علال الحجام - رضا عطية - سليمة مسعودي - حكمة شافي الأسعد
تحت تأثير «الغصن الذهبي» لجيمس فرايزر، وقراءات المرجع الواقعي الاشتراكي أو الوجودي، وبروز مُحفزات أيديولوجية وحزبية ضاغطة، لاسيما بعد نكبة فلسطين 1948، لجأ الرعيل الأول من شعراء الحداثة العربية إلى استخدام القناع بأنواعه (التاريخي، الديني، الأسطوري..) للتعبير عن الالتزام بقضايا المجتمع، بلغة نبوئية وتبشيرية وثورية تريد أن تجد أجوبةً لمأساة التحول التاريخي. وقد ظل شعراء هذه المرحلة، الذين كان معظمهم ينتمي إلى أطر أيديولوجية قومية واشتراكية ويسارية وإسلامية (البعث في سوريا والعراق، الحزب الشيوعي والتجمع الوطني التقدمي الوحدوي في مصر، الحزب السوري القومي الاجتماعي..) يُشخصون الصراع، المعلن وغير المعلن، بين السياسي والثقافي في الشعر العربي الحديث. ومثلت الموضوعات القومية والاجتماعية، مثل الموضوع الفلسطيني والصراع الطبقي والاغتراب النفسي والموت والانبعاث، ضَغْطًا مُتصاعدًا على نصوصهم الشعرية. ومن ثمة، أدمنت الذائقة الجماعية على التعامل معهم بوصفهم الصوت السياسي للثورة العربية من أجل التغيير والتقدم والرفاه،، إلى أن حدثت النكسة عام 1967، فانهارت الأيقونات المادية والرمزية التي حملتها القصيدة، واطمأن إليها جمهورها، وفي طليعتها رموز الحركة التموزية (1950- 1964) التي ترتبط بدورات الحياة والموت؛ لأن الوقائع المادية على الأرض ومشاهد «الأرض الخراب» لم تكن تسندها فنياً، أو بالأحرى كانت تتناقض معها بشكل صارخ. وهكذا انكفأت الأيديولوجيا بمعناها الحزبي في الشعر العربي، ولم تعد تمده بشعارات وقيم وبلاغة متماشية معها، بعد ضمورها وانتهاء عهدها التبشيري، وبالتالي خفتت قضية الالتزام في هذا الشعر، على الأقل كما سادت وجرى الإيمان بها وتجسيدها نصيا. مع ذلك، لم ينقطع حضور الالتزام في نصوص الشعراء إلى وقتنا الحالي، فما زالت موضوعاته تعلن عن نفسها في أوقات محددة من المحن «الجماعية» كما رأينا ذلك في زمن «الربيع العربي» أو حين يتعلق الأمر بأحد أطوار المأساة الفلسطينية وعذاباتها الأكثر إيلاما لا شفاء منه في الوجدان العربي، كما اليوم حيث تشن آلة الحرب الصهيونية طلعاتها المسعورة على غزة وأهلها العزل.
سألت «القدس العربي» بعض الشعراء ودارسي الشعر الحديث في الموضوع: كيف تنظر إلى قضية الالتزام في الشعر؟ هل ما زال للالتزام العضوي بقضايا المجتمع مكان في الشعر المعاصر؟ وإلى أي حد باتت الحرية لدى الشاعر تعني أن يخلق عالمه ومداه، وأن يسعى إلى خلق وطنه التخييلي البديل عبر خفيضة اللهجة ومُتقشفة لم تعد تصدر عن وعي أيديولوجي بالتاريخ؟
علال الحجام: عدالة الشعر القاسية
لا أظن أن الشعراء العرب الذين التزموا في العقود السبعة الأخيرة بقضايا الإنسان العربي كانوا كلهم ناطقين باسم الحزب، أو أبواقا لمنظمة، أو مؤطرين مذهبيا تحت مظلة القومية العربية، أو ضمن الواقعية الاشتراكية أو الرؤية الاشتراكية للعالم، ولا نستثني هنا إلا القليلين الذين لا يقاس عليهم. إن حضور المأساة الإنسانية في الشعر العربي في النصف الثاني من القرن الماضي كان هما جماعيا، ليس حكرا على شاعر، سواء كان يساريا أو يمينيا أو إسلاميا، لأن مناخ الواقع والاحتقان السياسي اللذين خيما على المجتمعات العربية التي اكتوى جميع الشعراء بجمرهما، لكن الإحساس بهما والتعاطي معهما ظلا يخضعان سياسيا وفكريا وجماليا للوعي الذي اكتسبه كل شاعر فرد على حدة. والحال أن الشاعر المغربي في سبعينيات القرن الماضي، على سبيل المثال، كان يمارس على نفسه نوعا من الرقابة الذاتية لم يرغمه على ممارستها لا حزب ولا تنظيم، وكان يخجل تلقائيا من نشر قصيدة حب أو قراءتها في قراءات شعرية، لأن مناخ التلقي المأساوي لم يكن يقبل أن يكون الشعر تسلية أو تفكها أو تزجية للوقت، بل كان يتطلب بدل ذلك جدية شعرية قصوى تخلص لقضايا الإنسان، وتجعل من الشعر طقس عزاء ومواساة صادقين. والغريب أن هذه الرقابة الذاتية التي يحسب لها ألف حساب أمام المتلقي قارئا كان أو مستمعا كانت أكثر حدة من الإحساس برقابة السلطة التي تعتقل النص في مختبرها المظلم، تستجوبه وتحلله وتتأول معانيه بحساسية أمنية مفرطة. وفي الحالتين معا، أعني الالتزام المذهبي والالتزام التلقائي الحر، يجمل بنا أن نميز بين الالتزام والإلزام. ذلك أن الإلزام يجعل النص وظيفيا حينما يفرغه من نسغ الحرية الفردية، فيكون الالتزام عقدا سياسيا أو فكريا أو دينيا يحمل الشاعر على الخضوع لمشيئة الجماعة وإرضاء توقعها المنسجم تماما ورؤية الحزب أو المذهب أو الدين للعالم، فتصبح القصيدة مجرد ترجمة لبيان سياسي أو فكري أو ديني، يفتقد للكثير من مقومات الشعر الفردية الخاصة مثل، الخيال والعواطف والجمال، وهذا الجانب هو ما يسقط النص في تمحل يجعله يهتم بتجميل وظيفته الندائية وتهويلها، ويلتفت إلى ما هو براني ويلونه بألوان تناسب القضية المتعاطف معها، استدرارا لتعاطف المتلقي المناضل أو المنتمي لهذه الجماعة أو تلك مثلا أكثر من التركيز على قوام النص وسحره. ولعل هذا الجانب الحساس في الإبداع الشعري هو ما دعا جان بول سارتر إلى إبداء تحفظه من الالتزام في الشعر رغم الترحيب به في الأجناس الأدبية الأخرى.
ربما خفتت أصداء الالتزام بمعناه المذهبي والأيديولوجي في الشعر العربي الحديث منذ ثلاثة عقود على الأقل. لكن الالتزام المذهبي شيء، واهتمام الذات الشاعرة بما يستعر في داخلها وحولها وخارجها شيء آخر، فقد يفتر إن قليلا أو كثيرا حسب المناخ الذي تتخلق فيه القصيدة، لكنه لا ينعدم تماما، وإلا أصبحت الكتابة الشعرية، كما يريد لها النهلستيون أن تكون، وجها آخر للعدمية إذا هي فقدت الإحساس بما يحدث في العالم، ليس لما يعانيه الإنسان فقط، بل أيضا الأشياء والحيوانات التي يتفاعل الإنسان معها منذ الأزل. والدليل على ما تقدم هو تجربة مجلة «شعر» التي لم تستطع إقناعنا بانخراطها كليا في المغامرة الغائية الذاتية، واكتفاء القصيدة الشعرية بالتمركز حول موضوعها الجمالي. ألم تكن فكرة الحداثة نفسها قضية إنسانية جديرة بتأمل شعرائها لأحوالها. لذلك نظن ألا أحد يمكنه أن يقنعنا بأن أكثر الشعراء تجريداً هم فقط أولئك الذين أولوا ظهورهم للواقع وقضاياه الحارة جملة وتفصيلا. صحيح أن أغلبهم نبذ العمل السياسي وكفر بمقالب السياسيين، أو عارض على الأقل تغليب كفة السياسي على الشعري. وصحيح أنهم رفضوا القيام بدور النبي والمبشر والمخلص، لكنهم غالبا ما تحايلوا على التحريض وتعرية الواقع بأساليب مختلفة، تقي هشاشة المخيلة من مساميرِ الحياة وجليدها وجمارها بقدر ما تفتح آفاقَ تعبيرٍ جديدة حققت لها أبعادا جمالية غير مسبوقة من خلال تكثيف حضور الذات المفردة وتوظيف القناع بأشكاله والأسطورة والتخفيف من حدة الغنائية بمضاعفة منسوب التوتر الدرامي.
إن السباحة في ملكوت الشعر الصافي مغامرة غير محمودة، وكل فن لا مكان فيه للإنسان لا يمكن أن يفهمه إلا كائن آخر في مجرات مجهولة. البحر لا يكون ماؤه العرمرم إلا مالحا، والشعر بحر ملحه الإنسان فردا كان أو جماعة، وحين ينعدم ملح الشعر يترك للذكاء الاصطناعي، وللتفاهة أيضا، صناعة الشعر والرقص واللوحة. وهكذا يتضح أن اهتمام الشاعر بالقضايا المصيرية الكبرى ينبغي أن لا يكون دائما أمرا فوقيا متعاليا، ولا واجبا أخلاقيا ملزما، ولا أن يكون هو الموضوع الوحيد الذي يتوجب استحضاره بوعي وسبق إصرار، فمن العبث أن يبكي شاعرٌ دائما لموت فراشة أو عصفور ولا يرف لنا جفن أمام مقتل طفل برصاصة عدو، أو آلام شيخ تحت الأنقاض أو غرق امرأة في الفيضان. من هنا كان الالتزام الحر مثل صخرة سيزيف التي لا تفارق الشاعر ولا يفارقها شاء ذلك أم أبى، يحملها إلى قمة الجبل، ثم تتدحرج لكي ينتبه إلى غيرها في المنحدر، ثم تبدأ في صباح الغد الرحلة من جديد، قد تعفيه آلهة الشعر من حمل الصخرة كل يوم، لكنها لا تعفيه من نسيانها مرة واحدة. وهذه لعمري هي عدالة الشعر القاسية.
رضا عطية (مصر): من السياسي إلى الفكري
مرت قضية الالتزام في الشعر العربي المعاصر بعديد من المراحل والمنعطفات، يمكن تلخيصها في ثلاث مراحل رئيسية؛ الأولى مرحلة الإيمان الأيديولوجي العارم والحلم اليوتوبي الواعد في خمسينيات القرن الماضي وحتى منتصف ستينياته، وكانت مرحلة جديدة في الشعر العربي، شهدت تطورا فنيا مفصليا، بما يشبه الثورة التقنية المتمثلة في الشعر الجديد، شعر التفعيلة، وكانت موضوعاتها تخص الهوية القومية والحلم بيوتوبيا تحقق للإنسان العربي آماله وأحلامه في عالم جديد ملؤه الرخاء والعدالة وتحقيق قيم المساواة، وبدور فاعل للشعر وتأثر للكلمة. لكن مع الوقت أخذت أحلام الشاعر العربي في التبدد ويوتوبياه مسها الأفول. يقول أحمد عبد المعطي حجازي في قصيدته «الأمير المتسول»: (أقفرت الآن شوارعُ المدينةْ/ وانفض عنكَ الناسُ أيها الأميرْ/ فاحمل بقاياك الثمينةْ/ واحمل تماثيلَ الأميرةِ السجينةْ/ واذهب.. فقد جاءَ تِرَامُنَا الأخير!). فالشاعر/ المثقف يعلن انسحابه من المشهد الاجتماعي/ شوارع المدينة لإحساسه العميق بخيبة مريرة وإخفاق مُحبط بانفضاض الناس/ المجتمع عنه، وهو ما دعاه لحمل بقاياه الثمينة وما تبقى له من مشروعه وأحلامه ويوتوبياه ولم يكن قد قاله بعد، ليغادر حاملاً تماثيل الأميرة السجينة، التي قد تعني الحرية أو الأحلام العليا التي كان يتطلع إليها وبقيت سجينة لا يستطيع تحريرها وإطلاقها في الواقع، وهو ما ارتبط عند الشاعر بشعوره بفقدان الكلمة/ الشعر القدرة على التأثير.
وجاءت مرحلة السبعينيات من القرن العشرين، لتكون المرحلة الثانية في مسألة علاقة الشاعر العربي بقضية الالتزام، لتشهد إعلان الشاعر الصريح التخلي عن الالتزام، كما في تخلي حجازي عن الإيمان بفكرة الزعيم، البطل، المخلص لشعبه والملهم له، مثلما تبدى ذلك في الأيديولوجية الناصرية، كما في قصيدة «مرثية للعمر الجميل»: (هذه آخر الأرض!/ لم يبقَ إلا الفراقْ/ سأسوي هنا لَكَ قبرا،/ وأجعل شاهده مِزقةً من لوائكَ،/ ثم أقول سلامَا!/ زمن الغزوات مضى، والرفاقْ/ ذهبوا، ورجعنا يتامَى/ هل سوى زهرتين أضمهما فوق قبرك،/ ثم أمزق عن قدمي الوثاقْ/ إنني قد تبعتك من أول الحلمِ،/ من أول اليأس حتى نهايتهِ،/ ووفيت الذماما/ ورحلت وراءك من مستحيلٍ إلى مستحيلْ).
أما المرحلة الثالثة، فقد شهدت شكلاً جديدا من الالتزام لدى الشاعر تمثل في الدفاع عن الخصوصية الثقافية وروح الاستنارة وحمل قضايا التنوير، بتحول الشاعر من الالتزام السياسي إلى الالتزام الفكري في المقام الأول.
حكمة شافي الأسعد (سوريا): أزمة التواصل الفني
كان الالتزام قديما يعني أن يلتزم الشاعر بالمنافحة عن قبيلته والفخر بها وتعداد قيمها، وهذا كله كان يدخل ضمن (البطولي) وكان حالاً جمالية لا بد منها؛ ولذلك كانت القبيلة تحتفل إذا أنجبت شاعراً. وبعد عقود من مجيء الإسلام تحول الشاعر الملتزم إلى الالتزام بالحزب الديني، وهذا التزام سياسي على كل حال. ولم يتوقف الالتزام السياسي أو ينقطع في تاريخ الأدب العربي، لكن خطابيته السياسية أصبحت ممجوجةً في العصر الحديث، فالإنسان المنهزم لم يعد يرى في هذا الالتزام إلا نوعاً من التكريس اللفظي المكرر لهزائمه، لذلك تحول كل من الشاعر الحداثي والمتلقي الواعي إلى شيء من الفردانية، والميل إلى التفاصيل، وتقليل الانشغال بالقضايا العامة. وإذا انشغل هذا الشاعر بالقضايا العامة فهو يتناولها تناول الحذِر فنياً، الباحث في جزئياتها وتفاصيلها، الرائي لمآلاتها؛ فهذه الفردانية نشطت فنية الشعر ووسعت فضاءاته، على الرغم من دلالتها على الانكسار واليأس من الواقعي والسياسي. لكن الالتزام بصوره الكلاسيكية الحماسية الخطابية لما ينتهِ، بل أصبح أكثر نشاطاً بعد الثورات العربية، خصوصاً في القصيدة العمودية المعنية بالسياسي. ووجدت هذه القصيدة منبرها من جديد في وسائل التواصل، وفي البث المباشر، وفي التلاعب الإلقائي، وفي العودة الشعبية إلى التصفيق الانفعالي؛ لذلك كان الالتزام الجديد عائقاً جديداً أمام التحولات الإيجابية للقصيدة العربية، وعودةً إلى الأساليب الجافة التي لا ماء فيها، بينما كان يمكن استثمار الحدث الجديد في بناء رؤًى جديدة والشغل على الفني في السياسي. مع ذلك، لا تزال الفردانية وقصيدة العوالم الخاصة والمكان الخاص تحاول جاهدة في الظل، لكنها تبتعد أكثر وأكثر داخل نفسها وفي نطاقٍ ضيق من جمهورها، غير قادرة على التنافس مع الخطاب التواصلي المباشر والفج المسيطر على وسائل التواصل وعلى البرامج الإعلامية الداعمة.
سليمة مسعودي (الجزائر): الخروج للبحث عن المعنى في الوجود
يعد سؤال الالتزام من أهم ما يطرحه راهن الشعر المعاصر من أسئلة وجوده وجدواه، خصوصا بعد تلاشي طوباويات الثورة وتراجع الأيديولوجيات، والانحسار التدريجي لفكرة المجتمعات، لصالح المجتمع الكوني العولمي، الذي تشتت فيه الذوات، وترهلت العلاقات الإنسانية، وسيطرت عليه سرديات التشظي والعنف والكراهية، واجتاحته حالات الخيبة والعدمية والأزمة بمختلف تشعباتها الوجودية والثقافية والاقتصادية، ومد السيولة التي اجتاح كل تمفصلات الحياة، في سرعة جنونية نحو الهاوية. والالتزام بمعناه العام ظاهرة أدبية عرفتها مختلف العصور من خلال ترويج الأدب لعقيدة سياسية أو تيار فكري ما، أو أيديولوجيا بعينها، ما يجعله فاعلا في الرهانات الاجتماعية السياسية عبر التاريخ، لكنه قد عرف في المنتصف الأول من القرن العشرين كتيار أدبي يؤمن بضرورة انخراط الأدب في قضايا عصره ومجتمعاته، حيث اكتسب نوعا من المسؤولية الاجتماعية جعلته مرتبطا بأيديولوجيات عصره كنقد للحياة، وهذا ما تمخضت عنه أسئلة الواقعية والجمالية، والثقافة والمقاومة، وهو ما انعكس على الشعر العربي في مرافقته لحركات التحرر وثورات الشعوب، ثم لأحزاب البعث والاشتراكية.
وإذا كانت الحداثة، خصوصا منذ المنتصف الثاني من القرن العشرين، قد قامت على تضخم الذات الفردية كذات مركزية وفاعلة، لها كامل السطوة على العالم وإدارته، بعيدا عن المرجعيات وسرديات الدين والأخلاق، فإنها لم تخلف سوى سيطرة العقل الأداتي والانفتاح المطلق على اللذة والاستهلاك، والتمرد على كل القوانين والقيم السابقة، معاملة إياها على أنها معتقدات وأنظمة وسلطات استبدادية قيدت البشر منذ عصور، فإنها لم تخلف سوى ذوات مشتتة وفاقدة لهوياتها؛ فالفرد الذي تخلى عن انتماءاته واتجه نحو ذاته، لم يجد ما يملأ هذه الذات سوى الخواء والفراغية والعدم، وهو ما دعا إلى فكرة الخروج للبحث عن المعنى في الوجود، بعد القطيعة مع الله الطبيعة والعلم ذاته، وبعد تداعي الأديان والمنظومات الفكرية التي كانت تسهر على إنتاجه وتوفيره للإنسان، وبصور شتى، داخل منظومة هيأت كل أسباب العودة إلى الذات، بإزاحة المرويات الكبرى والتعامل معها كعوالم مخيالية لا أساس لها من الواقع، وفرض أنماط جديدة من الهيمنة عن طريق سياسات التسويق الإعلامي للسلع والأفكار.
إن الالتزام في شعر ما بعد الحداثة هو استعادة جدوى وجود الكائن البشري ووعيه بكينونته الإنسانية، من خلال استعادة إيتيقا الأخلاق، وإستطيقا الجمال بدل القبح، وميتافيزياء الروح لتعادل فيزياء الجسد الطاغية، فتتوازن كيمياء هذا الكائن البشري، وهي الوظيفة الأولى التي تكفل بها الشعر منذ وجوده كنص مؤسس، والتي تنهض في المنعرجات الكبرى لتدافع عن حدود الإنسانية من التلاشي والضياع، وتعيدها من تغريبتها، إذ تتردد أصداؤها في الراهن الشعري لدى مختلف الأمم، بعد أن أدرك الشعراء أن الانكفاء على ذواتهم في حالات التشظي والوحدة والاغتراب ليس حلا، بقدر ما هو أحد تمظهرات المعضلة.
كاتب مغربي