حظيت ‘القاعدة’ هذا الاسبوع بالمجد وبرزت الى العناوين الرئيسة في نشرات الاخبار الاولى في وسائل الاعلام العالمية، تهدد أمن السفارات الغربية، وعلى رأسها الامريكية، وأمن المواطنين في العالم. ووقع هذا النصر الدعائي في ايديها في أعقاب نشر لمعلومات استخبارية تسربت تفاصيل جزئية عنها من الناطقين بلسان الادارة الامريكية ومحافل استخبارية. وأدى هذا النشر الى تجديد حملة التقديرات للوضع بالنسبة لمستوى التهديد الذي تشكله ‘القاعدة’ اليوم. فبينما في السنة الماضي عرض كبار مسؤولي الادارة الامريكية ورجال الامن والعديد من المحللين صورة وضع متفائلة تقول، ان المنظمة اصبحت في وضع اقرب ما يكون الى التصفية، ففي الاسبوع الاخير انتقل البندول الى الجانب الاخر من تقدير قوة ‘القاعدة’ وشركائها كاخطبوط متعدد الاذرع قادر على تنفيذ العمليات الارهابية المتوازية وكثيرة الاصابات في اماكن مختلفة من العالم. لقد استند قرار الادارة الامريكية باغلاق عدد كبير من السفارات واصدار اخطار سفر لمواطنيها أغلب الظن، الى معلومات استخبارية موضعية نبعت من التقاط لاتصال بين د. ايمن الظواهري، زعيم ‘القاعدة’ وعدد من كبار شركائه ناصر الوحيشي، السكرتير الشخصي السابق لابن لادن وزعيم ‘القاعدة’ في الحجاز. وفي هذا الاتصال يظهر أن الظواهري وجههم لتنفيذ هجمات واسعة النطاق ضد سلسلة من الاهداف الاستراتيجية. واضيفت الى ذلك ايضا المعلومات عن أن مخزونا جديدا قديما من السجناء من بين رجال ‘القاعدة’ المحليين في العراق، ليبيا، باكستان واليمن فروا بجموعهم في عمليات هروب جريئة ومنظمة من السجون في هذه الدول. لقد اصبح اشراك الجمهور بالمعلومات الاستخباراتية وباخطارات السفر في السنوات الاخيرة عادة سائدة في العديد من الدول الغربية. ويمكن أن نعزو ذلك الى الصدمة العالمية التي سببها هجوم الحادي عشر من ايلول/سبتمبر 2001 الذي دفع نحو اعادة ترميم وانتشار علني غير مسبوق للمعلومات الاستخبارية الحميمة والسرية للغاية. ان قرار الادارة الامريكية نشر معلومات استخبارية نوعية الان، حتى بثمن ‘احراق’ قدراتها على التقاط مكالمات لزعماء ‘القاعدة’، ستكلف ثمنا في فقدان هذه القدرة المحددة يمكن تفسيرها باعتبارات مختلفة: الاول الحاجة الجوهرية لحماية حياة المواطنين الذين يزورون الممثليات للحصول على الخدمات ويكونون عرضة للاصابة. هؤلاء المواطنون، خلافا لرجال الممثليات، ليسوا محميين في نطاقات محصنة ومحروسة جيدا. ومنع الزيارات كفيل بان يساعد في استعداد اكثر نجاعة للهجوم المرتقب. والثاني، تسعى الادارة الى منع انتقاد لاذع للتسلل الى خصوصية المواطن، في ظل استخدام جارف للتنصت والمتابعة للمكالمات والمراسلات بين المواطنين في الولايات المتحدة وخارجها، من جانب اجهزة الاستخبارات وانفاذ القانون. والثالث ادارة اوباما التي اكتوت بنار الانتقاد بسبب عدم المعالجة المناسبة للمعلومات الاستخبارية التي ادت الى اغتيال السفير الامريكي وثلاثة من حراسه في بنغازي في ليبيا، في سبتمبر 2012، اتخذت جانب حذر متشدد ومستعدة حتى لان تخاطر بمصادر استخبارية باهظة القيمة كي لا تتهم باي اخفاق. السؤال المهم الناشئ عن أحداث الاسبوع الاخير هو هل ‘القاعدة’ ضعفت أم قويت مقارنة بالماضي وما هو الخطر المحدق منها ومن شركائها في استئناف معركة الارهاب العالمية، بالحجوم التي شهدناها في الماضي. التقدير في أن ‘القاعدة’ ليست فقط ضعفت جدا، بل واقتربت من نهايتها على نحو مؤكد، مثلما قال الرئيس الامريكي بدا سابقا لاوانه. فهذا التقدير يستند الى حقيقة ان المنظمة تضررت جدا جراء الحرب ضد الارهاب، التي دارت منذ اكثر من عقد من الزمان بعد ضربات الارهاب للولايات المتحدة ولا سيما في السنوات الاخيرة. في هذه السنين فقدت ‘القاعدة’ بن لادن، زعيمها الاسطوري، وصفي العديد من قياداتها في هجمات الطائرات بدون طيار او اعتقلوا وهكذا تضررت جدا قدرتها على تنفيذ العمليات في الغرب. فقد أجبر النشاط الامريكي المنظمة وشركاءها على أن يكرسوا وقتا، ووسائل وجهودا كبيرة للحفاظ على ارواحهم وحريتهم. كما أن احداث الربيع العربي التي بشرت بتفضيل الجماهير في الدول العربية لطريق الثورات العربية غير المسلحة، باسم الافكار الليبرالية والديمقراطية، على الفكر الذي تمثله ‘القاعدة’، والذي روج للاطاحة بالانظمة القديمة من خلال الجهاد الكفاحي، مما اثار الامل في ان توجه ضربة قاضية للمنظمة. ولكن في بحثهم عن سبل البقاء والتجدد، اختار زعماء ‘القاعدة’ وشركاؤهم تبني الربيع العربي وجعله ربيعا اسلاميا. وشجعوا الاطاحة بالانظمة حتى لو على ايدي جهات لا تنتمي اليهم وحتى بافكار غريبة ومتعارضة مع تلك التي يتبنوها على أن تساهم هذه في تحقيق اهدافهم. وقد استغلوا تضعضع الاستقرار في المناطق المختلفة في الشرق الاوسط وفي افريقيا لتحرير رجالهم من السجون وجمع الوسائل القتالية والانتشار في مناطق ذات قدرة حكم متدنية او غير ناجعة. وهكذا نجد ‘القاعدة’ تشجع وتساعد منظمات ذات رؤية سلفية جهادية في تثبيت نفسها في المغرب، في الساحل، في الشمال وفي وسط افريقيا. وفي سيناء، ومؤخرا بشكل مركز في سورية يتدفق الى المناطق القتالية هذه متطوعون جدد يراكمون تجربة قتالية، يحتكون بشركائهم في الطريق ويعززون ايمانهم بالجهاد العالمي. وهؤلاء يشكلون بالنسبة للقاعدة وشركائها مخزونات قوى بشرية لتحقيق اعمالهم الارهابية العالمية. يأمل الظواهري ورجاله في أن يسمح لهم الانسحاب الامريكي من العراق ومن افغانستان باعادة الانتشار والعمل في هاتين المنطقتين وفي المناطق القبلية الباكستانية بحرية. ولا تزال تحت تصرف ‘القاعدة’ مخزونات من القيادات من الجيل القديم وجهاز عمليات الخارج الذي يواصل تجنيد، وتدريب وتفعل الناشطين بمن في ذلك الغربيون منهم ايضا. وكل هؤلاء يبعثون لدى ‘القاعدة’ وحلفائهم الامل في انه سيكون بوسعهم استئناف زخم عملياتهم. وضمن حلفائهم المقربين يمكن ان نحصي: ‘القاعدة في العراق’، ‘القاعدة في الحجاز’ و’القاعدة في المغرب’ والى جانبهم منظمات شريكة من درجة قرب ثانية، تتماثل مع طريق جبهة النصرة العاملة في سورية، انصار بيت المقدس العاملة في سيناء، الشباب المسلم في نيجيريا ومنظمات انصار الشريعة العاملة في دول مختلفة في الشرق الاوسط. وهكذا رغم رؤية الظواهري لاقامة خلافة اسلامية واستعادة مجد الاسلام لا تبدو قابلة للتحقق، يبدو أن ‘القاعدة’ من خلال شركائها وربما بنفسها ايضا، ستحاول استئناف مساعيها لخوض معركة ارهاب واسعة مثلما فعلت في الماضي. ان مدى نجاحهم في تحقيق نواياهم منوط بقدر كبير بنجاعة المعركة المضادة للارهاب. والامر منوط بقدرة الاستخبارات وانفاذ القانون للتعاون في ما بينهم ومع جهات استخبارية أجنبية. والى جانب ذلك توجد اهمية عليا ايضا لتعميق المعركة الدبلوماسية الجماهيرية الرامية الى اطفاء السحر الذي كان لافكار ‘القاعدة’ الشوهاء على الشباب المسلم في ارجاء العالم. بالنسبة لاسرائيل فان المعنى لنجاح منع محاولات ‘القاعدة’ وشركائها العودة الى اعمال ارهابية واسعة النطاق هو ذو اهمية عليا: ففي الخارج تشكل الاهداف الاسرائيلية واليهودية أهدافا جذابة للجهاد العالمي على نحو خاص. وفي حدودها تستعد منظمات شريكة لـ’القاعدة’ بنوايا معلنة لاستغلال قربهم منها للاعتداء على مواطنيها وجنودها. دليل واضح على ذلك كان الاسبوع الماضي عندما اعتزمت خلية من انصار بيت المقدس اطلاق صواريخ نحو ايلات. وعلى الحدود مع سورية ايضا يوجد ناشطو الجهاد العالمي الذين يقاتلون ضد نظام الاسد، ولكن بالتوازي ينتظرون اللحظة المناسبة، من اجل العمل ضد اسرائيل. واضح من هنا انه الى جانب الدول الغربية، العربية وغيرها، توجد اليوم اسرائيل ايضا في جبهة الصراع ضد الارهاب العالمي في حدودها، كشريك مناسب ومساهم في المعركة ضد الجهاد العالمي في أرجاء العالم.