الثقل الذي تشكله المملكة العربية السعودية في منطقة الشرق الأوسط ربما يوازي كل الأوزان الأخرى للدول الكبرى في المنطقة إلا أن هذا الوزن ظل خافيا عن الساحة أو متواريا عن الأنظار فيما يخص تأثيراته على الشارع العربي رغم أن الدبلوماسية السعودية نشطة للغاية وذات تأثير كبير حتى على القرار الأممي ربما، فبوجود دول الثقل السياسي كما تسمى مثل العراق ومصر والجزائر وهي أطراف كان لها وزنها القومي على الساحة العربية وكان ينظر لها على انها صاحبة القرار المؤثر أو الدول ذات السطوة بما تملكه من مقومات عسكرية واستراتيجية وجغرافية ناهيك عن الحجم السكاني الذي عليه تلك الدول والقدرة على اتخاذ القرار عند الحاجة هي التي دفعت تلك الدول لتكون في المقدمة؛ في حين ينظر إلى السعودية كما النظرة إلى دول الخليج الأخرى بأنها دول تعتمد على مدخولات البترول الكبيرة وتفتقر إلى عوامل القيادة انطلاقا من شكل الحكم العائلي فيها والذي أضفى عليها نوعا من استقرار الحال دون الرغبة في التمدد أو التوسع نحو افاق السيطرة على مصدر القرار العربي؛ أو أن تكون في المقدمة من عملية القيادة العربية على الرغم من أنها أي السعودية تمتلك تقريبا نفس الحجم السكاني والاقتصادي للعراق والجزائر بل تفوقه؛ وربما تختلف فقط مع مصر بالحجم السكاني.
إلا أن الواقع يعكس غير ذلك بالنظر إلى السياسة المتوازنة التي تنتهجها المملكة العربية السعودية داخليا وخارجيا متمثلة بتمدد المصالح السعودية في أكثر من مكان في العالم ناهيك عن الداخل العربي فهي تملك استثمارات كبرى في كل من مصر التي كانت تدعي زعامة العالم العربي ما بعد عبد الناصر إلا أن هذا الدور أفل برحيل الرجل ورحلت معه صورة الزعامة والكاريزما التي كان ومصر يملكانها، مرورا بأنظمة مصرية ابتعدت كل البعد عن ما كانت تمثله من دور على الساحة العربية منذ عبد الناصر وصولا إلى انهيار الحكم المصري في عهد مبارك المخلوع؛ مما قوض مبدأ الزعامة وانتهت صلاحيته منذ سنين، مرورا بالعراق ثاني أكبر تأثير سياسي وعسكري بمنطقة الشرق الأوسط والذي انتهى بتأمر مبارك المصري على عراق صدام حسين واللعبة معروفة لكل متابع بعد احتلال الكويت، ما أدى بالنتيجة إلى إزاحة العراق من حسابات القوة وبتآمر واضح لتكون الساحة خالية أمام القوى الإقليمية الأخرى الطامعة بالثروات العربية والتي تحاول استعادة أدوارها الشريرة التي سبق وأن لعبتها على حساب العرب وتاريخهم وأرضهم وأرثهم الحضاري.
وبفقدان تلك المؤثرات وقراءة الواقع العربي اليوم من خلال الثورات التي تعصف به نلاحظ أن حظ السعودية بلعب دور إقليمي مواز للدور الإيراني والتركي وفي مقابل الدور الأوروبي والأمريكي تجاه ما يدور على الساحة العربية ومصالح الشرق الأوسط قاطبة هو حظ كبير للغاية ان هي استدركت ما حصل وعملت على تعويض الفراغ السياسي والأمني اللوجستي الذي تعاني منه المنطقة مقابل تدخلات خطيرة للغاية قد تقوض الوجود العربي وتلغي تأثيراته من على الساحة.
اليوم هناك ارث كبير للغاية على المملكة العربية السعودية أن تتحمله وهي قادرة على ذلك، فقد غاب الدور العربي وطغى الدور المشبوه للعديد من الدول الأقيمية الطامعة بأرضنا كما أن هناك من يمهد لهذه الأدوار من بيننا، والواضح هو ما حصل في العراق بعد أن غاب الدور العربي والبحرين اليوم نموذج قريب إلا أن السعودية نجحت في موضوع البحرين وكانت موفقة في عملية التدخل من أجل صون سلامة البحرين وأراضيها وهو ما ردع الجانب الأخر متمثلا بالدفوع الإيرانية عن ما جرى وكأنها تعرب عن نيتها الصريحة باقتلاع البحرين من جذورها العربية وإلحاقها بإيران رغما عن أرادة أهلها وهو ما لم يحصل، لذا كان الدور السعودي عامل حسم مؤكد لاستعادة الاستقرار إلى المنطقة ونزع فتيل الفتنة من هناك.
الإرث الذي نتحدث عنه هو الفوضى التي كرستها أنظمة الحكم الشمولية المنهارة في كل من مصر وتونس والعدوان الهمجي الذي قادته دول الناتو على الشقيقة ليبيا بحجة حماية أهلها إلا أن الحاصل هو عملية عدوان همجي غادر سيؤدي بالضرورة إلى احتلال البلاد بدعوة من أولئك الذين يقودون التمرد على العقيد القذافي، وهي ليست بدعوة للقذافي أو غيره بقدر ما هي غيرة على شعبنا الليبي العربي المسلم الذي وقع اليوم ضحية بين مطرقة الناتو وسندان من يمنحون تلك القوات أذونات القتل الجماعي لشعبنا العربي، وهم كما الحكومة التي تتسيد في العراق ومنحت صكوك القتل والدمار للقوات الغازية لتدمير البلاد وقتل العباد فيها ليتسنى لهم حكمها وفق أسلوب القمع الذي نراه اليوم على الشاشات بحجة الخلاص من النظام السابق.
الوساطة السعودية اليوم في اليمن باتجاه حل مشرف للأزمة اليمنية والخروج بأقل الخسائر حفاظا على التراب اليمني ووحدة أراضيه وعدم تعريضه إلى أزمة مستديمة كما حصل للعراق الذي غيب عن الساحة تدفع باتجاه ما ذهبنا إليه من مناشدة الدبلوماسية السعودية للتدخل بكل ثقلها نحو الحل وعدم ترك الساحة مفتوحة ربما لتدخلات لا تراعي إلا مصالحها وربما إن تأخرت السعودية بالحل سنترك المجال مفتوحا لأطراف أخرى ستدخل على الخط وتؤجج المواقف لتأخذها إلى مساقات لا نريد لليمن الغالي وأهله أن يسلكوا دروبها كما حدث في حروب الحوثيين، والذين يعلم الجميع من أين يتحصلون على الدعم والسلاح.
المطلوب من السعودية سياسة أكثر توازنا لاحتواء أزمات أخرى قد تطل برأسها في لبنان العزيز وبوادر ما بدأ في سورية وهو ليس بالكثير على المملكة العربية السعودية، والنظر إلى ما يدور في الجزائر والمغرب ومحاولة حلحلة المواقف المتصلبة للحكومات عبر سلسلة من الحوارات في كل المناطق الساخنة أو التي من المؤمل لها أن تنفجر بين لحظة وأخرى وهو ما يدخل في باب تفويت الفرصة على كل طامع بأمتنا العربية والإسلامية وعدم إتاحة الفرصة لتمرير غاياتهم الخبيثة كما حصل في العراق حين تركت الساحة لإيران وزادت الجامعة العربية من تأزيم الوضع هناك بتقبل النظام الحالي رغم أن الجميع يعرف انه نظام أسس على غير الهوى العربي وبد فوع فارسية مما ابعد العراق عن محيطه العربي.
سياسة احتواء الأزمات ومعالجتها قبل وقوعها درس سعودي أدركناه في لبنان عدة مرات واتى أكله وكانت السياسة السعودية متميزة بأدائها هناك وقادرة على امتصاص التأزم من بين كل الأطراف المتصارعة حتى وضعت لبنان مرات عدة على بداية الطريق القويم باتجاه بناء الدولة، وللسعودية باع طويلة في موضوع إدارة الأزمات نحو حلول مقبولة وكلنا يذكر موقف الملك الخالد الراحل فيصل بن عبد العزيز حين أصر على مقايضة المواقف الدولية بالنفط والانتصار لإخواننا على الجبهات العربية من خلال سلاح البترول الذي منعه عن الغرب انتصارا للإرادة العربية وكانت خطوة جبارة تجاه حلحلة الامور وتسهيل عملية دفع المصالح العربية قبل مصالح غيرها من الدول؛ وهي سياسة ناجحة ومضمونة لحلول عربية بامتياز.
العين اليوم على السعودية والشعوب تنتظر منها الكثير ومن غير المقبول أن تبتعد هي طائعة أو مرغمة عن تقديم الحلول لشعوب عانت من ويلات الظلم والاستعباد الذي مارسته بحقها أنظمة حكم اتضح إنها كانت كلها قمعية متسلطة خلاف ما كانت ترفعه من شعارات تدعو للديمقراطيات المزيفة كما هي الديمقراطية العراقية اليوم والتي كرستها الولايات المتحدة بأدوات فارسية بامتياز.
سعد الدغمان