هل النقد الأدبي العربي في مهب الريح؟

حجم الخط
0

ذوقنا الأدبي هو نحن:د. إبراهيم خليلربما كان النقد الأدبي، كما الفني، من أقرب الأشياء، وأكثرها لصوقًا بالهوية الذاتية لكل من الناقد والأديب والقارئ ، فنحنُ نستطيع أنْ نقترض الكثير من وسائط الحضارة، ومن التقنيات العلمية، والتكنولوجية، لكننا لا نستطيع أن نقترض ذوقنا الفنّي، والأدبي؛ فذوقنا هو نحنُ، شئنا ذلك أم أبيناه. ولم يلتفت النقد الأدبي العربي إلى ذلك إلا نادرًا، فقد انهَمَك منذ بدايات القرن العشرين في اسْتعارة الذائقة الأدبية من النقد الغربي، فالعقادُ في بدايات كتابه ‘ شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي ‘ يزهو بتذوق الشعر العربي مستضيئًا مقتفيا بآراء وليم هازلت Hazli، ولم يلبث إلا قليلا حتى دعا أنصارهُ – منبهرًا بآراء فرويد – لاتّباع التحليل النفسي، مؤكدًا أنّها المدرسة الأجدرُ والأحرى، بالاتّباع، والانتساب. وجاراهُ في ذلك كلٌّ من محمد النويهي، ومحمد خلف الله أحمد، مع تفاوتٍ. ولم يكنْ ميخائيل نعيْمة ببعيد عن هذه الموجة، ففي كتابه ‘ الغرْبال ‘ عرض لكتابِ سانت بيف الفرنسي، مفضلا طريقته في تذوّق الأدب على طرائق غيره، وأمّا طه حسين فقد رسّخ في طلابه، ومنهم محمد مندور، فكرة التذوق الأدبي المَبْني على الاقتداء بالأدب الغربيّ عامة، والفرنسي منه على الخصوص. لكن التلميذ النجيب لمْ يلبثْ أنْ قلبَ لصاحب الكوجيتو الديكارتي ظهر المجنّ، وزار موسكو ليصبح الحسّ الأدبي لديْه نابعًا من علاقة الأدب بالموقف الإيديولوجي للأديب في غير قليلٍ من الصراحة، والمُراوَحة.الشيء نفسه يتجلى لدى تيارات النقد في منتصف القرن الماضي، فعندما ظهر الشعرُ الجديد الذي سمي شعرًا ‘ حُرًا ‘، جند بعض النقاد أقلامهم للدفاع عنه، والذود عن الشعريَّة الجديدة باعتماد معايير نابعَةٍ من الذائقة النقديّة الغرْبيّة، سواء أكانتْ أمريكية، أمْ إنجليزية، وأصبحنا قاب قوسين أو أدنى ممّا يعرف بالنقد الشكلي تارةً، والنقد الأسْطوريّ تارة. وكلاهما استند في مرجعيّاته؛ إمّا لمدرسة النقد الجديد The New Criticism، بريادة سبنغارن، ورانسوم، وبروكس، وغيرهم، أو الأسطوري، بريادة جيمس فريزر، ونورثروب فراي، وكارل يونغ. وأيًا كان الحال، فإن كلا من النقد الذي سار على خطى ‘ النقد الجديد ‘، أو النقد الأسطوري، وضعَ الذوق الأدبي العربيّ اللصيق بنا، وبهويتنا، لا في موازاة الآخر، بل خلفَ ظهورنا. فعندما نقرأ ما كتبه جبرا من نقدٍ أسْطوري عن بعض قصائد السياب، ومنها ‘ شباك وفيقة ‘ و ‘ دار جدّي ‘ و ‘ المعبد الغريق ‘ نكتشفُ أنه يثني على القصائد مقرّظا ما فيها من الأساطير الإغريقية، والبابلية، والصينيّة، مع أن القارئ العربيَّ الكريم لم يسمع بهاتيك الأساطير، وليْس لديه أدنى استعداد للاستجابه لما فيها منْ رُموز تشفُّ عن دلالاتٍ، وتنمّ على معانٍ.والأغربُ من ذلكَ، والأنكى، والأمرّ، أنَّ بعض الباحثين من الأكاديميين المتخصصين بالشعر القديم، المهتمين بالتراث الأدبي، بُهروا بهذا، فانثالوا على الشعر الجاهلي يحللونه، ويعيدون النظر فيه من منظور أسطوري، فجاءوا في هذا المقام بالعَجَب العُجاب، لكنهم على أيّ حال- حذفوا مما كتبوهُ الذاتَ، وأعلوا من شأن الآخر، فحتى يقنعوا أنفسهم بأنَّ الشعر الجاهلي كالشّعْر الحديث، وكالشعر الغربي، كان لا بد من أنْ يَضعوا على رؤوس الشعراء( الأعشى، أو الشنفرى، أو الهذلي) قبّعاتٍ أجنبية، ويلبسونهم قمْصانًا مشجرةً بأربطة أعناق فاخرة، وبنائق منشاة، أو على أقل تقدير سراويل جينز أمريكي، وإلا كيفَ يكون الشاعر الجاهلي بعيدًا عن الأساطير والخرافات. ألا يقلل ذلك من مكانة الشعر العربي مقايسة له بالغربي في قديمه وجديده؟ وكيفَ يمكن للقارئ العربيّ أنْ يتذوق هذا الشعر، وهو في جهل مُطبق بالأساطير، فلا يفرّق بين أم عمرو المرأة ، وأم عمرو الآلهة، ولا بين سعاد الفتاة، وسعاد ربة الشمس، ولا عنيزة آلهة الحكمة، والثور الوحشي، الذي هو إله القوة، وكلاب الصياد التي تذكّرُ بأكْلُبِ الجحيم، وما أدراك ما جحيم أورفيوس، وغيره؟ لقد اعتمد منْ كتبوا عن الشعر الجاهلي، في تغليبهم للمنهج المُقتبس، التنازلَ عن الذوق الذاتي، فجعلوا الشاعر العربي القديم شاعرًا رمزيًا أولا، وشاعرًا يقول في مقدمة القصيدة شيئا أسطوريّا وفي بقيتها ما لا علاقة له بالأسطورة، وجعلوا من بعض الخرافات التي ذُكرتْ في مَصادرَ غيْر موْثوقة ككتاب الأصنام لابن الكلبي، أو نشوة الطرب لابن سعيد المغربي، وغيره، حقائقَ مُنزَّلة، لا يأتيها الباطل من أمام ولا من خلف، ولوَوْا أعناق النصوص ليّا فكادوا يكسرون هاتيك الأعْناق، وأغرقوا في تجزئةِ النصوص، وأسرفوا في التفسير والتأويل إسْرافًا خرَجَ بهمْ عن السياق، وخرَج بهم منْ مَساقٍ لمَساق. وما هي إلا سنواتٌ حتى ضَجِر النقادُ بهذا النقد الشكليّ، أو الأسْطوري، وتشوَّفوا لشيء آخر يشعِرُهُمْ بالجدة على الأقل، ولا يحرمُهم من بريق الطرافة، ونعْماء التجْريب. فكان النقد الألسني الغربيّ الذي خطف بسرعةٍ الأبصار، فانتشرَ النقدُ الأسْلوبي، والنقد البنيوي، والتفكيكي، والتشريحي، والسيميائي، والنقدُ القائم على فكرة التلقي، والنقدُ النسوي، والنقد الثقافي.. حتى بدا الأمْرُ للمُراقب من بعيد وكأنه أمام أكزيون منهجي لا يخلو من مهاوَدَةٍ في الأسعار، ومبالغة في التنزيلاتِ ، والتخفيضاتِ، والعُروض. وممّا يلفت النظر لدى الأسلوبيّين أنهم عمدوا لصناعة في النقد لا أثر فيها للذائقة الأدبيّة، ولا للحسّ الجماليّ، فهم يحيلون الدراسة لإحصائيات يستخدمونَ فيها شيئا من الرياضيات على الرغم من أنّ أكثرهم لا درايَة له بفن الإحْصاء، فيجردون الدراسة الأدبية مما فيها من ذوْقٍ، مع أنّ الإحصاء، في الحقيقة، لا يعدو كونه مظهرًا علميًا زائفًا، فلوْ أنّ الدارس أحْصى تواترَ مَظْهر أسلوبيّ معيَّنٍ لدى كاتبيْن مختلفين كطه حسين، والعقاد، ثم جاءَتْ النتائجُ متساوية، فهل يعني ذلك أنَّ للكاتبين أسلوبًا واحدا؟ إذا كان الجواب إيجابيًا، فهذا يلغي فكرة الأسلوب من الأساس، أما إذا كان الجواب سلبًا فذلك يعني أن الإحصاءَ لا قيمة له، ولا فائدَة. إنّ ما يبعث على الانتباه هو أن الأسلوبيّين يُهملون ذوْقهم عندما يدرسون نصًا شعريًا، ويغلّبون القاعدة، فقد يقرظ صلاح فضل مثلا أبياتاً سقيمة لشوقي لا لشيءٍ إلا لأنها تمثل نموذجًا حرْفيًا لما سمّاهُ ‘ التدويم ‘ ويفرضُ كمال أبو ديب النهج على النوع الأدبي قسرًا، فهو- مثلا – يدرس في كتابه ‘ الرؤى المقنّعة ‘ الشعر الجاهليّ في ضوء التحليل المورفولوجي للحكاية العجيبة عند بروب، وهذا منتهى الاستخفاف بعقول القراء، وذوقهم، فكيف نتناول القصيدة بمواصفات الحكايَة العجائبية، ألا ينمّ ذلك على أنَّ الناقد يتنكّر لأبسط مفاهيم الذوق الأدبيّ النابع من فكرة التجنيس؟ ومن التفكيكيّين من يؤثرُ مصطلح التناص، ويرى فيه وصفة سحرية أكثر قدرة من عصا موسى، فهي تلتهم المعضلات، وتأتي بالحلول، والإجاباتِ الشافية عن الأسئلة الصعبة، ولكنّ تسريح النظر في الكثير ممّا يكتبونه يؤكدُ أن التناص مفهومٌ غيرُ واضِح لدى المحترفين منهم، وليْسَ الشداة حسْبُ ، فهذا محمّد مفتاح يورد البيت الشعري الآتي من قصيدة لابن عبدون يقول فيه: ودوَّختْ آلَ ذبيان، وإخوتهم، عبسًا، وعضَّتْ بنو بَدْر على النَهْروقد رأى في البيت مثالا للتناصّ، مع أنّ الناظم يعدد أسماء القبائل التي انقرَضتْ في الأعْصُر الخوالي، فإذا كانَ تعْدادُ المَرْء لأسماء الأعلام، والقبائل، والأشخاص تناصًا، فهذا يعني أنّ قائمة الحضور التي تتضمن أسماء الطلاب في الفصل المدرسيّ أفضل النصوص الأدبية، لأنها من أولها لآخرها تعدادُ أسْماء. وكان الشعر العربيّ القديم قد عرف لونًا من النظم يُسمى ‘ التشطير ‘، وهو أنّ ينظم الشاعر قصيدة يضمّن كلَّ بيْتٍ منها شطرًا كاملا من قصيدة أخرى. وقد ظنّ بعْضُ الدراسين المُحْدثين في قصيدةٍ لحازم القرطاجنيّ عمَدَ فيها لتشطير معلقة امرئ القيس ضربًا من التناصّ، وختم قراءته التفكيكية لتلك القصيدة بادّعاء غريبٍ، وهو أنّ القرطاجني المذكور قدمَ في قصيدته قراءة جديدة لمعلقة امرئ القيس. وهذا الاستخلاصُ لا ينمّ إلا عن حقيقة واحدة، لا جدال فيها ولا ريْبَ، وهي أنّ الدارس تنكرَ لذوقه الذاتي، ولما ثبَت، ورَسَخ، في علمِه، ودرايته، من أنّ التشطير تكلف سقيم، وتصنّع غثٌّ، لصالح ما أراد الاقتراب منه عند التطبيق، والزهُوّ بأنّه قدم دراسة جديدة لقصيدة القرطاجني باسْتخدامه مفهومَ التناصّ، الذي هو مفهومٌ غربي حديث. ومن الأمور التي تبعث على الحيرة أنّ السيميائيّين ما فتئوا يرتكبونَ في نقدهم التطبيقي أغلاطًا تذهبُ بهم مذهبَ من ينكر ذوقه الأدبيّ محكمًا القاعدة التي سَمعَ بها، أو قرأ عنها، فالناقد يكتبُ عن الغلاف مثلا مؤكدًا أنَّ ما فيه من خطوطٍ، وألوان، وما فيه من ظلالٍ، وأضواء، يفصحُ عن دلالات النص الشعري، أو السردي، أو أي نصّ آخر، دون أن يقف الناقد ليسأل نفسه عمَّن أعدّ الغلاف، وصمَّمه، وهل هو المؤلفُ نفسه، أم هو ثمرة تعاون بين الفنان المصمّم والمؤلف، أم أنّ الغلاف لا يعدو أن يكون حلية خارجية لا صلة لها بالنصّ، لا من حيث الشكلُ، ولا من حيث الفحْوى. لقد كتَبَ أحدهُم دراسة كاملة عن جدارية درويش لم يتجاوز فيها الغلاف، ثم جاء آخرُ فعقبَ على تلك الدراسة مُستخلصًا من الغلاف نفسِه تأويلاتٍ أخَرَ مع أنّ الجدارية طبعت غير مرة بأغلفة مختلفة، فهل ثمّة معيارُ يُفصحُ عن تغير دلالات النصّ كلما تغير الغلاف، وألوانه، وما فيه من خطوط؟ أليس من السخرية أنْ يتنكر السيميائي لما طُبعَ عليْه من ذكاء، وما فُطر عليه من ذوْق أدبيّ، ولغويّ، فيخلصُ لما يقوله بورس، أو موريس، أو غريماس، دون أن يرى ما في النص الذي يقرؤه من ركاكةٍ، وتخليط، وهو يثني على قول الشاعر :هذه الرأس عظامٌ من دخاندهشةقط يطارد ريشة الفوضىمقولاتٌ إناث لم..،وأحْذيةزاعمًا أنها أبْياتٌ ‘ تورّط اللغة ‘ و’ تؤسّسُ شعريَّةً لها منْطقُها الخاصّ. ‘ فهي ‘ لغة نَسَقيّة بامْتياز ‘ ثم يقول في الفقرة ذاتها ‘ فالحَشْوُ، واللانسقيّة سمتان فيها تؤسّسان لتكنيك شعريٍّ في الديوان هو التفكيك ‘ فالناقد، فيما اقتبسناهُ يرى التفكيك صفة في النص، لا في القراءَة، ويرى في اللانسقية نَسَقيّة، وفي الحشو لغة نسقية بامتياز، لا أظنّ أنّ في الدنيا نموذجًا للهذْر الذي لا معنى له، ولا اتساق فيه، أفضل من هذا للتمثيل على الزائغ من الكَلِم، المَرْذول من القول. من حقّ النقادِ الاطلاعُ على ما يُنشر من نقدٍ، وأنْ يعرفوا ما يجدّ من التيارات، والمدارس، وأنْ يُلمّوا بما يُسْتحدث من نظريّاتٍ في الدراسة، والتحليل، ولكن لا ينبغي لهم أنْ يبالغوا في ذلكَ، ويشتطوا، لدرَجة يشعرون فيها بانعدام الوزن تجاهَ ما يقرؤون، فيفقدوا بسبَبِ ذلك ما فُطروا عليه من فهْم للأدب، وما جبلوا عليه من تذوّق. فلا يضيرُ الناقدَ أنْ يَصْدر في التطبيق، أيًا كان المَنْهجُ، منْ منطلقاتٍ يراعي فيها هويته الذاتية، ورصيده الثقافي، والمعْرفي، وشخصيته القوميّة، التي تشكلُ اللغة، بصفةٍ عامّةٍ، واللغة الأدبيّة بصفةٍ خاصّةٍ، أحد عنواناتها الرئيسة. ولهذا نرى فيما سيقَ في البحث من أمثلةٍ مَظْهرًا منْ مَظاهر الاسْتلاب، وإنكارًا للذات مع الذوبان في الآخر. وفي ذلك ما فيه من خطر على الأجيال القادِمَةِ، وعلى الثقافة، وعلى الأدَبِ والأدَيب.*ناقد وأكاديمي من الأردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية