هل بين زعمائنا رجل؟

حجم الخط
0

أثبتت التجارب السياسية العربية المتلاحقة في تجليات ممارساتها المتعددة داخليا وخارجيا أن الساسة العرب على اختلافاتهم المذهبية والعقائدية وتضارب مرجعياتهم، فشلوا في أن يحصدوا القبول الإيجابي من شعوبهم، كما فشلوا في أن يثبتوا أقدامهم في ساحة العلاقات الدولية المتداخلة؛ أما أسباب ذلك فترجع في مجملها إلى غياب الشرعية عنهم، إضافة إلى نقص الخبرة وضيق الأفق وغياب الأهداف الاستراتيجية والضعف والارتباك في التعامل مع الأزمات عالمية ومحلية، وكل ذلك يبدو مبررا مادامت المصالح الشخصية وحدها تتفوق على المصالح العليا للوطن لدى هؤلاء وأتباعهم.

أثر ذلك بالتالي على خطط التنمية والبناء سلبا، وصير حال البلدان العربية مثار الهزء والتشفي، أو الشفقة والاعتبار على أقل تقدير.. فسياسات الحكومات العربية الرعناء جعلت الإنسان العربي في مؤخرة قائمة البشر، منزوعة عنه حقوق المواطنة من احترام آدميته إلى حريته في التعبير عن أفكاره وممارسة قناعاته، هذا علاوة على حرمانه من الاستقرار الاقتصادي والنشاط الاجتماعي، استعانة بالأجهزة الأمنية التي لم تتورع عن ارتكاب الفظاعات تجاهه، مذكرة إياه بأن ما يصلح للاستهلاك الإعلامي لا يعني في أغلب الأحوال أنه واقع معيش، إنما هو شهادة قبول ضرورية وشكلية في حقيقتها من أجل الدخول إلى الحقل الدولي، لا تستعمل إلا لتحقيق الغرض الذي قامت من أجله، لا غير. وأينما ولينا من مشرق العالم العربي إلى مغربه سنلتقي بحالات متشابهة إلى حد التطابق أحيانا من التردي الحقوقي، ونرصد الانهزام العميق في النفسية الشعبية والروح المعنوية للأفراد، وهو وضع مشين تمتاز البلدان العربية بالمحافظة عليه وتعميقه حتى لا يشعر مواطنها بأن هناك تغييرا حقيقيا سيأتي ذات يوم، تقوم فيه الأنظمة بالمصالحة معه، ورد الاعتبار له وترميم بنيان الإيمان بالمستقبل المشرق في روحه التي أنهكها الأمل، وأدمتها رماح القمع والظلم والطغيان.

ورغم كل ذلك تبدو خطوات تعمير الطريق بين الحكومات وبين مواطنيها ممكنة، وغير مكلفة كذلك، لكن يجب أن لا يكون ذلك تكتيكا تحقق به الدولة المكاسب، بل فعل صادق يجعل من المواطن الأساس الأول والأهم في حركة المجتمع، وليس عرضا يمكن التلاعب والتغرير به، فالثقة بين مؤسسات الدولة وبين الأفراد هي ما يلزم لتفعيل عجلة المشاركة وتسييرها إلى البر الآمن. إن النضال من أجل التحرر من المحتل يدعم الفعل النضالي ويكسبه شرفه التاريخي، لكن الحياة المعاصرة نقلت هذا النضال إلى صراع أفراد المجتمع ومؤسساته المدنية مع السلطة في سبيل تحقيق العدالة الاجتماعية.. وكم هو مؤلم أن ينافح الشقيق عنه ظلم شقيقه، بدلا من التفكير في صناعة مصير من الرخاء يتقاسم الشقيقان ثماره ونتائجه، والمحرض على ذلك هو تعالي السلطة على شؤون مواطنيها، واعتبارهم دوما عالة، وإقصاؤهم، وإعداد العدة لإرهابهم وتخويفهم والبطش بهم.. وهذا ـ في حقيقته ـ سيؤثر على وجود هذه السلطة وعلى ثبات أركانها، فردود الأفعال توافق درجة الفعل، والعنف سيتبعه عنف مضاد، والأمران لن يصبا حتما في مصلحة البلاد، بل في وادي خراب أكيد، يخلف دويا هائلا وتوابع مدمرة، وشقا عريضا لن تنجح الأيام في ردمه، والخير هو في التقاء الأطراف جميعها على المشتركات، وجعل مصلحة الوطن والمواطن هي العليا، وهو ما سيخلف على السلطة أيضا ضمان بقائها وشرعيته. وعلى أهل الحكم أخذ العبر من التاريخ، ومن توصيات الشرائع، ومن النضالات الطويلة والدامية لشعوب العالم، فربما سبب الغرور والثقة الصماء العمياء في النظام الأمني انقلاب السحر على الساحر، فحتى المؤسسات الأمنية قد تتحول إلى مصدر خطر على وجود الحكومة، والأمثلة من الانقلابات في العهد الحديث والقديم أيضا متوفرة وساطعة كما شمس الضحى.. أما ما يوفر الحماية لها فهو ثقة مواطنها وإيمانه بكونها معبرا شفافا عنه، وقناة حيوية لتوفير الحياة الكريمة له، واحترام إنسانيته وعقيدته وحرياته.

صالح قادربوه – ليبيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية