عادة ما يُستخدم الإعلام والصحافة بشكل خاص للترويج لأمور يُحضر لتمريرها وجعلها أمرا واقعا لا مفرّ منه حتى قبل حدوثها؛ وفي حالات أخرى يمكن أن يكون المقصود هو عكس ما يُروج له؛ فينصرف التركيز إلى قضية معينة، بينما يتم تمرير قضية أخرى لم يُحسب لها حساب.
في المقال الشهير المنشور في ‘نيويورك تايمز’ الصيف الماضي تحت عنوان ‘كيف تصبح خمس دول أربع عشرة دولة’؛ جرى الحديث عن تقسيم عدد من دول المنطقه تتخبط عدا السعودية في حالة من الفوضى العارمة والنزاعات، وهذا ما يُسهل تقسيمها عملياً؛ أمّا الحديث عن تقسيم السعودية فيحمل العديد من الرسائل والإشارات تجاه حليفٍ إستراتيجي للغرب لا يتوانى عن فعل أي شيء في سبيل استرضائهم وتمرير مخطّطاتهم؛ لكننا لم نشهد ردّ فعل سعودي علني عليه، أمّا ما دار خلف الأبواب المغلقه فهو غيبٌ ربما تُظهرالأيام شيئاً منه؛ قد يكون الهدف منه إعادة المملكة إلى الحجم المسموح لها به، خاصة بعد ظهور بعض الاختلاف بينها وبين حلفائها في عدد من القضايا، أهمّها الأزمة السورية فلا حول ولا قوة لأحد مع الرغبات الأمريكية والإسرائيلية.
لاحت عدة فرص ثمينة للشروع بالتقسيم بدءا من العراق خلال حربه الأهلية ما بين عامي 2006- 2007، وصولاً إلى باقي الدول التي تعيش الفوضى والحروب منذ ثلاثة أعوام، من دون أن يظهر شيء من ذلك؛ بل حدث العكس في ليبيا؛ فبعد ثمانية أشهر من إغلاق موانئ النفط في شرق ليبيا وسيطرة مليشيات إقليم برقة وهي إحدى الدول المقصودة حسب المقال – عليها أتت أول خطوة عملية نحو الانفصال، وذلك بتصدير أول شحنة نفط فجاء اعتراض البحرية الأمريكية لتلك الناقلة ثمّ إعادتها إلى الموانئ التي تسيطر عليها الحكومة الليبية ليضع نهاية لأحلام برقة في الاستقلال؛ مما دفع قادة التمرد فيها إلى عقد صلح على عجل مع حكومتهم المركزية، لم ينسوا أن يشتمل على عفو عن المشاركين في ما جرى في إقليمهم من أحداث، وهذا أمر لا يدع مكانا للشكّ في عدم وجود رغبة أمريكية في تقسيم ليبيا، فلو كانت تخطط لذلك يكفيها فقط أن تترك الأمور تجري لوحدها وباستمرار تصدير النفط من برقة سيترسخ أمر واقع ينتهي بالتقسيم.
قام النظام السوري أواخر العام الماضي بتوقيع اتفاقية للتنقيب عن النفط والغاز مع شركات روسية في الساحل؛ لعلّ الهدف منها محاولة طمأنة طائفته لوجود بعض مقومات قيام دولة في منطقتهم، أو حتى الضغط على الغرب وإسرائيل بنيّته الاتجاه إلى إقامة دولة خاصة به وترك حدود إسرائيل عارية أمام مصيرها؛ في سوريا لا يمكن التفكير بحدوث أي شيء من دون الأخذ بعين الاعتبار المصالح الإستراتيجية الإسرائيلية؛ فهل يخدم تقسيم سوريا تلك المصالح؟ لو أنّ منطقة وجود العلويين تقع على حدود إسرائيل لانتهت الأزمة السورية منذ أشهرها الأولى ونشأت دولة علوية تتابع أقدس وأسمى مهام نظام الأسد في حماية تلك الحدود وعدم السماح حتى للطيور باجتيازها، أمّا الوضع الحالي بتمركزهم في جبال الساحل فقيام دولة لهم هناك لن يُفيد إسرائيل بشيء، أمّا ما يُروّج عن ضمّ دمشق وحماة وحمص وما جاء في الخريطة المرافقة للمقال عن ضمها أيضاً لكل من درعا والقنيطرة والسويداء، فهذا أمر غير واقعي وغير منطقي ويقتضي بقاء الوضع الحالي على ما هو عليه، مع كل ما تحمله الحالة هذه من احتمالية فقدان قوات النظام سيطرتها على الجنوب المحاذي لإسرائيل، وكذلك عدم تمكن قوات المعارضة المدعومة من الغرب من بسط كامل سيطرتها على تلك المنطقة، وبالتالي شنّ عمليات ضد إسرائيل قد لا تكون من تنظيم القاعدة ولا من أي تيارات سلفية أخرى، فعلى ما يبدو ليس في عقيدتهم محاربة إسرائيل وهذا أمرٌ لا تستهين به إسرائيل بل تخطط له جيداً؛ فكل ما يعانيه الشعب السوري الآن سببه عدم وجود بديل مناسب يحكم سوريا ويحمي حدود إسرائيل.
بفصل السودان عن مصر عام 1956 خسرت عمقها الإستراتيجي وتمّ حصر أغلب سكانها في الوادي الضيق على ضفتي النيل، وتحولت طاقاتها البشرية الكبيرة إلى مشكلة بدلاً من أن تصبح مصدر ثروة لها، كما في الصين مثلاً ولا يُراد لها أكثر من ذلك.
من كل ما جرى ويجري نجد أنّ الغرب لا زال مقتنعاً برسومات سايكس بيكو وما زامنها من حدود، وهم لا يسعون إلى تقسيم الدول المقسّمة أصلاً ويستعيضون عنه بتقسيم الشعوب، وهذا على ما يبدو أكثر نفعاً وجدوى بالنسبة لهم؛ فقد يؤدي قيام دول جديدة على أساس قبلي أو حتى طائفي إلى حدوث نوع من الاستقرار قد ينتح عنه تطور تلك البلاد ونهوضها، وهذا ما لا يمكن أن يُسمح به؛ فلو استقلت برقة مثلاً التي تحوي 80′ من النفط الليبي ومع مساحتها الشاسعة وعدد سكانها القليل وبإدارة جيدة لعائدات النفط ربما تصبح سنغافورة جديدة، لذلك فإنّ شعوبا مقسمة متناحرة في بلدان هشة تستفحل فيها الفوضى هو النموذج الأمثل والأقل عناءً وتكلفة؛ فتقسيم الشعوب وزيادة الشرخ بينها لعله المستقبل الذي ينتظر الدول العربية؛ فليبيا غنية عن التعريف واليمن تموج فيه الفوضى بين قاعدة وحوثيين وإنفصاليي الجنوب ونظام عبد الله صالح الذي لمّا يسقط بعد، مصر تكرّس تقسيمها بين جيش وشعب، أمّا مؤيّدو الانقلاب فهم إما من المستفيدين أو من أتباع كلّ ناهق، لأنّ مَن يسمي الانقلاب العسكري ثورة لم يتعلّم شيئاً من ستين عاما في ظلّ الديكتاتوريات العسكرية وما جرّته على المصريين من مآس؛ دستور الانقلابيين يجعل من الجيش المصري دولة داخل الدولة، لا سلطة لأحد عليه ولا حتى الرئيس، العراق يشهد صراعا طائفيا بمسميات علمانية ودعاوى مكافحة الإرهاب، وكذلك سوريا وإن كان وضعها أكثر قتامة وفظاعة، لبنان تستعر النيران فيه من تحت الرماد؛ أمّا باقي الدول العربية فهي ساكنة نسبياً تحت نير الديكتاتوريات والتخلف، مع وجود الكثير من الأضداد المتناحرة فيها؛ على أنّ الأوضاع في دول الخليج أكثر استقراراً بسبب الرفاهية التي تعيشها شعوبها، إضافة لما تتعلّمه من الدرس السوري؛ تنجو من الفوضى تونس لتنكفئ خلف صراع سياسي وأزمة اقتصادية لا يظهر قرب نهايتها.
تختلق الولايات المتحدة الأزمات بشكل مباشر أو غير مباشر ثمّ تحرص على إدارتها وليس حلّها – فمن يبيع دجــــــاجة تبيض له الذهب فتُستجدي لتتدخل في مناطق الصراعـــــات فتتفضّل على أولئك المتصارعين بفرض شروط تسويات، يكون بين ثناياها ما يحافظ على الأزمة ويجعلها واقعا تعيشه الشعوب ريثما تستبدل بأزمات جديدة.
كاتب سوري