هل تحبط ‘اسرائيل’ مفاوضات الغرب مع ايران؟

حجم الخط
0

د. عصام نعمان يدرك قادة ‘اسرائيل’ جيداً مقاربة باراك اوباما في ولايته الثانية لأزمات المنطقة. هم متأكدون انه يبتغي الوصول الى تسوية متكاملة لها جميعاً.ظاهر الحال يشير الى ان المفاوضات مع ايران تتقدم، في هذه الآونة، على مسارات المفاوضات بشأن الازمات الاخرى. فقد اختتمت مجموعة 5+1 (الدول الخمس الكبرى والمانيا) وايران مفاوضاتهما حول البرنامج النووي الإيراني منتصفَ الاسبوع الماضي في كازاخستان، حيث جرى الإتفاق على استمرار المحادثات على مستوى الخبراء في اسطنبول تليها جولة اخرى في آلمآتي (كازاخستان)، في وقتٍ طلب وزير خارجية اميركا جون كيري عقد محادثات ثنائية مع طهران. كبير المفاوضين الإيرانيين سعيد جليلي خرج متفائلاً من قاعة المفاوضات. لكن بنيامين نتنياهو، الذي كان يترقب في ‘اسرائيل’ النتيجة بفارغ الصبر، اعرب عن قلقٍ شديد. ذلك انه يتخوف من ان يؤدي تفاهم اميركا واوروبا مع ايران الى انعكاسات سلبية على صراع الكيان الصهيوني مع حلفاء ايران في المنطقة: سوريا وحزب الله اللبناني وحركتي ‘حماس’ و’الجهاد الإسلامي’ الفلسطينيتين. نتنياهو عبّر عن قلقـه الشديد بقوله إن إيران تواصل تحدي المجتمع الدولي ولا يبدو أنها معنية بوقف برنامجها النووي العسكري. أضاف: ‘أن طهران تواصل رفض جميع المعايير الدولية، وأنه على هذه الخلفية يتعيّن على المجتمع الدولي تشديد العقوبات المفروضة عليها وأن يوضح لها أنه، إذا ما استمرت في تطوير برنامجها النووي، فإنه سيتمّ فرض عقوبات عسكرية عليها. وفقاً لما نُشر في وسائل الإعلام الغربية، فإن الدول الكبرى الست تراجعت عن المواقف الحازمة التي اتخذتها في الجولات السابقة، وخصوصاً عن موقفها الذي كان يصرّ على إغلاق منشأة تخصيب اليورانيوم في فوردو، واكتفت بمطالبة طهران بتخفيف عمليات التخصيب في هذه المنشأة، وتمكين مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية من الدخول إليها. كما وافقت على ان تحتفظ ايران بجزء كبير من كمية اليورانيوم المخصّب الموجود لديها في مفاعل الابحاث النووية في العاصمة طهران.ثمة خشية في اميركا واوروبا من ان تقوم ‘اسرائيل’ بإحباط المفاوضات الجارية بين الغرب وايران عن طريق ضربة عسكرية قوية توجهها الى احد حليفي ايران، سوريا وحزب الله، او لكليهما معاً. ذلك انه من المحتمل ان تردّ سوريا منفردةً او الطرفان متحدين على الضربة الإسرائيلية ما قد يتطور الى حرب اقليمية.الخشية من خطوة اسرائيلية عنيفة لإحباط المفاوضات نشأت في اعقاب سلسلة اعتداءات نفذتها ‘اسرائيل’ على مدى الاشهر الثلاثة الماضية ضد سوريا (عملية جمرايا) ولبنان (عملية الوزاني) وفلسطين المحتلة (عمليات قمع مقاومي الإستيطان، وقصف مخيمات قطاع غزة، واعتقال مجاهدي حركة ‘حماس’ في الضفة الغربية.(غير ان مؤشر الخطر الاكبر يبقى الحرب المذهبية بين السنّة والشيعة التي تبذل ‘اسرائيل’ جهوداً ضخمة لتأجيجها في العراق ولبنان وسوريا وفي كل بلد يتواجد فيه مجتمعان سنّي وشيعي. في العراق، حذّر رئيس الوزراء نوري المالكي من ان ما تشهده بلاده من احداث مرتبط بما يجري في المنطقة، وكذلك بالسياسات الطائفية المتبعة، مؤكداً ان التحريض المذهبي والتدخل الخارجي سيؤديان الى’حرب اهلية في لبنان وتقسيم لسوريا وإنقسامات في الاردن وحرب طائفية في العراق، وسيخلق ملاذاً جديداً لتنظيم ‘القاعدة’ الذي سيزعزع الإستقرار في المنطقة.في لبنان، يلوح في الافق منذ ثلاثة اشهر شبح حرب اهلية منطلقها الصدامات المسلحة بين مجموعات الإسلاميين السلفيين السنّة من جهة وحي جبل محسن العلوي في طرابلس من جهة اخرى. كما صبّت الصدامات المسلحة بين عناصر مؤيدة للمعارضة السورية من جهة، ومن جهة اخرى الجيش اللبناني في منطقة عرسال الحدودية الزيتَ على نار المشاعر المذهبية المتأججة في محافظة البقاع، شرق البلاد. غير ان اخطر مظاهر الفتنـة التوترُ الشديد الذي يخيم على مخيم عين الحلوة الفلسطيني قرب صيدا في جنوب لبنان نتيجةَ تسرّب عناصر محسوبة على ‘جبهة النصرة’ الإسلامية المتطرفة اليه وما تردد عن صدامات وشيكة بين هذه العناصر وحزب الله. ذلك كله حمل امينه العام السيد حسن نصرالله على التنبيه الى ان ‘هناك من يدفع لبنان، وبشكل متسارع، الى اقتتـال طائفي ومذهبي، سني شيعي’، محذراً ‘من يعنيه الامر من ان يخطيء الحساب معنا’.ما كان السيد نصرالله ليطلق تحذيراته لولا ان صيدا شهدت اخيراً مناوشات امنية تثير القلق وتمهد لصدامات اشد عنفاً. فصيدا هي بوابة الجنوب، والجنوب هو الميدان الرئيس لوجود المقاومة ونشاطها. واذا ما اضطرب الوضـع في صيدا، فإن طريق الوصول الى الجنوب قد تُقطع في وجه قوى المقاومة كما في وجه قوات الامم المتحدة ‘يونيفيل’.في المقابل، تمعن ‘اسرائيل’ في الضغط السياسي والإعلامي والعسكري لحمل دول الغرب الاطلسي على وضعها في الحسبان قبل التوصل الى تسوية مع ايران حول برنامجها النووي.الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي العميد يوآف مردخاي هدد بقوله إنه في حال اندلاع أي حرب بين إسرائيل وحزب الله في المستقبل، فإن ذلك سيؤدي إلى إصابة عدد كبير من المدنيين غير الضالعين فيها بدعوى انتشار مواقع هذا الحزب في عمق المناطق الآهلة بالسكان.تهديدات ‘اسرائيل’ ضد اعدائها الاقليميين ارتدّت عليها. فقد افادت معطيات جديدة نشرها مكتب الاحصاء المركزي الإسرائيلي اخيرا ان الهجرة الى ‘اسرائيل’ شهدت خلال سنة 2011 انخفاضاً بنسبة 2′ وان عدد المهاجرين الجدد (اليهود) اليها بلغ 16557 مهاجراً فقط. واشارت هذه المعطيات نفسها الى ان المعدل السـنوي لعدد المهاجرين الجدد الى ‘اسـرائيل’ خلال العقد الماضي لم يتجاوز 18000 مهاجر، بينما كان هذا المعدل خلال السنوات 1990-2002 اكثر من 84000 مهاجر. الى ذلك، لاحظت مصادر ديبلوماسية اممية في روما ان اميركا واوروبا اللتين تدركان مغزى التهديدات الاسرائيلية ضد ايران وسوريا وقوى المقاومة في لبنان وفلسطين، تدركان ايضاً مخاطر عدم التصدي لمنظمات ‘الجهاديين’ المتطرفين التي لها اجندة خاصة تتعارض مع رؤية دول الغرب الاطلسي لما يجب ان تكون عليه سوريا بعد تسوية ازمتها الراهنة. فـ ‘الجهاديون’ يريدون اقامة ‘امارات اسلامية’ ستصبح في المستقبل معادية لدول الغرب الاطلسي، وقد يشتد ساعدها فتنقل نشاطها الى عقر دارها. صحيح ان الاطلسيين يرغبون في ألاّ يكون للرئيس بشار الاسد اي دور في المفاوضات المزمع اجراؤها بين اطراف الصراع، لكن اميركا واوروبا ترفضان سيطرة ‘الجهاديين’ الجزئية على قوى المعارضة المسلحة في بعض المناطق السورية. اذا كان الامر كذلك، ما سر استمرار الدعم الاميركي والاوروبي لقوى المعارضة السورية المسلحة ؟ لا يخفي بعض الديبلوماسيين الاطلسيين الهدف السياسي والإستراتيجي وراء سلوكية بلدانهم في الازمة السورية، ولاسيما في مؤتمر ‘اصدقاء سوريا’ الذي انعقد مؤخراً في روما. انه تحسين المركز التفاوضي للمعارضة في وجه النظام عشية بدء الحوار المرتقب بين اطراف الصراع. وزير خارجية اميركا جون كيري نفسه قال بصراحة إن الغاية من وراء دعم المعارضة السورية بالمال وبالاسلحة غير القاتلة هي ‘لحثّ الاسد على بدء تغيير حساباته بشأن البقاء في السلطة’. لكن لا يبدو ان الاسد مصغٍ الى ما يقوله كيري.مع ذلك، يبدو جميع اطراف الصراع مضطرين الى اعـادة النظر بحساباتهم، ولو بمقادير متفاوتة، لجعل الحوار والتفاوض ممكنين.’ كاتب لبنانيqmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية