أمشي باكرا على رمال الشاطئ قبل أن تطلع الشمس.. الضياء الذي يسبق الشمس يرمي ملاءة من بياض عليها سترسل سيدة النور شعاعها.. أمشي وأترك الشرق ورائي، لكنني أتلفّت كمن ينتظر شيئا ما يطلع بهيجا.. أمشي وكلي أنس بهمس البحر يقول تعويذات هذا الصباح، ويوصي أمواجه بالهدوء وعدم العبث بالمصطافين.. أمشي تنفيذا لأوامر من نصحني بالمشي صباحا وعند الغروب قال: المشي يحرق الدّهون.. يظنونني من أصحاب الدّهون وأنا من أصحاب الدّيون.. لكني أمشي لأنني أحب المشي بعيدا عن صخب المدينة.
المشي على الشواطئ البعيدة يجعلك تشعر بأنك حبات رمل متناثرات لكنها متلاحمات لا يزيدها الماء والملح إلا اقترابا.. أمشي وأَضع في أذني سمّاعة على عادة الشباب حين يريدون الانقطاع عن العالم.. كنت أسمع الإذاعة ككلّ خمسيني يولع بانتظار الستين ونشرة الأخبار.. عادة الاستماع إلى الأخبار عادة يعاقرها من يولع بالأحداث غير أنّه لا يقدر على أن يصنعها ويريد أن يسمع عنها: إن كان شرّا حمد الله وإن كان خيرا وأيّ خير في أخبار هذه الأيام؟ حمد الله! الأخبارُ التي تقدّم هذه الأيام لا لون لها ولا طعم لها بل لها رائحة.. البشر اليوم لا يسمعون الأخبار، بل يشمّونها.. الأذن التي تسمع لا تستفيد لذلك تمرّرها إلى الأنف ليعالجها يقول لك أنفك، إنّ هذا خبر مطبوخ جيّدا، أو ما زالت تنقصه التوابل وحتى الملح.. أنت حين تعيد روايته تضيفه من عندك ملحا وتوابل..
استمع إلى السيدة فيروز وأنا انتظر الأخبار وأمشي على شاطئ يقصده أصحاب السيارات لبعده عن المدينة… نصف قرن كامل وأنا أستمع إليها ولم أكلّ ولم أملّ.. يزعجني أن يقولوا عنها إنّها سيّدة الصباح.. كأنّما اختصروها في وقت.. يزعجني ذلك كما يزعج غانية يقال له أنت اليوم جميلة.. قصر الصفة على زمن دون آخر يقلق أصحاب الصفات الثابتة.. ليكن! فما يهمّ أنّ هذه الصفة أكسبتها حضورا يوميّا في الإذاعات.. لقد باتت جزءا من نشاط الصباح الإذاعي.. تغني السيدة: «شايف البحر شو كبير؟ كبر البحر بحبّك» لا أدري كم مرّة سمعت هذه الأغنية.. لكنّ صفاء النفس والمشي على طول شاطئ ساحر جعلني أغرق في دلالاتها. لو نقلت إلى العربية هذه العبارة لصار النصّ: «هل ترى البحر كم هو كبير؟ كبر البحر أحبك».
من الناحية التداولية ينبغي أن يكون هذا الكلام قد قيل في مقام مخصوص وقاله شخص لآخر؟ وأن يقوله شخص لآخر بالفصحى هو غير أن يقوله شخص لآخر بالعامّيّة، وأن يقوله بعاميّة فيروز اللبنانية غير أن أقوله أنا مثلا بالعامية التونسيّة.. بعض الناس يعتقدون أنّ الانتقال من الفصحى إلى العامية هو كالترجمة الأمينة التي لا تنقص من المعنى ولا تزيد، بل ربما رأوا، وهم في ذلك من المتعصّبين، أنّ الفصحى تحسّن العامية وتجيدها. من الناحية التداوليّة يختلف الأمر بين أن تقول لبنانية للبناني: شايف البحر شو كبير؟ كبر البحر بحبك.. وأن تقول اللبنانية للبناني ذلك بالفصحى.
سيموت الكلام على شفتيّ وأنسى القياس وسيرتج عليّ القول وأبحث عن مقاييس أخرى.
إن قالته باللبنانية فإنّ عاشقها لن يوجّه انتباهه إلى اللغة إلاّ باعتبارها أداة لنقل الكلام، وللتعبير عن الحسّ، لأنّ اللغة وهي تقول ذلك هي أداة تعبير تصف خارجها، لكن إن قالت ما قالت بالفصحى، فإنّه سيتساءل عن السرّ الذي جعل بنت لهجته تحكي ما تصفه بالفصحى؟ أيكون ذلك لأنّه شاهِد شعريّ صنع بالفصحى وعلى مخاطبته أن تكون أمينة في نقله؟ أم أنها تحدثت بالفصحى لأنّها تعشق – وهي تعبّر عن حبّها – أن تعبّر عنه بهذه اللغة؟ لكن لماذا تفعل ذلك: هل الفصحى أفضل أم هي أكثر إخفاء للمشاعر وتسترّا عليها: بعض الناس ينتقلون إلى لغات أخرى إن أرادوا التستر والتخفيف من وطأة الأفكار أو العبارات. هذه الأسئلة وغيرها تجعل السائل يضع اللغة واللهجة نفسيهما موضع سؤال، وبالتالي ينقل النظر من اللغة باعتبارها أداة وصف إلى اللغة باعتبارها موضوع وصف، وبعبارة تقنية تجعل السائل ينقل من اللغويّ إلى الوَرَ لغوي أو الميتالساني.
كانت تجلس على الشاطئ فتاة تضع سمّاعة، وعيناها تغرقان في مداد كتاب.. قصدتها وقلت لها بالعاميّة التونسيّة: «شُفْتِي البْحَرْ مكْبرو؟ التفتتْ إلى البحر… وإليّ وهي متعجّبة من غريب يخاطبها بمُريب.. وقبل أن تنطق قلت لها: نحبك قدّ كبر البحر. ابتسمت وقالت: «مارسي بوكو» (أي أشكرك شكرا كبيرا بالفرنسي) حيّيتها ومشيت فصاحت بي وقد ابتعدتُ قليلا: أحبّ فيروز أنا أيضا… أحب هذه الأغنية.. التفتّ إليها حييتها، عادت إلى كتابها وعدت إلى مشيي…
الجملة بالتونسي تترجم الجملة اللبنانية وتحيل عليها، هكذا فهمتْ القارئة البحرية.. وفهمتْ أنّ الترجمة إلى هذه اللهجة ضرب من إكساب اللباس اللغوي قماشا ونسجا محلّيّين؛ والأكثر من هذا أنّ الترجمة من لهجة إلى أخرى ربطتني أنا وهي برباط اللهجة العامية التونسية التي تجمعنا.. لكنّني تحدثت بلهجة ريفية ولم أتحدث بلُغيّة أهل المدينة، لغتها. ربما لم تكن الفتاة تريد أن تقال لها تلك الكلمات بالتونسي تريد أن تظلّ باللهجة الأصليّة، لكنّها في تفاعلها قد فهمت الرابط المميز وهو رابط لهجي قد لا نتبه إليه إلاّ حين ننقل كلامنا إليه من لسان أجنبي أو لهجة مختلفة. حين قلت مقطع الأغنية لم تفهم أنّني أتغزّل بها.. هي فهمت أنّي أقول لها كم أنا فخور بك لأنّك تقرئين كتابا أو لأنّك جميلة.. المهمّ أن يقول غريب يمارس على الشاطئ رياضة المشي لغريبة تمارس على الشاطئ رياضة القراءة ما قاله لها لن يُحمل طبعا على ما يسمّى في العشق بالتصريح بالحبّ. فهمت الفتاة القارئة أنّني أحبّ فيروز فأرادت أن تتّحد معي في هذا الحبّ، فإذن ترجمتي للعبارة بالتونسي قالت أيضا إنّني تونسي أحبّ فيروز، فقالت لي إنّها أيضا تحب فيروز ولا سيّما هذه الأغنية.
أنظر إلى البحر.. لم أعد أراه كبيرا.. لو كنت أمام البحر ومعي من أحبّ لما احتجت إلى حجمه كي أزن حبي.. البحر الذي يمتدّ أمام عينيّ أقلّ من البحار التي لا أراها فكيف أقيس حبّي بقليل مرئيّ يخفي كثيرا غير مرئيّ؟ سيموت الكلام على شفتيّ وأنسى القياس وسيرتج عليّ القول وأبحث عن مقاييس أخرى.. لا يمكن أن يسأل عاشق: «شايف البحر شو كبير» ليجد معشوقا ينكر عليه كبر البحر حتى لو كان في نظره صغيرا.. التصريح بالعشق شيء لا يقتضي قوانين الجدل. يكفي أن يبدأ حبيبك بالكلام حتى تغيب في تفاصيل صوته ويكفي أن يصادر ويقيس حتى تصادق على مقدّماته وتصاب بعمى أقيسته وتصدّق بها.. هل ترى كم البحر كبير؟ كان سؤالا يشفّ عمّا بعده…عن اعتراف بالحبّ العظيم، حبّ مهما كُمِّمَ وسُوِّرَ يظلّ لا متناهيا حتى يُلعن ويضمر وينتهي.
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية