هل تبدو الصورة على هذه الشاكلة؟

حجم الخط
0

نصر جميل شعث

إلى الشاعر اللبناني يحيى جابر الخريفُ خفيفٌ. فالماء، على الأقلّ، ليسَ ثقيلاً في وثيقة الأشجار. وفكرةُ أنْ أقطع يدي المُعلّقة في الصورة لأكسر بها نفسي في مرآة الممرّ الكبيرة، هي فكرةٌ معقولة. أما الجنون فهو أن نثبّتَ لمبةً أعلى العمود الفقري لسارقٍ ماتَ واقفاً وتحلّلَ في آخر الليل على سطح الغرفة؛ لنبحثَ عن قطعة الذهب التي ابتلعها السارق المجنون! تلك حربٌ ثابتة بين ظفر وظفر في يد التمثال المُعلّق في الصورة؛ أحضرتْ من ذاكرةِ الليل حركةَ فأرٍ أفسدَ علينا النومَ، وهو يقرض في العتمة خبزةً ناشفة! كلّ نسيان باح به ضيوفُ الغرفةِ صارَ جبلاً وراء قميصي، أنقله من الزاوية إلى الكرسيّ وأصعدَ لأغيّر لمبةً تعطّلت فجأةً، وأنا أحلم بشمعةٍ على صخرة في البحر. قدري أن أمسكَ موت اللمبةِ بظهر القميص الخالي من لمعة الأزرار. لماذا روح اللمبات قصيرة؟!! وكلّما غسلتُ القميصَ من غبار النومِ تخفّفَ من الماء سريعاً وطار لكثرة ما فيه من ألقابٍ وعصافير!

أنا لم أكذبْ على أحدٍ ولم يكذب عليّ أحدٌ في اليوم الأوّل من نيسان! لو كانتْ أصابعُكِ حرّةً لوصلني وميضها، ولكنّي انشغلتُ الآن بوميض الزينة التي تغطِّيها! كلّما نظرتُ أبكاني الوميضُ، وحملني قاربٌ من مفردة الطيف، لأنجو من ماء الشبح! ربطوا البحر بالبحر فصار الماء عقدةً نصبوا عليها جبلاً وقالوا له: سرْ وحدك وانبسط!! كتبتُ سطراً ومحوتُ بالنزقِ الأمل. الثلاثُ نقاط الشاردةُ آخر السطر الممحوّ… نجَتْ!. كلّ قصيدةٍ أكتبها بمعولِ المرح على حبة عنب لم تجفّفها شمسٌ أمام شاعرٍ نسي معطفه في بهجةِ البوح، كلّ قصيدة لا تسع كتاباً لا تسعه مكتبة ولا ربيع؛ هي كرْم بلا سياج والليلُ دبّ.

فلا تطلقوا الرصاص على رأس الكلب، ضعوا ذيلَه الأعوج في قالبٍ من حديد الزهر. أطلقوا الرصاص على القالب. سينكسر القالبُ وينقطع الذيل. اتركوا للكلب رأسَه المشتعلة بالعواء حزناً على الذيل. أنا الخريفُ بكامل خفَّتي ناقص الآن، ودمي ثقيل في وردةِ نيسانَ صانعِ الكثير من الورود لأنّ الزمنَ مَقبرة الأحلام. حتى أنّ كلّ ديوني التي لم أسدِّدها بعد، حتى أنّ كلّ ندبات حروبي المعتدلة ـ مُصادفةً – كخيطٍ ناتىء من ستارة؛ سببها خطأ عاطفيّ وقَعَ على حافر الأمل في شيوع الصورة! أبداً أبداً لم أعاصرْ ميلادَ صخرة في حياتي. لكن كلّ يوم أشهدُ ميلادَ الماء، وأعيشُ زلات الجسد. اليومَ وقعتُ كلّي على ظهري، ولمّا نظرتُ إلى السماءِ رأيتُ قلبي في الهواءِ، مَحلّ رأسي، يمشي ويبتسم! الجوّ مطرٌ وريح تكنسُ البحرَ ويبقى البحرُ مَحلّه، ولأني وقعتُ وقعة كادت أن تكسر يدي قبل ساعات قليلة؛ لن أخرجَ لسهرة الليلة. (هي في سمعي على طول المدى….). الوقعات، أيضاً، تكشف عن مرح الجسد. المساحات المظلمة إنّني أضيئها وأغسلها: بالبحر، بألقاب الطير، بسرعة الجميلات، بالمطر، بعينيّ، بأصواتي المختلفة في حوصلةِ الهواء، بمرح القارب في النهر ورقصة خشبه المقوّس وهو يُقبِّلُ تعريجةَ اللسان. واحدةٌ من جرائم الحبّ، لم تحدث في حقّ صباي، ندائي على الموتِ مُبكّراً؛ لأستدرَّ دموعَ بنتِ الجيران حزناً عليّ أنا الذي كبرتُ ببطء، وكانت هي أمّا لأطفال يلعبون بالحجارة والرمل وأعقاب السجائر وأعواد الآيس كريم على عتبة بيتهم، وتارةً كانوا يمسحون بخبز أمّهم البدينة على خدودهم السمراء!

لا أعرفُ أسماءَهم بترتيبِ الأعمار. ومثلهم لا أعرف شيئاً عن وزن قنبلة يدوية، ولا عن وزن قطعة كلاشنكوف. ولديّ تقديرٌ شعريّ لوزن الهواء والحجارة في الطريق. نحن الذين انتصف العمر بنا لم نبك في الطفولة من نقص الأرغفة، لكن من نقصِ الحجارة ومن كبرها في الطريق إلى الأم. كانت أمي تقطع قبعات البامياء، وكنت ألصقها كمصفوفة أجراس وخوذ خضراء على جبهتي! كنا نشكر الله، كجدّاتنا المُحدودباتِ، أننا ما زلنا ندفن موتانا سالمين من نقصان الأعضاء. وعند تمثيل المشهد بالدمى كنا نشكر الله، أيضاً، أنّ ممحاةً خُلعتْ من رأس قلم رصاص لتكون رصاصة لم تنقص الدمية عضواً واحدا أمام الصغار على البلاغة. وإذا ما انخلع عضوٌ من حركة النصّ الحزين؛ بالدمع الحريص عليهم عدّلنا خروجَ عدوّ ما قبل الصاروخ والقنبلة والفضائيات عن النصّ. عدوّنا الذي لم يكن قطعاً أخاً لنا. كيف نصيغ الحمدَ اليوم والثكالى لا يعرفون أعضاء أبنائهم من أعضاء جيرانهم يا الله!

وأنا أمكّنُ لمباتِ الضوء الأسود في قصيدةٍ أكتبها لامرأة عن مباهج الركبة، مسّـني هاجسُ الموتِ وحيداً بعد ثلاثِ ساعاتٍ بتوقيتِ ساعة الحائط فوق رأسي. وحيداً وبركبتين لم تلمسا ركبتي المرأة التي لا تصلّي، ولا تعرف أن شارعاً راقصاً ومزدحماً في ‘رام الله’ اسمُه ‘رُكَبْ’. وأسرعتُ أقلّبُ صورَ المرأة التي لا تلبس التنانير. فخلتِ المهلةُ من العطاس ومن الشيء الغريب! الله في ‘غزة’. ‘يحيى جابر’ خارج ‘بيروت’ يبحث عن أمل. وبخارُ قهوة مكانِها ينقلُ قصيدة الصباح من المرآةِ إلى شرفة تطلّ على ‘الشام’! ودليلُ المسافر سَروةٌ تجري إلى قمر بين جبلين وراء قطار يمرّ من تحت شجرة ياسمين العبيرُ منها حرّر الحديقةَ من غبار السَّرو، وتكسّرتْ آلهةٌ في ظلّها المعدوم! يحدث أن تجري السروةُ إلى مصبّ الليل، أمام المسافر، عاريةً من الخوفِ محْميّةً بمطرٍ يغسله مطرٌ تَعلّقَ في السروّ كالأسماء الخفيفة على شفاه المدُن السمراء المشغولة بهتاف شتويّ وحارّ. يحدث أن تقيمَ السرعةُ في كلّ خطوة ذاهبة في الحديث عن أصل الهواء ومعناه. يحدث أن تكونَ السرعة مشكاة، والصلاة الخفيفة أيقونةً من دمعةٍ في الروح تقوّض صخرةً على الصدر ملقاة!

