هل تراجعت الهوية الاسلامية في مسودة دستور الخمسين؟

حجم الخط
1

هل تراجعت الهوية الاسلامية في مسودة دستور لجنة الخمسين؟ سؤال بات مطروحا بعد انتهاء اللجنة من المسودة التي سيتم طرحها للاستفتاء الشعبي خلال الفترة القليلة القادمة.. ولعل السبب في طرح هذا التساؤل يرجع الى التهم التي كانت تكال لدستور 2012 المستفتى عليه شعبيا بأنه دستور إخواني طائفي يكرس الهوية الإسلامية من ناحية، والتشكيل العلماني للجنة الخمسين من ناحية ثانية.. فهل حدث تراجع في مفهوم الهوية الإسلامية، وكذلك النصوص المتعلقة بالشريعة وغيرها في مسودة الدستور أم ماذا؟
بداية قد يكون من المفيد تحديد مفهوم الهوية فهوية أي كيان فردي أو جماعي هي مجموعة الخصائص والصفات التي يُعرّف بها هذا الكيانُ نفسُه، ويعرفه بها غيرُه، وتظلُّ حاضرةً في شعوره، وتمثِّل المرجعية العليا لعقيدته وخلُقه وسلوكه وتعامله، ونفس الأمر بالنسبة للمجتمعات. فالمجتمع ككل لا بد له من هوية، تكون أولاً بمثابة العقل الجمعي الذي يَعرف به المجتمع انتماءَه الأول، وولاءه الأكبر، ومرجعيته العليا، وتكون ثانيا المنبع الذي يستقي منه المجتمعُ ملامحَ شخصيته المتميزة المستقلة التي ترفض الذوبان في غيره، وتكون ثالثا الحصن الحصين الذي يحتمي فيه أبناء المجتمع، والرباط المتين الذي يضمُّهم.. فلا عجبَ- إذا- أن تحرص كلُّ أمة على تأكيد هويَّتها والاعتزاز بها والتصدي بحزمٍ لمحاولات مسخِها أو طمسِها، لذا كان لكل مجتمع هويته الذي تميزه – فهذه فرنسا أم التنوير والديمقراطية كما يقولون.. ترفض التوقيع على الجزء الثقافي من (اتفاقية الجات)، حتى تتمكَّنَ من تقييد دخول المواد الثقافية الأمريكية إليها، التي تَعتبرها فرنسا تهديدا صارخا لهويتها القومية. والهند.. يمنع الهندوس بيع الزهور في ‘يوم الحب’، بل ويحرقون المحلاَّت التي تتجرَّأ على بيعها؛ بزعم أن هذا يتنافَى مع الهندوسية والثقافة الهندية.
ويلاحظ أن الهوية تتشكل من روافد شتى تاريخية واجتماعية وجغرافية، إلا أن الدين يظل هو الرافد الأكبر، لاسيما إذا كان جامعا لكل مناحي الحياة..
وكما يقول الدكتور محمد عمارة، فإن الهوية الاسلامية جزء أصيل وموروث من تاريخ مصر الإسلامية، الذي مضى عليه أكثر من أربعة عشر قرناً. وهي تعبير عن هوية الدولة والمجتمع والأمة والحضارة، مثلما تعبر العلمانية عن هوية بعض المجتمعات، وتعبر الليبرالية عن هوية مجتمعات أخرى، وفي هذه المجتمعات العلمانية والليبرالية تعيش أقليات مسلمة يزيد تعدادها في كثير من الأحايين على تعداد المسيحيين في مصر، ثم إن هذه الهوية العربية الإسلامية لمصر، اختارتها وأقرتها اللجنة التي وضعت دستور سنة 1923، بإجماع أعضائهــــا، بمن فيــــهم القيادات الدينية المسيحية واليهودية. كما أن 63′ من المواطنين المسيحيين المصريين، الذين تم استطلاع آراؤهم حول تطبيق الشريعة الإسلامية – بما فيها عقوبات الحدود في استطلاع الرأي الذي أجراه ‘المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية’ بمصر عام1985 وافقوا على قوانين الشريعة الاسلامية’، وهو ما أكد عليها زعماء الأقباط السياسيين والدينيين، فالزعيم مكرم عبيد صاحب المقولة المشهورة ‘نحن مسلمون وطنا نصارى دينا’، وكذلك قول البابا شنودة :’إن الأقباط في ظل حكم الشريعة يكونون أسعد حالاً وأكثر أمناً، ولقد كانوا كذلك في الماضي، حينما كان حكم الشريعة هو السائد، نحن نتوق إلى أن نعيش في ظل ‘لهم ما لنا وعليهم ما علينا’.
ولما كان الدستور يعكس هوية المجتمع فقد ثار جدل كبير حول عدد من النصوص التي تتعلق بالهوية والشريعة الإسلامية على النحو التالي:
ـ عدم الاعتراف بالأمة الإسلامية.. والاقتصار في مقدمة الديباجة على أن مصر عربية، وفي المادة الأولى الخاصة بهوية الدولة تم النص على أن ‘…الشعب المصري جزء من الأمــــة العــــربية يعمل على تكاملها ووحدتها، ومصر جزء من العالم الإسلامي’.. وواضح أن هناك اعترافا بالأمة العربية بدون الأمة الإسلامية.. وربما هذه الوجهة هي التي عبّر عنها المخرج خالد يوسف.. ويبدو أن اللجنة أخذت به، علما بأن مفهوم الأمة الإسلامية هو مفهوم قرآني من ناحية، كما أنه أيضا مفهوم سياسي يقوم على الأساس العقدي، وعليه، فللأمة الإسلامية أربعة أبعاد أو عناصر هي: الجماعة ‘الشعوب الإسلامية’ التي تشكل (مادتها الحية)، والعقيدة/ المنهج، والوظيفة أو الدور، ثم بُعد الزمن أو الحدّ التاريخي للأمة. وربما هذا الجانب العقيدي هو ما أراد خالد يوسف إبعاده.. ويبدو أنه تم وضع مفهوم العالم الإسلامي الذي هو بالأساس مفهوم جيوسياسي من أجل تقليل حدة النقد لهذا النص.
ـ إلغاء المادة 219 من دستور 2013، التي كانت تعرف كلمة مبادئ الشريعة الاسلامية في المادة 2 بأن’ مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية، وقواعدها الأصولية والفقهية، ومصادرها المعتبرة، في مذاهب أهل السنة والجماعة’، حيث اكتفت مسودة دستور الخمسين بالنص في الديباجة على ‘نكتب دستوراً يؤكد أن مبادئ الشريعة الاسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، وأن المرجع في تفسيرها هو ما تضمنه مجموع احكام المحكمة الدستورية العليا في ذلك الشأن’.. ويلاحظ أن حزب النور كان حريصا على التمسك بهذه المادة لآخر لحظة على غرار ما حدث في 2012، رغم اعتراض حزب الحرية والعدالة عليها في حينها، على اعتبار أن نص المادة الثانية يكفي لاسيما أنه يتضمن الأحكام قطعية الثبوت والدلالة.. وهو نفس الحكم الذي أخذت به المحكمة الدستورية عام 1996، لكن تمسك بها النور، وسار على نهجه الحرية والعدالة، على اعتبار أن منهج حزب النور لا يميز بين الأحكام قطعية الثبوت والدلالة، وتلك الظنية الثبوت والدلالة . ورغم أن الأزهر هو الذي قام بتعريف هذه المادة في حينها، إلا أنها أثارت اعتراضات كثيرة في حينها من القوى العلمانية والكنيسة، مما أدى الى انسحابهم من الجمعية التأسيسية.. لذا كان هناك تربص بهذه المادة هذه المرة من جانب الكنيسة والقوى المدنية من ناحية، وحزب النور من ناحية ثانية، بسبب اصرار الطرف الأول على حذفها، والثاني على الابقاء عليها.. وكحل وسط تم الاتفاق على حذفها، والاشارة في الديباحة الى تفسير المبادئ بأنه ما تضمنه مجموع احكام المحكمة الدستورية العليا في ذلك الشأن’.
ـ الغاء النص الخاص بأخذ رأي الأزهر في القضايا المتعلقة بالشريعة الإسلامية، رغم أن نص المادة الرابعة في دستور 2012 يشير إلى أخذ الرأي فقط، وليس وجوب الأخذ به، إلا أن القوى العلمانية أصرت على حذفها، على اعتبار أن أي رأي يتعلق بالشريعة من اختصاص المحكمة الدستورية وحدها، وفي هذا انتقاص من دور الأزهر.
ـ الغاء كلمة الشورى الواردة في نص المادة 6 من 2012 ‘يقوم النظام السياسي على مبادئ الديمقراطية والشورى’ والاكتفاء بكلمة الديمقراطية.. صحيح أنه قد لا توجد فروق جوهرية بين الاثنين، ناهيك عن أن القوى الإسلامية تمارس الشورى ولا تعارضها، إلا أنه تظل هناك فروق بين الشورى والديمقراطية تتعلق بالمرجعية.. وإن كان النص في الدستور على مبادئ الشريعة يجعل هذه الفروق تتلاشى. لكن من الواضح أن ظاهرة الإسلاموفوبيا كان لها دور كبير في هذا الشأن.
ـ حذف المادة (11) من دستور 2012 التي تنص على أن ترعى الدولة الأخلاق والآداب والنظام العام، والمستوى الرفيع للتربية والقيم الدينية والوطنية، والحقائق العلمية والثقافة العربية والتراث التاريخي والحضاري للشعب؛ وذلك وفقا لما ينظمه القانون’. وهو ما يتفق مع السياق ذاته الخاص بتغليب الهوية العلمانية في الدستور.
ـ الغاء النصوص الخاصة بانشاء مؤسسات للوقف الخيري، وكذلك العمل على احياء وتشجيع ظاهرة الوقف. والاكتفاء فقط بتشجيع الوقف.. فوفقا للمادة (25) من دستور 2012 ‘تلتزم الدولة بإحياء نظام الوقف الخيري وتشجيعه. وينظم القانون الوقف، ويحدد طريقة إنشائه وإدارة أمواله، واستثمارها، وتوزيع عوائده على مستحقيها، وفقا لشروط الواقف’ في حين اكتفت المادة 90 من مسودة دستور الخمسين على’تلتزم الدولة بتشجيع نظام الوقف الخيري لإقامة ورعاية المؤسسات العلمية، والثقافية والصحية والاجتماعية وغيرها، وتضمن استقلاله وتدار شؤونه وفقا لشروط الواقف وينظم القانون ذلك’.
ـ التضييق على نشأة الأحزاب الاسلامية عبر نص المادة 74 الذي أشار إلى ‘ولا يجوز مباشرة أي نشاط سياسي، أو قيام أحزاب سياسية على أساس ديني، أو بناء على التفرقة بسبب الجنس أو الأصل أو على أساس طائفي أو جغرافي’، في حين كان نص المادة 6 من دستور 2012 ‘ولا يجوز قيام حزب سياسي على أساس التفرقة بين المواطنين؛ بسبب الجنس أو الأصل أو الدين’.. فهي رفضت التمييز في العضوية على أساس الدين. أما بالنسبة لبرامجها هي وغيرها من الأحزاب العلمانية- فلا بد أن تنبع من المرجعية الإسلامية، على اعتبار أن الإسلام هو دين الدولة ومبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع وفق المادة الثانية، لكن نص مسودة الدستور في هذا الصدد يتناقض مع ديباجة الدستور من ناحية، ومادة الهوية من ناحية ثانية.. مما قد يسبب أزمة دستورية بسبب تعارض المواد.
مما سبق يتضح وجود حالة من الاسلاموفوبيا داخل لجنة الخمسين، سواء من قبل التيار العلماني، أو التيار الكنسي الذي حرص في المقابل على الحصول على تمييز ايجابي، رغم من أن ذلك ضد مبدأ المواطنة، فضلا عن النص الدستوري بالزام مجلس النواب باصدار قانون ينظم بناء الكنائس’ (المادة 235) التي تفرض على مجلس النواب في أول دور انعقاد له اصدار قانون لتنظيم بناء وترميم الكنائس بما يكفل حرية ممارسة المسيحيين لشعائرهم الدينية’.
هذه الظاهرة ‘الإسلاموفوبيا’ ساهمت في تراجع الهوية الإسلامية في الدستور في أكثر من موضع، وإن لم يتم إزالتها كلية.. لكن لا يعني هذا التقليل مما حدث.. وربما كان وجود حزب النور لتقليل الخسائر، كما أشارت قياداته.. وإن كان منتقدوه يرون أنه كان بمثابة ‘المحلل’ لهذا الدستور، وكان ينبغي عليه الانسحاب من اللجنة من أجل تعريتها والوقوف صفا واحدا مع باقي فصائل التيار الاسلامي التي لا تعترف بداية بهذه اللجنة الصادرة عن جهة غير منتخبة، ناهيك عن مضمون المحتوى الصادر عنها. لكن يبدو أنه قرر المشاركة لتقليل الخسائر، وهذا اعتراف صريح منه بأن هذا الدستور يتضمن خسائر لأنه ينتقص من الهوية الإسلامية لمصر.

‘ كاتب مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية