هل المؤسسة العسكرية بالمغرب… مقدسة؟

حجم الخط
0

يحيي اليحياوي

ہ

للمؤسسة العسكرية، بدول العالم اجمع، وضع خاص:

ـ فهي المالكة للقوة الخشنة، سلاحا وانضباطا، التي بفضلها تحمي ثغور الوطن، وتذود عن حدوده ووحدته زمن الحرب كما زمن السلم، وتبقي فيما بينهما، ساهرة، مرابطة، تستخبر تحركات الخصوم (افرادا او جماعات او دولا) لاستباق غاياتهم، وتستطلع ما استجد في عالم السلاح والحرب، لمواكبة الجديد.

ـ وهي المتحكمة في ادوات التدخل السريع والمنتظم، عندما تنتاب الوطن كوارث كبري، فيضانات كانت ام زلازل، يتعذر معها علي الاجهزة الامنية المختصة، ترتيب عمليات الانقاذ او ايواء المنكوبين، او اجلاء المحاصرين، او تطبيب المتضررين.

ـ وهي، فضلا عن كل هذا وذاك، الممتلكة لادوات الخلاص عندما تتعمم المظلومية، ويستشري الفساد، ويوشك الوطن علي السقوط بالفوضي او بيد الاجنبي، جراء حاكم ظالم، او سلطان فاسد او تابع، او نظام مرتهن العزيمة، مستلب القرار.

هي حالات ثلاث لوضع خاص، تدخل بصميم وظيفة المؤسسة العسكرية بالظروف الجارية العادية، كما بحالات الاستثناء، عندما يدرك الوطن الوهن المزمن، او تعتريه آفة اللااستقرار البنيوي الدائم.

لكن، وان علي طابعها الحيوي الثابت، وخاصيتها الانقاذية المؤكدة، فان ذلك لا يضفي علي المؤسسة العسكرية صفة القداسة او النزاهة او الطهرانية، او يجعلها، او بعضا من مكوناتها السامية، خارج القانون او المحاسبة او القصاص.

وبقدر ما لا يضفي عليها طابعها ذاك، ولا خاصيتها تلك، صفة القداسة، فانه لا يمنحها بالآن ذاته، ميزة في الاستقلالية تذكر، يجعل منها مستوي قائم الذات، لا يأتمر الا باوامر قادة اركانها، دونما الاحتكام الي اي من المستويات الوازنة الاخري.

ليس الامر كذلك بالمرة، علي الاقل بالبلدان الديموقراطية الكبري. اذ المؤسسة العسكرية اداة من ادوات الفعل السياسي، تماما كالادارة واجهزة الامن والمخابرات وما سواها، لا جهة لها لتقديم الولاء وابداء الامتثال، الا المستوي السياسي، الذي يثوي خلف تحديد تراتبيتها، وتعيين القادة القائمين علي تنظيمها وتأطيرها.

هي، بالمحصلة اذن، اداة السياسي بامتياز، لكنه من المحرم عليها الخوض في العمل السياسي، بالممارسة المباشرة (ارتباطا بحزب، او ترشيحا بالانتخابات)، او بالانتماء، او بابداء الراي، او بتبني هذه الجهة علي حساب تلك، وهكذا.

هي تأتمر باوامر السياسي، ولا حق لها في ابداء راي ما بالفضاء العام، جهارة او بالتلميح. وهي مجبرة علي الترفع عن السياسة، محجمة الدور بالقانون، لا تتحرك قيد انملة خارج الثكنات، اذا لم يؤشر لها بذلك.

وعلي هذا الاساس، فعندما يتحدث المرء بهذه الحالة، حالة الدول الديموقراطية تحديدا، عن تحجيم دور المؤسسة العسكرية، فانما يقصد تحديد ذات الدور، وتلجيم الثاوين خلفه، جنودا عاديين كانوا، ام ضباطا سامين.

وعلي هذا الاساس ايضا، فغالبا ما تبقي المؤسسة اياها بمنأي عن التجاذبات والصراعات بين الاحزاب السياسية، ولا تتدخل او تبدي رايا، حتي وان بلغت التجاذبات والصراعات اياها نقطة الازمة، والاحتراب من بين ظهراني الحكومات، او بأروقة البرلمانات.

وازعم انه لو كان ثمة من فضل يذكر للراحل الحسن الثاني، فلربما بهذه الزاوية، زاوية حصر دور الجيش بالثكنات، ونأيه به عن الصراعات والممانعات التي طاولت الحياة السياسية بالمغرب، منذ ستينات القرن الماضي:

ـ فالملك الراحل حرم علي الجيش الانخراط في الحياة السياسية (او تكوين نقابة فئوية حتي، كما بالدول الديموقراطية مثلا)، وحصر دوره في الدفاع عن سيادة البلاد، والذود عن حدودها سيما عندما دفع به، باواسط سبعينات القرن الماضي، للمرابطة بالصحراء جنوب البلاد.

ـ والملك الراحل، بحكم طبيعة الحكم المعتمد، والكاريزما الملازمة لشخصيته، لم يقتسم السلطة مع الجيش الا مؤقتا، ليتكفل به شخصيا كقائد اعلي، عندما تاكد لديه ان ذات الاقتسام كاد ولاكثر من مرة، ان يعصف بنظام حكمه جملة وبالتفصيل.

ـ والملك الراحل اعتبر، فوق كل هذا وذاك، ان مصير القصر هو من مصير الجيش، وان تركه للمزايدة السياسية، من شانه اذكاء الطموحات والاطماع، ولربما الاقتتال بغرض بلوغ مغنمة السلطة، او تقويض منظومة الحكم برمتها.

ليس ثمة من شك اذن، ان الحسن الثاني قد نجح والي حد بعيد، في تحجيم دور الجيش وحصر تواجده بالثكنات، وبالثكنات فقط، وحال دونه ودون المشاكسات السياسية، التي لربما، لو ترك الجيش اياه علي عواهنه، لوجه سلاحه بالتناوب ضد الخصوم، كما ضد المقربين سواء بسواء.

الا ان الذي خلفه الملك الراحل، وقد كان محكوما بسياقات المرحلة، انما وضعية هلامية وغامضة، لا تزال معالم التشويش ضاغطة من بين ظهرانيها، حتي وقد مر علي وفاته ما يناهز العقد من الزمن:

ـ فالمؤسسة العسكرية (بحياة الحسن الثاني، كما بعد مماته، ولحد الساعة) لم تعد مرتبطة بمجال الملك الخاص فحسب، باعتباره القائد الاعلي، و وزير الدفاع بالمضمر، بل اندغمت اندغاما كاملا بالمؤسسة الملكية، لدرجة غدت معها مكونا عضويا من مكونات المنظومة، وليس فقط مكونا ملحقا بها، بالتراتب الاداري او بالتنظيم الداخلي الصرف.

بالتالي، فلم تعد ادارة الجيش ادارة عادية من ادارات القصر، بل باتت مكونا عضويا بداخله، تماما كالخدم والحشم وما سواهم، لا يستقيم لون القصر او مذاقه بدونهم. هي باتت مكونا بنيويا اساسيا بالتركيبة، وليست عنصرا دخيلا او عابرا.

ـ والمؤسسة العسكرية، من هنا (اعني منذ الستينات، كما طيلة العشر سنوات الاخيرة) لم تعد محصورة الدور في الذود عن الحدود او مواجهة الكوارث، بل اضحت فاعلا حقيقيا يتمظهر بجلاء بالواقع علي الارض، اي بقمع التظاهرات الشعبية كما حدث بالاعوام 1965 و1981 و1984 و1990، وبتعنيف مظاهرات العاطلين بالشارع العام، او بالتضييق المباشر علي منظمات المجتمع المدني المنددة بالاستبداد. لم تعد المؤسسة هنا صاحبة موقف حياد، بل زج بها كي تواجه بالعنف والقوة جماهير، للمؤسسة العسكرية بمخيالها وقع الايجاب.

ـ ثم ان المفروض في المؤسسة العسكرية ان تناي بنفسها (او يناي بها) عن المجال العام، فاذا بها تغزو الرياضة والثقافة والفن… لا، بل وتعمد الي اتخاذ موقف سياسي، بتقصير في الادراك، او عن سابق قصد. الم يقل الجنرال حميدو لعنيكري، في اعقاب احداث ايار (مايو) من العام 2003: ان الجيش لن يظل مكتوف الايدي، اذا ما وصل الاسلاميون الي سدة الحكم عبر بوابة الانتخابات؟

لم تعد المؤسسة اياها محايدة بهذه النقطة، بل باتت فاعلا حقيقيا، له راي (وراي قاطع فضلا عن ذلك) في مجريات الحياة السياسية، وفي القواعد المنظمة لذات الحياة، دستوريا وبالقانون.

وعلي هذا الاساس، فان مؤسسة الجيش لم تعد تحتكم للثكنة في سلوكها، بل باتت تستقي ذات السلوك، بالبناء علي موقعها ضمن نسق سياسي منحها ميزات تفضيلية، بات لها بموجبها القول/الفصل في اكثر من مجال… مباشرة، او بالتاثير من خلف الستار.

ليس ثمة، بالدستور المغربي او بالنصوص التاسيسية الاخري، ما يرفع المؤسسة العسكرية لمرتبة القداسة، او يخولها مكانة فوق القانون، او يمنحها استثناءات تميزها عما سواها من مؤسسات. لكنها غدت كذلك بحكم الامر الواقع، وبحكم الاجتهاد في التأويل ايضا.

