من الصعب التعود على ذلك في العصر الذي نعيش فيه، لكن ليست كل خطوة للإدارة الأمريكية مرتبطة بدونالد ترامب. صحيح أن التوقيت المفاجئ للانسحاب الأمريكي من سوريا هو قرار للرئيس المتقلب، خلافاً لرأي مستشاري الأمن القومي، لكنه يتوافق تماماً مع السياسة الأمريكية الموجودة منذ عقد، وهو يتوافق أيضاً مع مزاج الشعب الأمريكي السائد حاليا.
في الانتخابات الثلاثة الرئاسية الأخيرة كان هناك مرشحون أيدوا سياسة التدخل العالمي: جون مكين محارب الحرب الباردة في 2008، ميت روماني الذي سبق عصره عندما حذر في المواجهة الرئاسية من عودة روسيا إلى الساحة الدولية في 2012، هيلاري كلينتون التي أيدت تحديد منطقة محظورة الطيران في سماء سوريا في 2016. في كل مرة تم انتخاب المرشح الذي عارض المغامرات العسكرية: براك اوباما مرتين، وترامب حتى الآن مرة واحدة.
لا يوجد رئيسان مختلفان أكثر من أوباما وترامب، ولكن في كل ما يتعلق بالتدخل العسكري العالمي، سياستهما متشابهة.
الدوافع مختلفة. اوباما أيد الدبلوماسية والتعاون مع الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، وهو لم يرغب في الحديث عن «الخصوصية الاستثنائية» لأمريكا. ترامب يرى أمريكا أخرى تماماً، لكن النتيجة واحدة. تدخل مباشر أقل في ما يجري بعيداً عن حدود الولايات المتحدة، وعدد أقل من الأحذية العسكرية على الأرض.
هناك الكثير جداً من التقديرات الأخلاقية، الجيوسياسية والتاريخية، كي تفعل الدولة العظمى والأغنى والأكثر نجاحاً في التاريخ الإنساني من أجل سلامة العالم، لكن ترامب شعر بالرغبة الكبيرة الموجودة لدى الأغلبية الساحقة من الأمة التي لا تفهم منذ فترة طويلة ما الذي يريد الجنود الأمريكيون تحقيقه في أفغانستان والعراق وكوريا الجنوبية، والآن في سوريا. كما توجد صفة مشتركة أخرى بين اوباما وترامب ـ يحتقران مؤسسة السياسة الخارجية في واشنطن: آلاف الخبراء، والدبلوماسيين، والأكاديميين، وكبار الضباط والصحافيين الموجودين في الإدارة والبنتاغون وفي مراكز الأبحاث. لا يهم إذا ما كان هناك في البيت الأبيض يجلس رئيس جمهوري أو ديمقراطي، فإن هؤلاء يواصلون الدفع نحو خط يدعو للمسؤولية الأمريكية تجاه النظام العالمي. اوباما في اللحظة الحاسمة التي قرر فيها عدم الرد بهجوم عسكري على استخدام السلاح الكيميائي ضد المواطنين في الغوطة ـ الضاحية الشرقية لدمشق ـ حيث قتل هناك نظام الأسد مئات الأشخاص في آب 2013، كان قد خرق كل مسلمات المؤسسة. وترامب الذي في بداية ولايته قصف قاعدة لسلاح الجو السوري رداً على استخدام السلاح الكيميائي، يستخف بالمؤسسة طوال فترة ولايته.
واوباما وترامب أيضاً استوعبا ما يصعب على الخبراء هضمه، وهو أن الشعب الأمريكي غير معني بأن يقوم إليوم بدور الشرطي العالمي. هذا لا يعني أن الإدارة الأمريكية توقف تدخلها تماماً وراء البحار. في سنوات ولاية اوباما ازداد وبصورة متواصلة استخدام الولايات المتحدة للطائرات بدون طيار لمهاجمة وتدمير متهمين بالإرهاب الإسلامي. تصفيات محددة يمكنها ربما تصفية تهديدات محددة، لكنها لا تؤثر على الواقع على الأرض.
في إسرائيل يبالغون قليلاً في أهمية سحب القوات الأمريكية من شمال شرق سوريا. هو يؤثر في الأساس في المستوى المحلي على علاقات القوى بين الأكراد والأتراك ونظام الأسد. التداعيات بشأن تأثير إيران سيكون بالإمكان قياسها فقط فيما بعد. أيضاً الحديث عن انتصار كبير لروسيا هو أمر مدحوض. فلادمير بوتين منذ فترة هو المنتصر الأكبر في سوريا، والقاعدة الأمريكية لم تغير ذلك بصورة جوهرية. منذ اللحظة التي اختار فيها استغلال الفراغ الذي تركه اوباما وزعماء الغرب في سوريا، وأرسل في 2015 قواته إلى سوريا لمنع انهيار النظام.. حول نفسه إلى صاحب القول الفصل في الساحة.
الانتقاد الذي يُسمع من جهات سياسية في إسرائيل تجاه بنيامين نتنياهو لأنه اعتمد أكثر من اللازم على حليفه ترامب، هو انتقاد مرفوض أيضاً. نتنياهو هو آخر من سمح بالادعاء تجاهه بأنه تأخر في تشخيص ضعف مكانة أمريكا في سوريا، وأنه لم يفعل الكثير من أجل محاولة توطيد علاقته الشخصية مع بوتين والعلاقات الاستراتيجية بين الجيش الإسرائيلي والقوات الروسية هناك. من الواضح أنه كانت لإسرائيل مصلحة في أن يبقى الأمريكيون في المنطقة من أجل موازنة النفوذ الروسي والمساعدة على صد التمدد الإيراني. ولكن من البداية، آلاف الجنود الأمريكيين لم يأتوا للدفاع عن إسرائيل، بل لدعم الأكراد والمساعدة في الحرب ضد داعش. ترامب لم يخف في أي مرحلة بأنه سيكون مسروراً من سحب قواته من هناك، وحقيقة أن القوات بقيت هناك حتى الآن هي دليل على تأثير البنتاغون على السياسة، وهو تأثير يقل حسب الظاهر.
الخوف الأكبر ليس من إنهاء الوجود الأمريكي الضئيل في سوريا، بل مما يمكن لترامب القيام به في الساحة الدولية. لديه كراهية عميقة وغير واضحة تماماً لحلفاء الولايات المتحدة التقليديين في أوروبا، أعضاء الناتو.
ترامب مقتنع بأن أعضاء الناتو وآخرين يستغلون الولايات المتحدة في أنهم لا ينفقون ما يكفي من الموارد على جيوشهم، وبهذا يلقون على أمريكا عبء الدفاع عن أوروبا من روسيا. بعد أن ألغى ترامب المناورات المشتركة مع جيش كوريا الجنوبية، في أعقاب القمة مع زعيم كوريا الشمالية، كيم جونغ أون، التي لم يتم فيها تحقيق أي شيء رغم ادعاءات ترامب الكاذبة عن تجميد تطوير الصواريخ والذرة، والآن بعد أن أنهى بصورة مفاجئة الانتشار الأمريكي في سوريا، ليس بالإمكان استبعاد احتمالية أنه سيخرب في حلف الناتو. احتمالية كهذه يجب أن تقض مضاجع زعماء الغرب وأن تقلق جداً زعماء إسرائيل.
انشل بابر
هآرتس 21/12/2018