بغداد-“القدس العربي”: حفل المشهد العراقي خلال الأسبوع الماضي بالعديد من الحوادث والمواقف المثيرة التي تستحق الوقوف عندها لفهم جانب مما يجري في البلد الذي تتنازعه مصالح وصراعات القوى السياسية والقومية والطائفية والدولية، على حساب معاناة شعبه وأزماته منذ سنوات، وسط مؤشرات توحي بأن ترتيبات سياسية للوضع العراقي تلوح في الأفق في خضم عاصفة من التداعيات والتوترات المحلية والخارجية.
ففي سيناريو تصعيدي للوضع شنت العديد من القوى (الشيعية والسنية عدا الكردية) إضافة إلى المرجعية الدينية الشيعية، أعنف الانتقادات لأداء حكومة عادل عبد المهدي إزاء العديد من القضايا واتهامها بالتقصير في أدائها وواجباتها وعجزها عن تحسين أوضاع البلد أو الحد من انتشار السلاح والفساد وتمرد بعض الميليشيات على قراراتها.
وشجعت الأسئلة المحرجة التي وجهتها مرجعية النجف في خطبها الأخيرة إلى الحكومة، القوى السياسية (المشاركة في العملية السياسية) للتنافس في توجيه الانتقادات اللاذعة لأداء الحكومة واعتبار خطاب المرجعية هو الفرصة الأخيرة لحكومة عبد المهدي، إضافة إلى تسريبات عن شخصيات مرشحة لرئاسة حكومة بديلة.
وكان وكيل المرجعية الدينية العليا في مدينة كربلاء أحمد الصافي، وجه في خطبة الجمعة الماضية، مجموعة تساؤلات إلى أصحاب القرار في البلد، ركزت على إن “جميع شرائح المجتمع لديها معاناة، وهذه المعاناة ليس من الصحيح أن تبقى من دون حل”. وعرض الصافي مجموعة اسئلة مثل “هل هناك أفق ونور لحل مشاكلنا؟ لماذا دائما نحن متعبون ونعاني. أما آن الأوان كشعب أن نرتاح وتُلبى أبسط حقوقنا؟ لماذا لا يزال الفساد موجودا في مؤسسات الدولة. أين المسؤولون وأين المتصدون وأين تذهب أموال البلد؟”.
وفي كل الأحوال يتفق المراقبون على أن الحملة الحالية على حكومة عبد المهدي، هي محاولة جديدة من أحزاب العملية السياسية، للتنصل عن مسؤوليتها في تدهور الأوضاع في البلد ولامتصاص نقمة الشعب المتصاعدة ضد الحكومة والقوى السياسية ازاء التقصير في تقديم الخدمات ومعالجة الأزمات المزمنة.
ولا يستبعد الكثيرون كون حملة الأحزاب ضد حكومة عبد المهدي في جانب منها تهدف للضغط على الحكومة لتحقيق مكاسب أو للتغطية على فضائح جديدة عن تورط بعض القوى السياسية والمسلحة، في الترويج للمخدرات والمشروبات الروحية وإدارة قاعات الروليت والقمار في فنادق العاصمة، وهو ما أعلنه النائب فائق الشيخ علي عندما كشف عن دور خطير لبعض الأحزاب السياسية النافذة في إنعاش تجارة المخدرات وتعاطيها، وإنها تجني شهريا مبالغ طائلة تصل إلى 50 مليون دولار من صالات الروليت والقمار وتجارة المخدرات والمتاجرة بالنساء، مؤكدا أن ملف إغراق العراق بالمخدرات كان متعمدا وبدأ تنفيذه بطريقة مدروسة من قبل بعض الأطراف الفاعلة في المشهد السياسي.
وفي شأن آخر، شن نواب وقوى سياسية سنية، هجوما عنيفا على الحكومة لسكوتها وعدم فتح التحقيق لمعرفة حقيقة مئات الجثث المجهولة التي تم الإعلان عن العثور عليها في محافظة بابل جنوب بغداد اول أيام العيد والتي تمت إجراءات دفنها على وجه السرعة بدون تفاصيل عن الجهة التي قامت بقتل الضحايا، بالرغم من اتهامات لميليشيات مسلحة معروفة بانها تعتقل آلافا من أبناء مكون معين وأن الجثث تعود لبعضهم ممن تم إعدامهم في المعسكرات السرية العائدة لتلك الميليشيات. وقد أعادت هذه القضية المطالبات بفتح ملف آلاف المفقودين والمختطفين من أبناء المكون والذين تحتفظ بهم بعض الميليشيات في سجونها السرية منذ سنوات.
وفي ملف النازحين، اتهم رئيس لجنة الهجرة والمهجرين البرلمانية رعد الدهلكي، رئيس الوزراء بالتنصل عن وعوده ازاء عودة النازحين ابان تسنمه لمنصبه. وشدد الدهلكي في بيانه على ان “حديث عبد المهدي عن وجود ضغوط من أطراف سياسية تمنع عوده النازحين إلى مناطقهم هي تبريرات مرفوضة وتؤشر خوفه وعدم قدرته على الوفاء بعهوده السابقة” داعيا اياه إلى “تقديم استقالته في حال كان عاجزا عن التصدي لهذا الملف الحساس وحفظ كرامة وأرواح العراقيين الساكنين في الخيام بانتظار عودتهم إلى ديارهم”.
وضمن مسلسل التفجيرات الغامضة التي طالت معسكرات ومخازن أسلحة الحشد الشعبي في أماكن عدة من العراق مؤخرا، فقد وقعت سلسلة انفجارات هائلة في معسكر الصقر للحشد جنوب العاصمة العراقية، وسط اتهامات القوى الشيعية للولايات المتحدة وإسرائيل بقصف المعسكر ونفي الحكومة ذلك.
وقد أفرزت التفجيرات الجديدة، مخاوف وتساؤلات فيما إذا بدأت حرب المواجهة الأمريكية الإيرانية على الساحة العراقية فعلا، من خلال قصف معسكرات الحشد الشعبي المتهم بحيازة وتخزين صواريخ إيرانية، وعن سبب عدم إعلان الحكومة وبصراحة إذا كانت هناك غارات أمريكية أو إسرائيلية على معسكرات الحشد، وفيما إذا كانت هناك فعلا صواريخ إيرانية يتم تخزينها في العراق، وعن قدرة الحكومة على لجم الميليشيات المنفلتة التي وصلت إلى قيام قيادي معمم في ميليشيات النجباء المقربة من إيران بالدعوة لحل الجيش العراقي الذي وصفه بالمرتزقة، مطالبا بتسليم الحشد الشعبي، الملف الأمني، وسط صمت حكومي غير مبرر.
ويبقى المشهد العراقي خليطا عجيبا من الأحداث والمواقف المتناقضة والصراعات المتسارعة والتوقعات المفتوحة على كل الاحتمالات للحاضر والمستقبل، إلا انه ورغم تنوع الملفات والعناوين، فثمة خيوط تربط بينها، تعكس ضياع بوصلة الوطن والمواطن وسيادة مفاهيم طفيلية مثل المحاصصة والطائفية والفساد والميليشيات والصراع على السلطة، مقابل حكومة تتحكم بها مصالح القوى السياسية المحلية التي تنوي، على ما يبدو، جعلها كبش فداء للتغطية على فشلها وفسادها في إدارة البلد.