د. يوسف نور عوض بدأت مصادر سياسية في الولايات المتحدة تشكك في إمكان إجراء الاستفتاء في جنوب السودان في موعده المحدد والمقرر له شهر كانون الثاني/ يناير المقبل، وتقول هذه المصادر إن الاختلافات بين الشمال والجنوب تتركز حول ترسيم الحدود واقتسام عائدات النفط، كما أن الاستعدادات اللازمة لإجراء الاستفتاء تسير ببطء شديد، ونسبت صحيفة ‘الواشنطن بوست’ إلى رئيس مفوضية الاستفتاء محمد ابراهيم خليل أنه قال إن المفوضية لم تباشر عملها بطريقة إيجابية، وهي تواجه صعوبة إمكان تسجيل المواطنين الجنوبيين المؤهلين للمشاركة في عملية الاستفتاء، وشككت صحيفة ‘الواشنطن بوست’ في إمكان أن تتخلى الحكومة السودانية عن حقول النفط التي مكنتها من مواجهة الضغوط الأمريكية عليها، وقالت الصحيفة إن تنفيذ اتفاقية السلام التي وقعت بين الحركة الشعبية والحكومة السودانية عام ألفين وخمسة يسير ببطء وإن الولايات الأمريكية التي ساعدت في التوصل إلى هذه الاتفاقية أصبحت غير قادرة على دفعها إلى الأمام بسبب مواقف الحكومة السودانية، وتنسب صحيفة ‘الواشنطن بوست’ إلى مسؤولين في حزب المؤتمر الحاكم قولهم إن الاستفتاء لن يجرى قبل ترسيم الحدود، وعلى الرغم من قول ‘لوقا بيونغ’ وزير شؤون مجلس الوزراء في جنوب السودان إن الاتفاق تم بشأن ثمانين في المئة من الحدود فإن الاختلاف ما زال كبيرا حول المناطق التي تقع فيها آبار النفط والتي لا ترغب الحكومة السودانية في التخلي عنها. وخاصة منطقة ‘هيجليج’التي تصر الحركة الشعبية أنها تابعة لجنوب السودان، ويدرك الجنوبيون أن انقطاع النفط عن شمال السودان سوف يؤثر على الشمال تأثيرا اقتصاديا كبيرا ما قد يشعل حربا أهلية جديدة. وذلك بحسب ما يؤكده ‘لوال دينغ’ وزير النفط في الحكومة الاتحادية. ولا شك أن هذا الوضع برمته يثير اهتمام الإدارة الأمريكية حيث أدلت وزيرة الخارجية ‘هيلاري كلنتون’ بتصريحات قالت فيها إن الوضع بين الشمال والجنوب في السودان هو قنبلة موقوتة. وناشدت كلنتون الاتحاد الأفريقي بأن يكثف الجهود من أجل أن يتم الاستفتاء في موعده المحدد. وقالت إن الشمال لا يبدو متحمسا لمسألة الاستفتاء على عكس الإدارة الأمريكية التي دعمت وجودها في الجنوب بفتح مكتب لها هناك، كما أرسلت السفير السابق ‘برنستون ليمان’ ليعمل قنصلا لها في الجنوب ومساعدة سكوت غرايشن ومجموعته العاملة في السودان. ويبدو أن موقف الحكومة السودانية أغضب كثيرا من المنظمات الأمريكية التي تعمل من أجل تدعيم انفصال جنوب السودان ومنها منظمة إنقاذ دارفور ومنظمة الخدمات اليهودية ومنظمة محاربة الإبادة التي قالت جميعها إن تقديم تنازلات لحكومة البشير في مسألة الجنوب ستكون له عواقب وخيمة. وأكدت صحيفة ‘الواشنطن بوست’ من جانبها اتجاه الحكومة الأمريكية الداعم لحق تقرير المصير في جنوب السودان. ويبدو واضحا مما نشرته ‘الواشنطن بوست’ أن الحكومة الأمريكية لا تفكر مطلقا في مساعدة السودان لحل مشاكله، بل تفكر فقط في إجراء استفتاء يؤدي إلى انفصال جنوب البلاد، وهو ما سيلحق أذى كبيرا بوحدة هذا البلد، ولا تحتاج الولايات المتحدة لأن تذكر أسبابا موضوعية لدعم انفصال جنوب السودان ذلك أن السياسة الأمريكية عودتنا دائما على اتخاذ قرارات لا يتم التفكير فيها بصورة منطقية وتخلو من أي أهداف استراتيجية واقعية. ويبدو ذلك واضحا في توعد الحكومة الأمريكية بفرض عقوبات جديدة على الحكومة السودانية إذا تدهور الوضع في هذا البلد، والمقصود بذلك بالطبع هو عدم إجراء الاستفتاء في موعده أو إعلان الحرب في حال وافق جنوب السودان على الانفصال، والغريب هو أن الولايات المتحدة تكلف مندوبا خاصا للعمل في السودان هو سكوت غرايشن، ولكن مهمته لا تنحصر في محاولة مساعدة السودانيين على حل مشاكلهم بل تتجاوز ذلك إلى العمل من أجل التأكد من أن الجنوب يسير في طريق الانفصال. ويحذر غرايشن الحكومة السودانية بأن عليها أن تختار بين الحرب والسلام، فهل هو يخشى على شمال السودان من الحرب أم أن كلامه المبطن يدل على أن الحكومة الأمريكية سوف تدعم الانفصال بتقديم كافة المساعدات اللوجستية والعسكرية للانفصاليين؟ وعندما نسأل عن الأسباب التي تجعل الولايات المتحدة تتخذ مثل هذا الموقف الصارم تجاه السودان نجد أنه لا شيء يدفعها سوى نزعة الشر المتأصلة عند كثير من الذين يديرون شؤون السياسة الأمريكية، والغريب أن الولايات المتحدة تلمح إلى أن التطبيع الكامل للعلاقات مع السودان سيعتمد على التطبيق الكامل لاتفاق جنوب السودان، وهذا منتهى السذاجة السياسية فهل تتوقع واشنطن أن تعمل حكومة السودان من أجل فصل جزء مهم من بلادها فقط لأجل تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة وتبادل السفراء معها؟ وما الذي يضمن يعد ذلك ألا تفكر الولايات المتحدة في مؤامرة جديدة ضد وحدة السودان وأمنه السياسي؟
والغريب أن نائب رئيس الجمهورية السوداني سلفا كير يتوجه إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليلتقي مع كتلة النواب السود في الكونغرس، فهل هو يعتقد أن المشكلة في جنوب السودان هي مشكلة عنصرية مع أنه يتربع على منصب نائب رئيس الجمهورية، ورئيس حكومة الجنوب؟
لا شك أن هذه المواقف السياسية غير المدروسة هي التي جعلت السودانيين الأمريكيين يعملون على تكوين منظمة ضغط من أجل وضع العلاقات السودانية الأمريكية في مسارها الصحيح، ومن جانبه يرى السودان كما جاء على لسان وزير الخارجية علي كرتي أن الولايات المتحدة تحاول تضخيم الوضع في السودان، ويرى كرتي أن تدخل الحكومة الأمريكية يأتي بعد فوات الأوان خاصة بعد أن توصل الشريكان إلى رأي في مجمل القضايا العالقة بينهما. وفي الحقيقة لا أريد أن استبق القضايا وتطوراتها المحتملة في السودان، لأن احتمال الانفصال قائم كما أن احتمال الوحدة قائم أيضا خاصة عندما ظهرت الآن تيارات في جنوب السودان تدعو إلى إمكان استمرار الوحدة مع إجراء تعديلات على نظام الحكم، غير أن القضية التي تستأهل الوقوف عندها هي ضرورة عدم الثقة في ما يريده الأمريكيون لأننا تعودنا على أن نرى كثيرا من الناشطين في العمل السياسي ينحازون إلى الولايات المتحدة الأمريكية عندما يجدون الدعم منها ظنا منهم أن واشنطن تعبر دائما عن رأي عام دولي، وليس ذلك صحيحا لأن الموقف الذي بدأ يتشكل عالميا هو أن الولايات المتحدة تتخذ في معظم الأحيان مواقف غير محسوبة ويأتي في مقدمها الحرب على العراق التي راح ضحيتها مئات الآلاف وشرد الملايين وتحول البلد إلى فوضى يصعب التحكم فيها. وإذا توقفنا لنسأل عن حالة العداء التي تمارسها الولايات المتحدة ضد السودان لم نجد لها مبررا معقولا، لأن الشعب السوداني لا يناصب الولايات المتحدة العداء كما أن حكومة السودان ليس لها موقف ضد الولايات المتحدة، وعلى الرغم من ذلك فقد قامت الولايات المتحدة بهجوم صاروخي ضد مصنع الشفاء في الخرطوم بحري بدعوى أنه يعمل في صنع أسلحة دمار شامل، فهل هناك سذاجة سياسية أكبر من ذلك، ربما لا يكون الأمر سذاجة سياسية ولكنه ذريعة تخلو من أي هدف سياسي أو استراتيجي سوى التخويف، ولكن التخويف مماذا؟ هذا هو السؤال الذي يصعب على الولايات المتحدة أن تصرح به. وبصفة عامة فإن ما نراه هو ضرورة أن تبدأ الحكومة الأمريكية في مراجعة سياستها تجاه السودان، لأن تفكيك السودان لا يخدم لها هدفا واضحا بل قد يؤدي إلى سلسلة من المشاكل تؤثر على مستقبل هذا القطر وتزيد من الصعوبات التي يواجهها سكان هذه المنطقة دون عائد إيجابي على الولايات المتحدة. ‘ كاتب من السودان