هل تتجه الأمة العربية إلي الفناء؟

حجم الخط
0

هل تتجه الأمة العربية إلي الفناء؟

هل تتجه الأمة العربية إلي الفناء؟ يقول ابن خلدون في مقدمة تاريخه، إن الأمة إذا غُلبت وصارت في ملك غيرها أسرع إليها الفناء. ويعلل السبب في ذلك بما يحصل في النفوس من التكاسل إذا مُلك أمر الأمة عليها، وصارت بالاستعباد آلة لسواها وعالة عليهم فيقصر الأمل ويضعف التناسل، فيتناقص العمران وتتلاشي المكاسب، وتعجز الأمة عن المدافعة عن نفسها، وتسير نحو الزوال. ويعطي ابن خلدون مثالاً علي ذلك بأمة الفرس كيف كانت قد ملأت العالم كثرة، ولما فنيت حاميتهم في أيام العرب تحولوا إلي قلة، ومن ثم دثروا كأن لم يكونوا. ومنذ أن سقطت هذه الأمة في يد الغرب بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية عام 1918، تفرّق أمرها أيادي سبأ واستعبدت واستغلت وقُهر أبناؤها وتم اغتصاب فلسطين عنوة وقهراً. ومن ثم ظهرت فيها دول كثيرة وصغيرة زعمت أنها دول مستقلة وهي في حقيقة أمرها تابعة وخانعة للقوي الغربية بشكل مباشر أو غير مباشر. وإمعاناً في تمزيق هذه الأمة، أصبح اسم المنطقة التي تتواجد فيها الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأصبح استقلال الدول الموجودة مقدساً بالنسبة لبعضها البعض فقط. أما بالنسبة لقوي الاستكبار العالمي، فإن قاعدة القداسة لا تسري عليها، لأن هذه القوي تستطيع أن تتدخّل في الشؤون الداخلية لأية دولة. لكن، في المقابل، لا يجوز لأية دولة عربية أن تتدخل في شؤون دولة عربية أخري. وإذا ما حاولت دولة عربية ما تجاوز الخطوط الحمراء وقررت التدخل في شؤون دولة مجاورة لها، فإن قوي الغرب الساهرة علي تفريق هذه الأمة تستنهض كل قواها لردع الدولة الجائرة علي الدولة الأخري، كما حدث لمصر مع السودان، وللعراق مع الكويت، ولسورية مع لبنان. والمطلوب هو إبقاء هذه الدول علي ما هي عليه من التفرّق والضياع. وكلما ظهر في هذه الأمة من يسعي إلي لمِّ شملها ورفعة شأنها، تجيّش ضده كل قوي العالم لإفشال مشروعه وتدميره. فقد تم تجنيد كل قوي الشر العالمية والعربية لتدمير المشروع الناصري الذي كان يسعي إلي تحقيق الوحدة العربية. وتمّ بثّ الدعاية الكاذبة ضد عبد الناصر واتهم بأنه شيوعي يسعي إلي نشر الكفر والإلحاد في العالم العربي. ورفعت القوي العربية المتحالفة مع الاستكبار العالمي شعار الإسلام في وجه المشروع الناصري العربي. وأصبح من يتحدث عن العروبة في تلك البلاد كمن يحكم علي نفسه بالكفر والفسوق، ويصبح خارجاً عن إجماع الأمة المسلمة. وهذه القوي التي كانت تنادي بالإسلام في وجه عبد الناصر، أصبحت الآن تنادي بالعروبة. وهذه المرة في وجه المشروع الإسلامي المتمثل بحركات المقاومة والممانعة في المنطقة العربية. والهدف من وراء كل ذلك هو ضرب أي مشروع عربي إسلامي يهدف إلي رفعة شأن هذه الأمة. وفي الوقت الذي يري فيه العرب والمسلمون كيف أن الصهاينة يقتلون كل يوم المزيد من الشعب الفلسطيني ويسرقون المزيد من أرضـــــه، ويرون أيضاً كيف تم احتلال العراق وتمزيقه، وتم قتل نحو مليون إنســــان بريء من شعبه.إذن، فالعبرة هي في الموالاة للغرب وفي التحالف معه. فالحلفاء وما أكثرهم يتسابقون لإرضاء الغرب ولو كان ذلك علي حساب مصالح شعوبهم ودولهم، فلا بأس، في نظر هؤلاء في إقامة علاقات مع إسرائيل طالما أن ذلك يرضي الغرب. ولا مانع عند هؤلاء أيضاً من مقاطعة حكومة حماس طالما أن ذلك يرضي الغرب. وإذا مات الشعب الفلسطيني كله من جراء مقاطعة الغرب لحكومة حماس، فإن هذا أمر عادي عند هؤلاء الحلفاء، فلا يرفّ لهم جفن، لا بل يدّعون أنهم المدافعون الحقيقيون عن فلسطين وعن شرف الشعب الفلسطيني. وكم يتمني الإنسان العربي لو كان هؤلاء صادقين في أقوالهم، وأن يعملوا فعلاً علي تحرير فلسطين من الدنس الصهيوني. لكن هيهات، هيهات أن ينالوا شرف هذا الأمر، وهيهات، هيهات أن تجتمع كلمة هـــــذه الأمة إلاّ علي ما يضرُّها ولا ينفعها، لأن حكم التاريخ قد وقع عليها بعد أن غُلِبتْ وصارتْ في ملك غــــــيرها من الأمم. محمد خليفةكاتب من الامارات6

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية