لقد كانت أحداث هذا العام عصيبة على التعليم والمثقفين الغيورين على مصلحة الوطن في الأردن؛ إن الذي حصل في الجامعات الأردنية على مدار العام الماضي من مشاجرات واستعراض عضلات جامعية وصولا لسقوط أربعة قتلى (شهداء التعصب والجاهلية الأولى) و25 جريحا قبل بضعة أيام في جامعة الحسين بن طلال في معان جنوب البلاد؛ يؤشر للأسف لسقطة قوية للتعليم العالي، وضمنيا للتربية والثقافة أيضا، وخسارة البلد لرأس مالها الكبير وسهم مهم في اقتصادها؛ ألا وهو اليد العاملة والقوى البشرية المتعلمة، التي كانت ومازالت ترفد الوطن بالعملة الصعبة وتخفف عن الحكومة مشكلة البطالة باغترابها، نظرا لسمعة التعليم القوي في الأردن، ولا ننسى إضافة أن جامعات الأردن كانت يوما من الأيام مركز جذب للطلاب العرب. للأسف فجامعات العالم المتحضر كله تتنافس بالإنجاز العلمي والبحث والتطوير التكنولوجي والتقنيات الطبية الجديدة، فيما تتنافس جامعاتنا الأردنية مؤخرا في سفك الدماء والمهازل والتعصب والقبلية والجاهلية. المشاجرة الأخيرة في جامعة الحسين بن طلال كانت القشة التي قصمت ظهر البعير؛ ليس لكبر المصيبة بعدد القتلى، بل لهوانها اجتماعيا وإعلاميا، كأن الذين قضوا أربعة خراف وليسوا أناسا لهم اهل ومستقبل ينتظرهم… فقد ثار الناس والشباب في أحاديثهم اليومية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي لمدة يومين، ثم هدأ الجميع على هذا المرض الذي ينهش جامعاتنا، كأن الإعصار ذهب ولم يأخذ معه الغالي والكثير. هناك تضارب في الروايات، يُقال ان مجموعة هاجمت شابا كان جالسا مع فتاة في جامعة الحسين بن طلال، وكانت الجلسة توصف بأنها رومانسية؛ فاحتمى الشاب بأبناء عشيرة موجودين في خيمة معرض كانت تقام في ذاك اليوم في الجامعة… إلا أن مهاجميه دخلوا الخيمة لاستكمال المشاجرة، مما أدى لتوسعها… هكذا قال الكثيرون (حيث دائما حواء هي الملامة منذ بدء البشرية)، بينما تجاهلت بعض وسائل الإعلام أن تذكر حقيقة وجود معرض للأسلحة في ذات يوم المشاجرة في الجامعة. من الغريب حاجة طلابنا أو جامعاتنا لاستعراض رشاشات وأسلحة داخل أسوار جامعة، وهي بالطبع ليست جامعة عسكرية؛ إنه تمثيل بسيط لطبيعة التربية والتغذية المنزلية الفكرية في بعض العائلات والمجتمعات بأن الانسان لا يفرض نفسه أو شخصيته سوى بحجم سلاحه واسم عشيرته وعدد مؤازريه أو ‘شلته’… وان القوة هي بالنار، السلاح والشجار، وليست بالفكر والعلم والقلم وتقبل الآخر. إن كل ما ذكر لا يتعدى كونه دليلا دامغا بحق أمهات وآباء هذا الوطن، قبل أبنائهم؛ كونهم ينشئون جيلا قبليا جاهليا بعيدا كل البعد عن الإسلام؛ الدين الذي إن سألت أي شخص أردني فسيفتخر ويعتز به ويعتبر نفسه مطبقا لتعاليمه، ديننا أصبح قشورا ونسينا قول النبي عليه أفضل الصلاة والتسليم، عن جابر رضي الله عنه: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوسط أيام التشريق خطبة الوداع، فقال: ‘يا أيها الناس! إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا أعجمي على عربي ولا لأبيض على أسود ولا أسود على أبيض إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم’. كما ذُكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه في إحدى الغزوات حدث خلاف بين أحد المهاجرين وأحد الانصار فاستنجد أحدهم بالأنصار والآخر بالمهاجرين، فعلم الرسول ذلك وقال: ‘أبدعوى الجاهلية وأنا بين ظهرانيكم؟ دعوها فإنها منتنة’. للأسف فبعض كبرى العشائر في الأردن اليوم تغذي نزعة عنصرية لدى أبنائها بأنهم فوق القانون ولا يجوز لأحد احتجازهم أو حبسهم أو حتى طرد طالب مخالف أو مشاغب منهم من جامعته… العشائر لم تكن كذلك وقد جدّ هذا الحال عليهم ولا يعرف له سبب؛ فقبل ما يقارب العشرين سنة، كانت العشائر، وما زال الكثير منها، لبنة قوية للدفاع عن الأردن وحقوقه وحقوق وشرف الأمة العربية والإسلامية، بل كان كبارها من يحاسبون صغارها إن هم اخطأوا أو أساءوا الأدب… لكن ما يحصل مؤخرا حالة من الفوضى والتعدي على أمن وهيبة القانون والدولة… فكيف لعشيرة أن تهدد الحكومة بالإفراج عن الموقوفين منها وتغلق مدينة وطرقا بأكملها لتخوّف الحكومة؟ هل تحول الأردن إلى بلد فلتان أمنيا بحيث يريد كل طرف الثأر من الآخر بلا عودة للمشرع أو القانون أو الدولة؟ إن بعض اللاعبين الكبار في الدولة يعملون على تغذية العنصرية والعنجهية هذه لدى أبناء الشعب بأطيافه؛ الحقيقة، للأسف، أن مصطلحات التفرقة مثل أن فلان من أصل أردني أو فلسطيني أو من هذه القبيلة أو تلك العشيرة أصبحت تتكرر بكثرة وتغذي الجهل لتجعل المواطنين قنابل موقوتة قد تنفجر بأي لحظة، إن أراد اللاعبون تفجير الوضع الداخلي الأردني الذي وقف صامدا ولم يتأثر بكل المعطيات الخارجية من ثورات ولاجئين وحروب وضيق مادي؛ ولربما هي خطة ضغط غير مباشرة على الحكومة لتنفيذ أجندات يريدها البعض وتحاول الحكومة تجنبها؛ فكان الحل بتهديدها بأبنائها وبصروحها التعليمية، مما قد يؤدي لفتنة داخلية نظرا لأن العوامل الخارجية بأكملها لم تهزها. يُجمع الجميع من محللين ومواطنين أن المسؤولية تُلقى بأغلبها على أجهزة الأمن والجامعات؛ حيث تجنبت الأولى توجيه أي عقوبات رادعة للمشاغبين، مثل السجن أو المحاكمات أو غيرها، مع أن القانون الأردني واضح في هذه المسائل… فيما عملت سياسة التراخي الجامعية وقبول الطلبة المشاغبين للعودة لمقاعد الدراسة بلا فصل أو غيره على التمادي؛ فكما يقول المثل ‘من أمن العقوبة؛ أساء الأدب’. للأسف فالعنف الجامعي، كما العديد من مشاكل وجرائم الأردن، باتت تحل بجاهة وفنجان قهوة مما يكرّس الممارسات العنيفة التي يعلم المعظم أنها ستنتهي بصلحة عشائرية ولن يتحمل الفاعل وزرها قانونيا ولن تؤثر على مستقبله بشكل سلبي؛ فأصبح حمل السلاح والاعتداء على الطرف الآخر، ولو بسبب تخالف أو تضارب في وجهات النظر، أمرا عاديا وكأننا بغابة يأخذ كل واحد فينا حقه بيده. عندما نستعرض الأزمات التي مر بها الأردن منذ نشوئه وصولا إلى غزو العراق والثورة السورية وتحمله عددا كبيرا من اللاجئين وصل إلى النصف مليون مع انعدام موارده النفطية ومحدودية الأخرى؛ نعلم، وإن كابرنا، أن المشكلة عميقة وتهدد أمنه المستقبلي ولحمته الوطنية وعماد موارده الأساسية… فالأردن على مر الأزمات كان متحدا صامدا في وجه المخططات التي تحاك ضده أو ضد المنطقة، بالإضافة للمتغيرات الإقليمية والسياسية المحيطة به… فليس عليه الآن أن ينام عن مرض ينهش عظامه من الداخل. للأسف فإن الذين سقطوا الشهر الماضي في الجامعات فاقوا عددا قتلى تفجيرات بوسطن، التي لم يهدأ للآن الإعلام الأمريكي بحديثه عنها؛ فلماذا على المجتمع الأردني إهمال إنسانه الذي عرف الراحل الحسين قيمته وأهميته عندما قال، ان الإنسان أغلى ما نملك. إن لم تتدارك المؤسسات الوطنية والبــــنية التعليــمية والأسرة الأردنية أخطاءها التي زرعت في الشباب الفوقية على القانون وحل الاختلاف بالقتل والضرب، عوضا عن الحوار وتقبل الآخر؛ فإننا ننظر إلى كارثة، وإن تأخر حدوثها؛ فإنها ستكون كبيرة مدمرة… فليسأل كل منا نفسه ما هو الوطن الذي أريده لأبنائي بعد عشرين عاما؟ ولنكن مسؤولين عن تنفيذ الحلم لا تدمير المستقبل.