فشخص الملك مقدس بمنطوق الدستور، وميزانية بلاطه لا تناقش بالبرلمان، بل تعتمد كما ترد بمشروع القانون المالي. وخطبه غير موضع نقاش بالبرلمان اياه، او بالصحافة او بالمجال العام. وليس ثمة قانون بالامكان تحريكه، لمحاسبته او متابعته، او التظلم ضد سلوكه او قراراته.

ولما كانت ميزانية المؤسسة العسكرية من ميزانية البلاط الملكي، فانها تعتمد بتحصيل حاصل دون مناقشة بالبرلمان، اي دون نقد او انتقاد، ودون نقصان في الحجم، او اقتراح في تبديل المخصصات، او تغيير في الاولويات.

هي اذن، بتحصيل حاصل، مقدسة بمضمر القانون، وبالعرف المكرس بحكم الامر الواقع ايضا… حتي باتت بالمحصلة النهائية، صندوقا اسود، يجهل عامة الناس وخاصتهم ما يجري من بين ظهرانيها، بالزمن كما بالمكان.

ولهذا السبب، فعندما عمد بعض من الضباط (كالزعيم والجالطي واديب وغيرهم) الي الاعلان عن وجود حالات فساد كبري من بين اضلع ثكنات المؤسسة العسكرية، حوكموا بقسوة، وزج بهم بغياهب السجن، حتي بتوفرهم علي ما يثبت قولهم، بالحجة والدليل الدامغين.

ولهذا السبب ايضا، ضيق ولا يزال يضيق علي الصحافة التي تدفعها جراتها وايمانها برسالتها، للاقتراب من ذات المؤسسة، او الاشارة الي تجاوزات بعض من ضباطها، او تعمد الي نشر وثائق تدين بعض افرادها، او تتعرض بالنقد والانتقاد لما يعتمل بداخلها، او بمناطق مرابطة المنتمين لسلكها.

ان جرجرة الصحافيين لمخافر الشرطة (وآخرهم عبد الرحيم اريري ومصطفي حرمة الله، من جريدة الوطن الآن )، ومصادرة معلوماتهم، واتلاف معدات اشتغالهم، واحتمال تقديمهم لمحاكمة عسكرية، انما يدخل بسياق القداسة التي تحرم علي كائن من يكن الاقتراب من المؤسسة العسكرية، فما بالك التعرض لها بالانتقاد، او نشر ما تسني لهذا الصحافي او ذاك، تحصيله بوسائله الخاصة، في بلد لا اثر به يذكر لقانون يضمن البلوغ والنفاذ للمعلومات.

وبقدر ما لا يستطيع المرء الا ادانة ما تعرضت له صحيفة الوطن الآن (وقد نشرت ارسالية داخلية للجيش غير ذات قيمة كبري، لكن سرية )، فانه لا يستطيع الا التوكيد علي التالي:

ـ نحن مع تحييد مؤسسة الجيش من المشهد السياسي، والنأي بها جملة وتفصيلا عن تجاذباته ومزايداته، والحيلولة دون الزج بها في احداث تضعها وجها لوجه مع الشعب، سيما وقد كان لبعض الاحداث اياها، ان سودت وجه الجيش بالماضي، ولطخت اياديه بالدماء.

ـ ونحن مع استنبات قيم جديدة من بين ظهرانيها، ترفع من منسوب حيادها، وتعيد لها بعضا من طهرانيتها المفتقدة. والتلميح هنا، لا يروم فقط التاكيد علي ضرورة ابعادها عن قضايا الشان الجاري، بل وايضا العمل علي محاسبة من تورط من ضباطها او جنودها بنهب المال العام، او تحصل علي رخص باعالي البحار دون مسوغ قانوني، او اكراميات بمقالع الرمال دون وجه حق، لدرجة باتت معها الفوارق الطبقية القائمة بالواقع المعاش، موجودة بالجيش ولربما بمستويات مخيفة.

ـ ونحن مع ان تنفتح المؤسسة العسكرية علي الصحافة، توفر لها المعطيات (اللهم الا المصنف قانونا وبدقة، ضمن خانة السري)، وتمكنها من الارشيفات المباحة (بانتظار قانون للنفاذ للمعلومات لطالما طالبنا بسنه)، ولا تتعامل معها بترفع او تعال… اذ غالبا ما يكون سلاح الكلمة اعمق تاثيرا واقوي تدميرا من سلاح الثكنة… ومن خشونة الجرجرة بالمخافر ايضا. ہ باحث واكاديمي من المغرب[email protected] 8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية