو كانت مرادفا للأمم المتحدة او لمجلس الأمن.2- مبدأ أو توجها أو خيارا سياسيا في مقابل خياراتٍ أخرى ‘غير شرعية’.3- مواضعات سياسية: كأن ينظر إلى ‘الشرعية الدولية’ بوصفها مجموعة من الأعراف والقوانين.
غاية سياسية: كأن يعلن بلد أو مجموعة سياسية ما أن غايتهما أن يصبحا جزءا من ‘الشرعية الدولية’. ولعل الشرعية الدولية بهذا توازي العلل الأرسطية الأربع: فهي تمثل العلة المادية والصورية والفاعلة والغائية. ويبدو بعد ذلك أن خطابنا السياسي العربي لم يقبل أن يبقى أسيرًا للواقع فأبى إلا أن يسمو عليه ليتبنى خطابًا ميتافيزيقيًّا لم يجرؤ عليه عتاة السياسة ودهاتها ولم تجاريه في شموليته لا جمهورية أفلاطون ولا أمير ميكافيلي. ولعل أكثر الدلالات حضورا لمصطلح ‘الشرعية الدولية’ بمعناه العربي هو ‘المجتمع الدولي’، أو أكثر تحديدا، ‘الأمم المتحدة’. ولكن لماذا يصر الدبلوماسيون واللبراليون العرب على إطلاق صفة ‘الشرعية الدولية’ على المجتمع الدولي أو الأمم المتحدة بينما يتورع مؤسسوها في الغرب عن ذلك؟ وهل إيماننا بقداسة الأمم المتحدة قد وصل إلى الحد الذي نضفي فيه عليها هالة قدسية من شرعية ذات نزعة ميتافيزيقة ننفرد بها عن سائر الأمم؟
ولعلنا نستنتج من ذلك كله بأن مفهوم ‘الشرعية الدولية’ بمعناه الشمولي قد تم تصميمه خصيصا للعرب والفلسطينيين دون سواهم. وتكمن المفارقة في أن المصطلح سرعان ما تم تلقفه في الخطاب العربي الرسمي والإعلامي دون أدنى نظر حتى أصبح بمثابة ‘البقرة المقدسة’ لدى الحكام والدبلوماسيين والمحللين السياسيين العرب على السواء. ولعله يكفي للتدليل على ذلك متابعة الخطابات والبيانيات والتصريحات الرسمية والإعلامية الصادرة عن الحركات اللبرالية العربية، كحركة 14 آذار في لبنان، والسلطة الوطنية الفلسطينية والليبراليين الجدد في الخليج. لقد تشرعن الخطاب العربي حتى النخاع حتى بات من شدّة ولعه وتولّعه وتغنّيه بالشرعية أشبه بمعزوفة هجينة لا شرقية ولا غربية. سراج عاصي وعبد الله صوفان