عنوان هذا المقال هو جزء من خاطرة كتبها أحد الأصدقاء على صفحته في العالم الافتراضي، معلقاً على صورةٍ لرجلٍ غواص يحمل طفلة فلسطينية ماتت غرقاً قبالة شواطئ مالطا قبل أيام، بعد إطلاق النار على السفينة التي كانت تقلها وأهلها الناجين من المعارك في سورية قبالة السواحل الليبية.
الطفلة الشهيدة أو الملاك الشهيد، بدت كأنها كانت قد ارتدت ملابس العيد قبل أن تغادر سورية، فاختارها نفس الموت الذي هربت وأهلها منه بوحشية لم تعد جزءًا من الخيال بل حقيقة واقعة.
نساءٌ وأطفالٌ وبشرٌ قضت ويقضى عليهم كل يوم في زمن بات فيه القتل السلعة الأكثر انتشاراً وتفننا في جنون هذا العالم. فلم يعد للجنون فنون فحسب بل أيضاً للقتل فنون.. فنونٌ من نوعٍ خاص. فهناك من يُقتل وتمزق أحشاؤه وينتزع قلبه ويؤكل أمام مرأى الجميع وعبر الشبكة العنكبوتية.. وهناك من يُلقى به عن سطح عمارة ما بعد مطاردة محمومة. وهناك من يُقتل لعدم درايته بعدد ركع الصلاة، بينما هناك من ينكل به وتحرق أطرافه قبل أن تستكمل بشاعة المشهد بسحقه وسحله. والقائمة تطول في زمن شاخت فيه إنسانيتنا كوننا نشهد اليوم ما لم نره من القتل بهذا التكثيف والشكل وسرعة الانتشار في الماضي. القتل بالمجان والقاتل فنان من نوعٍ آخر، مبدعٌ في التنكيل والتشويه والتفظيع!
آدمية البشر تقتل كل يوم من دون الحاجة للانتظار لفترة طويلة، إذ أننا وبفعل ثورة الاتصالات التي نعيشها، فإن انتقال الصورة والمشهد أسرع من انتشار النار في الهشيم.
وسائل الإعلام، على تحفظاتنا عليها، ليست هي التي تلام في مسابقة نقل الصورة والسبق الصحافي، وإنما اللوم كله لبعض البشر ممن احترفوا صناعة الموت فلا يمارسونه فحسب، بل يتباهون في نشره عبر الشبكة العنكبوتية.
هل شاخت إنسانيتنا؟ أم أنها تحتضر وفي طريقها إلى الموت؟ وهل نقصت آدميتنا أم أننا لم نعد نكترث إطلاقاً، جراء تكرار القتل ومشاهده، فتحّجرت قلوبنا وباتت تتعايش مع نتائج الكوارث بنقصٍ واضحٍ في الاهتمام؟
سواء ماتت الطفلة الفلسطينية المذكورة أو قتلت بفعل الرصاص أو الغرق، فإن المنظر يجب أن يستفز ضمائر البعض أو حتى سؤالهم لأنفسهم. فماذا جناه العالم العربي في ثورات فصوله المتعاقبة؟ وأية آدمية تلك التي تقبل ما لا تقبله لنفسها اليوم؟ بل تتعايش معه دونما احتجاجٍ يذكر؟ وهل دخلت الآدمية في عصرٍ متجددٍ من الظلامية والتخلف، كما كان سائداً في العصور القديمة؟ وهل بتنا نشهد عودة العصر الحجري؟ أم أنه قد عاد منذ زمن ونحن نعيش تجلياته؟
اعتقد أن العصر الحجري ربما يبدو متقدما على عصرنا اليوم، كونه قد شهد استعداد البشرية للتحضر وتطوير آدميتها، بينما نرى اليوم بعض البشر ينتقلون وعن سبق إصرارٍ وترصد إلى عالم التخلف والتراجع، دونما وجل ولاعتباراتٍ لا علاقة لها بدياناتهم ولا ثقافات آبائهم ولا أخلاق مجتمعاتهم ورسلهم.
لقد بات العالم اليوم كتلة من التعايش مع أخطاء العمر، في زمنٍ تشيخ فيه الإنسانية وتتراجع مقاييسها.. رحم الله الموتى من أصحاب البراءة والضمير والآدمية، كونهم حاولوا ذات يوم أن يوقفوا جنون الطمع والعزة بالإثم.. فهل نشهد بشريةً تصحو أم بشريةً لا تعرف إلا النوم.. والشيخوخة؟
‘ كاتب فلسطيني