لندن – «القدس العربي»:منذ بدء عملية «عاصفة الحزم» لاسترجاع الشرعية في اليمن وطرد التمرد الحوثي وقوات المخلوع علي عبد الله صالح من العاصمة صنعاء، ترددت تصريحات عديدة من مسؤولي التحالف العربي حول تنفيذ تدخل بري في اليمن في حال اقتضاء الضرورة. تحولت هذه التصريحات إلى تأكيد ضرورة التدخل البري في حال «تعرض أمن المملكة العربية السعودية إلى الخطر من قبل الجماعات المتمردة والإرهابية». وأكد المسؤولون المصريون أن القوات المصرية ستكون في مقدمة القوات العسكرية التي تدخل اليمن بشرط أن تكون العملية على شكل «تدخل بري محدود».
وجاء الرد الإيراني السريع على خبر إنزال بري محدود لقوات عربية في ميناء عدن على لسان نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون العربية والأفريقية، حسين أمير عبد اللهيان، الذي قال إن طهران تدعم الشعب اليمني والحوار الداخلي بين اليمنيين، وأنها لن تسمح بفرض حصار عليه، واعتبر عملية «عاصفة الحزم» اعتداء المملكة العربية السعودية على بلد إسلامي آخر. وأوضح أن اليمن ليس غزة حتى يمكن فرض حصار عليه. ويردد ويكرر المسؤولون الإيرانيون وقادة الحرس الثوري أن السعودية لن تدخل في حرب برية مباشرة وشاملة في اليمن، لأن الشعب اليمني يستطيع الدفاع عن نفسه حتى إن ازدادت الغارات الجوية ولن يمكن التأثير على مجرى الأمور بشكل كبير عبر السماء، ويستحيل قلب الموازين على الأرض إلا بتدخل بري واسع، نظراً للسيطرة التي فرضها الحوثيون وجماعة الرئيس السابق اليمني.
ويؤكد الساسة والقادة الإيرانيون أن طهران لن تستطيع أن تقف مكتوفة الأيدي في حال إطالة الأزمة في اليمن، ووعدوا الرياض بفتح حرب وجبهات جديدة على الحدود اليمنية السعودية، وتوقعوا أنه في حال فتح هذه الجبهات الحدودية فان رد السعودية لن يكون شديداً، وأنها ستؤثر على اتضاح الحالة اليمنية ومستقبل المنطقة. وبالفعل نفذت جماعة أنصار الله الحوثية عمليات حدودية محدودة ضد أهداف داخل أراضي السعودية، بعد أيام قليلة من التهديدات الإيرانية. واستمر الإيرانيون بتصعيد تهديداتهم بشكل خطير وأصبحوا المتحدثون باسم الحوثيين عملياً، وصرح بعض قادة الحرس الثوري أن الحكومة اليمنية ستعيد النظر بالاتفاقيات السابقة مع جيرانها، بالإشارة إلى السعودية، وأن توسيع الأزمة اليمنية لن تكون لها نتائج إيجابية على المنطقة. وبعد التصريحات الإيرانية الأخيرة، أعلن القيادي الحوثي، محمد ناصر البخيتي، أنهم سيطالبون باسترجاع المناطق الحدودية مثل نجران وعسير وجازان، وزعم أن لا اعتبار لأي اتفاق يأخذ قطعة من الأراضي اليمنية إذ سيعتبر مجرد جبر على ورق. وما قاله البخيتي هو الصورة الواضحة للتصريحات الإيرانية.
وتظهر تصريحات الرئيس الفرنسي، فرانسوا أولاند في قوله «لا يمكن أن يكون الاتفاق النووي مع إيران سبباً أو يؤدي إلى زعزعة الدول في المنطقة» أن الرئيس الفرنسي كان يحمل رسالة معينة حول أحداث المنطقة من الجانب الإيراني أو الغربي أو رسالة مشتركة من الجانبين لدول الخليج العربي، ولم يتضح مفادها بعد بشكل كامل. ويؤكد البيان الختامي لقمة قادة مجلس التعاون الخليجي هذه النظرة بشكل قوي، حيث أعرب قادة الخليج العربي عن تطلعهم إلى «تأسيس علاقات طبيعية مع إيران، قوامها احترام أسس ومبادئ حسن الجوار، واحترام سيادة الدول، واتخاذ خطوات جادة من شأنها إعادة بناء الثقة، والتمسك بمبادئ القانون الـــدولي والأمم المتـــحــدة التي تقوم على حسن الــجــوار، وتمــنــع التــدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، والامتناع عن استخدام القوة، أو التهديد بها».
وتلت القمة الخليجية زيارة وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، إلى الرياض للتناحث حول الخطة الشاملة لوقف إطلاق النار في اليمن وحل الأزمة التي دون أدنى شك تتضمن وجهة نظر الجانب الإيراني، وأثناء هذه الزيارة أعلنت طهران إفراجها عن السفينة المحتجزة التابعة لجزر مارشال، وتزامن مع هذا الحدث الإعلان الأمريكي عن عدم ضرورة حماية السفن في مضيق باب السلام (هرمز) بعد. ومجازفة إيران بورق أمن مضيق باب السلام (هرمز) في واقع الأمر هو تطبيق لما كتبه وزير خارجيتها، محمد جواد ظريف، في مقال له في صحيفة «نيويورك تايمز» وأعلن من منصة أمريكية عن استعداد إيران للتفاوض حول الملف اليمني «إنطلاقاً من ملف أمن الخليج العربي».
وكشفت بعض مواقع المعارضة الإيرانية أن الغرب طلب من إيران تخفيف اللهجة تجاه الأزمة اليمنية والانسحاب التدريجي من سوريا كجزء من شروطه لإعطاء إيران دور شرطي المنطقة من جديد، والمكافأة الأخرى هي ضمان سيطرة إيران على مضيق باب المندب. وتؤكد الأحداث الميدانية الأخيرة في سوريا وتصريحات بعض المقربين من رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام الإيراني، علي أكبر رفسنجاني، حول الأضرار الجسيمة التي تتحملها إيران بسبب دعمها لنظام بشار الأسد، التكهنات الأخيرة بشأن محاولات طهران للانسحاب التدريجي من الأزمة السورية. لكن الحقائق على الأرض تظهر أن إيران علقت في مأزق حقيقي للاختيار بين السيطرة على مضيق باب المندب الاستراتيجي والانسحاب من سوريا، لأن في حال سقوط النظام في سوريا ستخسر طهران حبيبها اللبناني أي حزب الله وستفقد موطئ قدمها على البحر المتوسط المهم للغاية. وفي الحقيقة التصريحات المتتالية الأخيرة لحسن نصر الله حول ضرورة تواصل دعم بشار الأسد موجهة لحكام طهران أكثر من أي جهة ثانية. ومن زاوية أخرى مولت طهران بشكل كبير الجهتين المطلتين على مضيق باب المندب، حيث أظهرت التحذيرات الأخيرة للعلماء الصوماليين أن إيران أنشأت مكتبا باسم «الإمام الخميني» في مقديشو لتقديم الدعم الخفي لمرشحي الانتخابات البرلمانية المقبلة في هذا البلد عام 2016 وتوفير المُنح لدراسة الصوماليين في قم والمدارس الشيعية والجامعات.
وتغريدات المعارض الكويتي الشهير، وليد الطبطبائي، تحذر من محاولات سيطرة اللوبي الإيراني على منصب ولي العهد في الكويت، وتتطابق هذه المحاولات مع المعارضة الضعيفة لإيران والجماعات الموالية لها حول تنفيذ خطة جوزف بايدن لتقسيم العراق، واحتمال أنشاء كونفدرالية مشتركة بين إيران والمنطقة الشيعية في العراق، حسب ما تردد في مواقع المعارضة العراقية.
ومن الجانب المقابل، اتخذت المملكة العربية السعودية خطوات مهمة لمواجهة هذه التهديدات وأهمها إعادة ترتيب البيت الداخلي السعودي وعملية «عاصفة الحزم» وتوحي الترتيبات أن الرياض في عهد الملك سلمان بن عبد العزيز اعتمدت سياسة جديدة تختلف عن السابقة تماماً وتعتمد على القيام بالعمل العسكري بجانب الدبلوماسي في حال اقتضاء الضرورة. والتصريحات الصادرة من المملكة تظهر احتمال حدوث عاصفة أخرى لتبلور الصورة الكاملة للسياسة الداخلية والخارجية السعودية على حد سواء. وكتبت صحيفة «نيويورك تايمز» في تقرير لها «يعتبر القادة الشباب الجدد الإرهاب وإيران هما أكبر تهديد على المملكة العربية السعودية، وكما حصل في اليمن يحاولون العمل باستقلالية ولديهم علاقات قوية مع الولايات المتحدة».
وتظهر الأحداث المتسارعة في منطقتنا الجزء الخفي من الاتفاق النووي والمكافأة الغربية لإيران مقابل القبول بالشروط و»التنازلات» التي قدمتها طهران حسب وصف المدير العام لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وأننا مقبلون على أحداث كبيرة بعد 30 حزيران/يونيو المقبل.
محمد المذحجي