لندن ـ «القدس العربي»: تصدر النجم المصري محمد صلاح، عناوين الصحف والمواقع الرياضية البريطانية والعالمية على مدار الأيام والساعات القليلة الماضية، ليس ككل مرة منذ انضمامه إلى ليفربول في صيف 2017، لأسباب تتعلق بتألقه أو نجاحه في ممارسة هوايته المفضلة بتسجيل المزيد من الأهداف وتحطيم الأرقام القياسية التاريخية، بل للتدهور الملحوظ في مستواه وتأثيره المعتاد على نتائج الفريق، مكتفيا بالمساهمة في ما مجموعه 6 أهداف من مشاركته في 12 مباراة في مختلف المسابقات، منها 4 مساهمات فقط في 8 مباريات على مستوى البريميرليغ بإجمالي هدفين ومثلهما تمريرات حاسمة، الأمر الذي عجل بجلوسه على مقاعد البدلاء أمام آينتراخت فرانكفورت في أمسية دوري أبطال أوروبا الأخيرة، التي حسمها الفريق بنتيجة 5-1، كأول انتصار يحققه الفريق بعد السقوط في آخر 4 مباريات في كل البطولات، لكن ما أثار الجدل حول مستقبل المو أكثر من أي وقت مضى، ليس فقط ذاك التعديل المثير في صفحته الشخصية على منصة «انستغرام»، من خلال حذف مسمى لاعب كرة قدم بنادي ليفربول وتغيير صورته بقميص النادي، بل أيضا إصرار المدرب على إجلاسه على مقاعد البدلاء حتى الأمتار الأخيرة، رغم أن الفرصة كانت متاحة لإشراكه بين الشوطين، بعد الإصابة المفاجئة التي ألمت بالوافد الجديد السويدي ألكسندر إيزاك، بيد أن المدرب فَضل الرهان على الإيطالي فيدريكو كييزا، إلى أن تذكر الفرعون المصري في آخر ربع ساعة، وبالأحرى بعد انتهاء المباراة عمليا بعد التقدم بخماسية مقابل هدف، والسؤال الذي يفرض نفسه هو: ماذا أصاب محمد صلاح هذا الموسم؟ وهل حقا انتهت سنواته الخوالي في «الآنفيلد»؟ الإجابة في هذا التقرير.
الطاقة السلبية
قبل التركيز على صلاح وتحميله أكثر من طاقته، كان واضحا أن المدرب الهولندي، لم يعثر على التوليفة السحرية القادرة على تحقيق أحلام وتطلعات الجماهير، بتحويل مشروع النصف مليار يورو، إلى آلة كروية تجمع بين الطرب الكروي الأصيل وبين الانتصارات الكاسحة والعريضة على الخصوم الكبار قبل الأندية المتوسطة والصغيرة، وما عزز هذا الاعتقاد أو الفرضية، الطريقة المثيرة التي كان يحقق بها الفريق انتصاراته في فترة جلوسه على قمة أندية البريميرليغ، تارة يغتال نيوكاسل وهو بعشرة لاعبين، بالضربة القاضية في الوقت المحتسب بدل الضائع، وتارة أخرى يسرق آرسنال بتصويبة سينمائية من المجري سوبوسلاي في آخر دقائق المباراة، وبالمثل قهر أتلتيكو مدريد وأندية أخرى بنفس السيناريو الذي لا يتحمله أصحاب القلوب الضعيفة، وفي تلك الفترة، كان وضع قائد الفراعنة لا يختلف كثيرا عن جُل رفاقه القدامى والجدد، لكن بمجرد أن تراجعت النتائج، أو بعبارة أخرى أكثر صراحة، بمجرد انكشاف نقاط ضعف الريدز، بدأ يتم تصوير المو، على أنه «كبش الفداء»، أو على أضعف الإيمان، واحد من أكثر المسؤولين عن ضعف الفعالية الهجومية، لكن بإلقاء نظرة محايدة على السبب الجوهري وراء اختلاف النسخة التي يبدو عليها صلاح هذا الموسم، مقارنة بالصورة المرعبة التي كان عليها في الموسم الماضي، الذي ختمه بالمساهمة بما مجموعه 57 هدفا في مختلف المسابقات بإجمالي 34 هدفا و23 تمريرة حاسمة، سنجد أنه يكمن في فارق الجودة والكفاءة والخبرة بين طيب الذكر ألكسندر أرنولد وباقي الأسماء المتاحة، بما في ذلك جيريمي فريمبونغ وكونور برادلي، حيث كان الابن الضال يلعب دور صانع الألعاب الوهمي، بتمريراته العبقرية لصلاح في ظهر المدافعين، وأيضا انطلاقاته العنترية التي كانت تفتح مساحات شاغرة في المناطق المحظورة في دفاعات المنافس، وقبل هذا وذاك، حالة التفاهم والتناغم بين النجم المصري وزميل الأمس، وهو ما يفتقره مع زملاء اليوم، لكن مع الوقت، قد يحدث الانسجام الذي يحلم به سلوت وجهازه المعاون، حتى يعود هداف الموسم الماضي، بالنسخة الأسطورية التي رسمها لنفسه منذ عودته إلى الدوري الأكثر شهرة وتنافسة عالميا.
العمر والضغوط
سيكون من الصعب الجدال على أن الملك المصري، بدأت تظهر عليه مؤشرات التقدم في السن، صحيح هو يتعامل مع جسده، على أنه استثمار العمر، مثل استثمار ملك اللعبة كريستيانو رونالدو مع جسده، من خلال الحفاظ على نظام غذائي مثالي، والهوس بالتدريب في صالة الألعاب الرياضية سواء في النادي أو منزله، لكن هذا لا يعني بالضرورة، أنه سيخالف عقارب الساعة على طريقة الفيلم الهوليوودي «بنجامين باتن»، أو سيبقى بطاقة لاعب في منتصف العشرينات أو بداية عقد الثلاثينات، بل سيتعين عليه التعامل بذكاء أكثر مع طاقته داخل الملعب، تماما كما تقبل صاروخ ماديرا نصيحة الأسطورة زين الدين زيدان، بنسيان فكرة اللعب في مركز الجناح الأيسر المهاجم إلى الأبد، بهدف توفير 80% من طاقته في مركز المهاجم السفاح رقم (9)، حتى أن المحيط الإعلامي الأبيض، كان يسرب بعض المعلومات من داخل التدريبات، أشهرها منع الدون من استهلاك طاقته في أكثر من 20 مترا بعيدا عن الثلث الأخير من الملعب، ليتحول بعدها رونالدو من جناح هداف، إلى الهداف التاريخي لكرة القدم في كل العصور، والحل؟ أن يتوصل إلى اتفاق مع المدرب سلوت، لإعادة توظيفه في مركز يتناسب أولا مع عمره مع اقترابه من دخول منتصف عقد الثلاثينات، وفي نفس الوقت، يستعيد بصمته وتأثيره، بتلك الطريقة المحفورة عنه في الأذهان، كواحد من الأسماء الكلاسيكية الثابتة في القائمة المنافسة على جائزة هداف البريميرليغ، على الأقل حتى فترة أعياد الميلاد، لكن حتى الآن، يبدو وكأن صلاح وسلوت، على قناعه بأن ما كان يفعله بالأمس والكيلومترات التي كان يقطعها الموسم الماضي، من الممكن أن يكرر نفس الأشياء هذا الموسم، في الوقت، الذي لم يستقر فيه المدرب على ثلاثي ثابت على دائرة المنتصف، ونفس الأمر في مركز الظهير الأيمن، بعد الإصابة التي ألمت بالوافد الجديد فريمبونغ، وغيرها من المشاكل الفنية والتكتيكية التي ما زال يعاني منها الفريق، وكانت سببا في اختفاء بريق المو في الأسابيع القليلة الماضية، قبل أن تتضاعف عليه الضغوط بطريقة غير مسبوقة، خاصة بعد الفرص السهلة التي أهدرها بغرابة شديدة في ليلة السقوط أمام تشلسي.
ناقوس الخطر
تظهر لغة الأرقام، أن فعالية صلاح هبطت إلى النصف هذا الموسم مقارنة بنفس الفترة الموسم الماضي، أو وفقا لمنصة «أوبتا»، قام بتسديد 19 كرة منذ بداية هذا الموسم، مقابل 22 في نفس الفترة الموسم الماضي، لكن بإجمالي أهداف متوقعة بنحو 1.18، بينما الموسم الماضي فكانت أهدافه المتوقعة 3.31 هدف كل 90 دقيقة، ناهيك عن تراجعه في قائمة اللاعبين الأكثر نقلا للكرة إلى داخل مربع العمليات، من اللاعب الأكثر لمسا للكرة داخل مربع العمليات الموسم الماضي، إلى اللاعب الثالث في القائمة حتى الآن، فضلا عن تراجع لمسته للكرة على حدود منطقة الجزاء، وهذا وفقا لخبراء شبكة «إي إس بي إن»، يرجع في المقام الأول إلى تقدمه في السن، على عكس وضعه طيلة العقد الماضي، كلاعب جوكر يقوم بثلاث وظائف في الثلث الأخير من الملعب، المهاجم الصريح، والجناح المهاجم ولاعب الوسط المهاجم، وهذا ما جعله يساهم في نصف الأهداف التي سجلها الفريق في البريميرليغ الموسم الماضي، بينما هذا الموسم، يبصم على واحدة من أبطأ بداياته في مشواره الاحترافي مع أحمر الميرسيسايد، وسط مخاوف أن يواجه ليفربول نفس مصيره في أسوأ موسمين للمو في «الآنفيلد»، والحديث عن موسم 2020-2021، الذي انتفض فيه الفريق في الجولات الأخيرة لتأمين مكانه في دوري الأبطال، وموسم 2022-2023، الذي فشل فيه الفريق في الحصول على أحد المراكز المؤهلة للكأس ذات الأذنين.
وبالإضافة إلى كل ما سبق، تشمل أسباب تراجع تأثير صلاح وانطفاء الكثير من بريقه، فشل المدرب حتى الآن في توظيف الوافد الجديد فلوريان فيرتز، الذي من المفترض أنه جاء إلى المشروع ليكون القطعة الثالثة في خط الوسط، لكن فجأة قرر المدرب تحويله إلى حقل تجارب، أحيانا يشركه في مركز الجناح الأيسر المهاجم، وأحيانا أخرى خلف المهاجم ومراكز أخرى، ما أفقد الفريق ميزة التمرير السريع غير المتوقع، الذي كان يصب في مصلحة صلاح وبالتبعية مصلحة الفريق، ناهيك عن إشكالية غياب التفاهم بينه وبين رفاقه الجدد في الثلث الأخير من الملعب إيزاك وإيكيتيكي، على عكس الوضع في وجود لويس دياز والمنبوذ داروين نونييز، حيث كان يُنظر إلى صلاح باعتباره صاحب الأفضلية في تسجيل الأهداف، بصرف النظر عن الفرص التي كان يهدرها المهاجم الأوروغواني، لكنه كان يبدع في فتح المساحات وخلق الفرص لصلاح، لكن بالنسبة لإيزاك وإيكيتيكي، فكل منهما هدفه الرئيسي هو تسجيل الأهداف، لإثبات أحقيته في المبلغ الذي دُفع فيه للتوقيع معه، وهذا بلغة أصحاب المال ورجال الأعمال «أخذ جزءا من نصيب صلاح في التورتة»، فهل تعتقد عزيزي القارئ أن صلاح سينتفض مرة أخرى لانتزاع مكانه وتأثيره في هجوم ليفربول؟ أم ستصدق التوقعات التي تشير إلى اقتراب نهاية قصة الحب بينه وبين الريدز ولا تستبعد ذهابه إلى السعودية في الميركاتو الشتوي المقبل أو في صيف 2026 على أقصى تقدير؟ دعونا ننتظر لنرى رد فعل صلاح بعد حملات التشكيك والهجوم العنيفة التي تعرض لها في الآونة الأخيرة.