على البحيرة يشفّ الجليدُ ويتداعى. فكّرتُ في الماء الزائد على عين الأم هناك، فكّرت بنقصه في صابونة الركبة؛ فأطلقَ الكوخُ أحلاماً على طريق الأزرار في القميصِ الذي تجغرف في ريح فصلت قطعة جليد عن قطعةٍ أخرى وسيّرتْ ناحية السفح قطعة ثالثة. الفاصلُ المتعرّج بين قطعتين ضاق واتسعَ مثل نهرٍ تقوده طيور! ثمّ تواطأتْ شمسٌ على طبقات الغيمِ، ولمع طائرٌ على تلّة محصّنةٍ بالريح. الشمس أيضاً ابتسمت لذروةً مَسّها الثلجُ وزالَ عن قالبٍ في شكل فنجان قهوةٍ تماسكَ فبرزتِ النكهة لنقرة الطائر المجنون! لخمس دقائق بالضبطِ أقامَ عطلٌ مفاجىءٌ في ماكينة التربيط. وفيها تذكرتُ بعض المواقف المضحكة في حياتي. فجأة وأنا أضعُ يدي فوق يدي في صمت العطل؛ استأنفتِ الماكينة عملَها بصوتٍ، والله العظيم، كان ضحكة! هكذا وبعد انتهائي من غسل صحون الفطور، نفضتُ يديّ المُبلّلتين فوق عين الغاز الكهربائي الحامية. طقطقت حبّاتُ ماء تحدّرتْ من رُؤوس أصابعي على العين. فسمعتُ إطلاقَ نار بعيد، وتذكّرتُ سيّدة تُولولُ بأسلوب يديها في نشرة الأخبار. قضمُ التفّاحةِ وهرْسُ قطعِها تحتَ أسناني يُشوّشانِ عليّ الاستماع إلى الأخبار!! نمتُ وحلمتُ أني ميّتٌ في جريمة. قال الجناة الواقفون على جثتي لأشباحهم: قطَف النائمُ عشرين وردة لحبيبته من بستانٍ صغير لعاشقةٍ مات حبيبُها في الطريق إليها. صحوتُ وقلتُ للجبل القريب: كم أحببتُ ميتتي مداناً بعشرين وردة! يحلُمُ ولا يحلُمُ: سيرة النائم. أعرفُ ولا أعرفُ: في الحالتين حياتي ناقصة! المخدّةُ الخفيفةُ لا ريشَ نعامٍ بداخلها، أدفنُ رأسي تحتَها وأنام. واليدُ التي امتدّتْ أمسِ إلى طرف دائرة مائية لم يقع عليها طائرُ النوم رغم سمكة الضوء الراقصة في مركزها؛ أيضاً كانت خفيفةً خفيفةً لا وقت بداخلها!

وأنا أتحوّل كتاريخ من رأس سريري إلى رأسه الآخر في الضوء الذي نَسيْتـُه أنا في غفوة العشر دقائق، قفزتْ من يدي المخدّة تحتَ قوائم الكرسيّ ورقّ ظلّها على جسدي الخفيف. قلتُ وأنا أتأمّل قفزَها الذي لا يشبه تدحرج السلطة: ‘لماذا بهذه السرعة تطيرُ من يدي المخدّة؟’ قالتِ المرآةُ الضيّقة على كيمياء الريشةِ العظيمة، المرآة التي كسمكةِ لا تحفظ حوادث الوجوه: ‘لأنها يا مجنون خفيفة!’ وردّدت وراءها فملأ الهتافُ غرفتي وممرّها الطويل!! الزمنُ قفلٌ، الفراشة التي حاولتْ حملَ مفتاحِه إليّ كادَتْ أن تمّحي في فضّة المعدن الصقيلْ. وحتى لا أشقى في انتظاري على عتبة الأمل، وحتى لا تمّحي الفراشة في ندمِ عجزها؛ أسرعتْ في مُغادرة الوميض الذي بلّلها، وانفردتْ كدرفتي بابٍ ملوّن على عين القفل. هكذا يعتذر الجمال في كلّ حادثةٍ تنالُ من قوّة الأمل. الأمل المُوزّع بالعدل على الأمنيات هو العدلُ الذي يَنشدُه أمل المُنحاز. وأنا وحيدٌ في الحياد كقطرة بين الغيمة والنهر، وحيدٌ ومتردّد في الانحياز للغيمة أم للنهر الآن؟!

لا تغامرْ في رسم الكون. قلبي كونٌ لا يُشبه كونَك. لا أدْعُو الاختلافَ إلينا، فما أقولـه مُجرّد شعر!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية