هل تستطيع المملكة المغربية دخول نادي منتجي المليون سيارة هذا العام؟

إبراهيم نوار
حجم الخط
16

تتقدم صناعة السيارات المغربية بخطوات ثابتة نحو العالمية. وفي الوقت الذي تواجه فيه شركات السيارات الأوروبية منافسة شرسة من الشركات الصينية، فإن الانتقال إلى مراكز إنتاج أقل تكلفة خارج القارة يمثل أحد الحلول لصمود الشركات الأوروبية في السوق. وتمثل المملكة المغربية أحد أهم الخيارات المتاحة، حيث أثبتت خلال العقود الماضية كفاءة كبيرة وقدرة أسرع على الاستجابة لاحتياجات الشركات الأوروبية. ومن الأمثلة على ذلك أنها أصبحت تسهم حاليا بنسبة تقترب من 20 في المئة من إجمالي مبيعات مجموعة «رينو» الفرنسية حول العالم. وبفضل كفاءتها وقدرتها على التطور، أصبح المغرب واحدا من أهم مراكز التصدير العالمية للسيارات الكاملة والمكونات وقطع الغيار. هذا التقدم أدى إلى إغراء شركات كبرى من الصين واليابان والولايات المتحدة لدخول المغرب كمركز إنتاج عالمي يمثل حلقة تتشابك بقوة مع غيرها من حلقات سلاسل الإنتاج والإمدادات العالمية. كما أدت الحروب التجارية الدائرة بين الشرق والغرب إلى إضافة محرك جيوسياسي قوي يعزز إنشاء مراكز إنتاج عالمية في دول أخرى حول العالم، بعيدا عن الاستقطاب الحاد بين مراكز الإنتاج في الصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. ومن الظواهر الملفتة للنظر أن الشركات الأوروبية مثل رينو واليابانية مثل سوميتومو والصينيه مثل بي واي دي والأمريكية مثل ستيلانتس تعمل جنبا إلى جنب في المغرب، مستفيدة من توفر منتجات الصناعات المغذية لصناعة السيارات ومكوناتها. وتتجه الشركات الصينية بشكل خاص إلى تكثيف استثماراتها في قطاع إنتاج بطاريات السيارات الكهربائية، باعتبارها المحرك الرئيسي للسيارات في المستقبل.
وقد بلغت طاقة الإنتاج القصوى لصناعة السيارات المغربية حتى نهاية العام الماضي حوالي 700 ألف سيارة سنويا. ومع زيادة الاستثمارات المتوقعة في العام الحالي، يسعى المغرب لدخول نادي منتجي المليون سيارة سنويا بحكم التطور السريع للصناعة من خلال شراكات عميقة مع رينو الفرنسية وستيللانتيس العالمية، وبي واي دي الصينية، إضافة إلى شركات أخرى صينية ويابانية وأمريكية في صناعات مكونات السيارات. غير أن الطموح المغربي لدخول نادي منتجي المليون سيارة سنويا لا يتحقق فقط بزيادة الاستثمارات المادية للشركات الأجنبية، وإنما يحتاج تحقيق الاختراق لدخول هذا النادي توافر خمسة شروط رئيسية لتعزيز مكانة صناعة السيارات المغربية كميا وكيفيا. وتشمل هذه الشروط، أولا، تكثيف استثمارات تنمية المهارات البشرية، وثانيا زيادة استثمارات التجديد والابتكار التكنولوجي، وثالثا العمل على تنويع صناعة السيارات والمركبات بدلا من التركيز فقط على سيارات الركوب، ورابعا توسيع البنية الأساسية لصناعة السيارات بالتوسع في صناعات الحديد والصلب والصناعات المعدنية المغذية، وخامسا تنويع أسواق التصدير بدخول أسواق جديدة من أهمها السوق الأمريكية.

المهارات البشرية والتكنولوجية

الشرط الأول هو توظيف استثمارات ضخمة في تنمية المهارات البشرية الهندسية والإلكترونية والكهربائية وغيرها من المجالات المرتبطة بتطوير صناعة السيارات. هذا يتطلب تطوير النظام التعليمي، وإنشاء المزيد من مراكز التأهيل الفني والتكنولوجي والهندسي، وزيادة الاهتمام بتدريس الرياضيات في مراحل التعليم العام والتعليم العالي. إن التطور الذي تشهده صناعة السيارات في العالم من شأنه أن يزيد الطلب على الأيدي العاملة الأكثر مهارة، الأمر الذي يتطلب خططا تعليمية متوسطة وطويلة المدى لتوفير المهارات اللازمة حتى لا تصطدم الصناعة بنقص المهارات البشرية المتاحة محليا.
الشرط الثاني يتعلق بتكثيف الاستثمار في مجالات التجديد التكنولوجي المرتبطة بالصناعة، بدءا من تصميمات الهياكل ووسائل الراحة في المقاعد الداخلية وصولا إلى تطوير أجهزة القيادة التي من شأنها تحويل السيارة من كونها مجرد وسيلة للانتقال إلى جعلها غرفة كمبيوتر متحركة على أعلى درجات التقدم والرفاهية. سيارة المستقبل هي أكثر تعقيدا من الناحية التكنولوجية والهندسية، خصوصا مع الانتقال إلى محركات الوقود الأخضر، وأجهزة القيادة الذاتية، والمستوى المرتفع من الرفاهية داخل السيارة. وتتجه صناعة السيارات في الوقت الحاضر إلى إنتاج سيارة أشبه ما تكون بمكتب متحرك يحتوي على كل وسائل الترفيه والراحة وسهولة الاتصال. بمعنى آخر فإن القدرة على التطوير التكنولوجي ستصبح أهم المزايا التنافسية، إلى جانب المزايا التنافسية الأخرى مثل المزايا السعرية، والانضباط في مواعيد التسليم.
الشرط الثالث الذي تحتاجه صناعة السيارات المغربية لدخول نادي إنتاج المليون سيارة والإنطلاق منه لإنتاج ملايين السيارات هو ضرورة التوسع في تنويع الصناعة، بحيث لا تقتصر على إنتاج سيارات الركوب ومكوناتها. وفي هذا السياق فإن صناعة السيارات المغربية من الضروري أن تتوسع في قطاعات إنتاج سيارات نقل البضائع الخفيفة والثقيلة، وحافلات النقل الجماعي المتطورة سواء لنقل الركاب بين المدن أو للنقل السياحي. وهناك أيضا طلب كبير في القارة الأفريقية على سيارات الثلاث عجلات الرائجة على نطاق واسع في بلدان جنوب وجنوب شرق آسيا مثل الهند وتايلاند وفيتنام.
الشرط الرابع والمهم هو التركيز على استكمال البنية الأساسية لصناعة السيارات ووسائل النقل، عن طريق التوسع في صناعة الحديد والصلب ومنتجاتها، خصوصا تلك التي تدخل في مكونات صناعات المحركات وهياكل السيارات. وطالما أن طموح المغرب الصناعي يتسع أيضا إلى أن يصبح منتجا للطائرات، فإنه تيحتاج إلى توسيع صناعة الحديد والصلب مما هي عليه في الوقت الحاضر. ومن المعروف أن المغرب يأتي في المركز الثالث أفريقيا في إنتاج الحديد والصلب بعد كل من مصر التي تحتل المركز الأول وجنوب أفريقيا التي تحتل المركز الثاني. ومع زيادة الطلب على السيارات للتصدير، ودخول المغرب إلى مجال إنتاج صناعة الطائرات، فإن عدم وجود صناعة الحديد والصلب بحجم كاف، من شأنه أن يؤدي إلى زيادة الواردات، واحتمال التعرض لمشكلات اضطراب الإمدادات لأسباب مختلفة. وإذا لم يبدأ المغرب خطة ضرورية لتوسيع وتنويع صناعة الحديد والصلب، فإن العجز التجاري يمكن أن يتسع الأمر الذي يهدد استقرار سعر صرف العملة المحلية.
الشرط الخامس هو تنويع أسواق التصدير. ومع الاستمرار في الاستفادة من المزايا النسبية للتصدير إلى أسواق الاتحاد الأوروبي، من الضروري تحقيق مزايا تنافسية للتصدير إلى أسواق أخرى مثل السوق الأمريكية وأسواق الدول العربية. ومن السهل على المغرب تحقيق ذلك، نظرا لأن جنوب أفريقيا سبقته إلى النفاذ لسوق السيارات الأمريكية والتوسع فيها. كما أن اتفاقية أغادير لتحرير التجارة بين المغرب ومصر وتونس والأردن تمنح صناعة السيارات المغربية مزايا كثيرة في أسواق هذه الدول في حال استبعاد السيارات ومكوناتها من القوائم السلبية. في الوقت الحاضر يتم تصدير ما يقرب من 80 في المئة من إنتاج صناعة السيارات المغربية إلى دول الاتحاد الأوروبي، وتحتل إسبانيا المركز الأول بين أسواق التصدير تليها فرنسا وإيطاليا.
وإذا ارتفع إنتاج المغرب من السيارات الجاهزة إلى مليون وحدة في العام الحالي 2025 فإن الزيادة الإضافية في طاقة الإنتاج ستكون مخصصة لتلبية احتياجات التصدير في الأسواق الخارجية للعملاء الأجانب. ويتمتع المغرب بمزايا تنافسية كبيرة في الأسواق الأوروبية، من أهمها القرب الجغرافي (14 كيلومترا فقط يتم اجتيازها بالعبارات). ومع تخصص المغرب في إنتاج موديلات أوروبية معروفة في الأسواق المجاورة، فإن قدرة النفاذ إلى أسواق التصدير أتاحت للصناعة المغربية معدلات نمو مرتفعة سنة بعد أخرى. وقد بلغت صادرات السيارات المغربية ومكوناتها إلى الاتحاد الأوروبي 15.1 مليار يورو (16.4 مليار دولار) في عام 2023، مسجلة ارتفاعا بنسبة 30 في المئة عن العام السابق، وفقا لمكتب الصرف الأجنبي المغربي. وبلغت كمية صادرات السيارات الكاملة الصنع حوالي 536 ألف وحدة. وكان نمو صادرات صناعة السيارات ككل مدفوعا إلى حد كبير بصادرات المكونات وقطع الغيار، وخاصة الأسلاك (الضفائر) الكهربائية، والتي سجلت صادرات بقيمة 46.1 مليار درهم (4.7 مليار دولار). كما ارتفعت صادرات المحركات بشكل كبير إلى 11.3 مليار درهم (1.1 مليار دولار). أما بالنسبة للمبيعات في السوق المحلية فإنها تبلغ حوالي 150 ألف سيارة سنويا. ومن غير المرجح أن يرتفع هذا الرقم ارتفاعا كبيرا في السنوات المقبلة.

تطور طاقة الإنتاج

في عام 2023 أنتج المغرب 582 ألف سيارة ومركبات خفيفة. وتوقعت مؤسسة «فيتش سوليوشنز» أن يرتفع هذا الرقم هذا العام بنهاية عام 2024 إلى حوالي 614 ألف وحدة. مؤشرات الإنتاج والتصدير للعام الماضي تبدو إيجابية، مع التوسعات التي قامت بها «رينو» أكبر منتج للسيارات في المغرب. ويعتمد صعود المغرب على استراتيجية طويلة الأمد لتحفيز الاستثمارات في سلسلة توريد السيارات، ما أدى من بين أمور أخرى إلى افتتاح مصانع في البلاد من قبل «رينو- داسيا» و«ستيلانتس». كما تشمل البنية التحتية المحفزة للاستثمارات في هذه الصناعة إتاحة المناطق الصناعية المتكاملة الخدمات، وموانئ التصدير المتطورة القريبة من خطوط التجارة البحرية في العالم وتوفر الطاقة النظيفة، إلى جانب الحوافز الضريبية للمستثمرين. ويعد المغرب حالياً منصة صناعية رئيسية لمجموعة «رينو» على المستوى الدولي، ويمثل إنتاج مَصنعيها ما يتراوح بين 17 إلى 20 في المئة من مبيعات المجموعة في جميع أنحاء العالم في 2023، في حين تبلغ القدرة الإنتاجية للمصنعين 500 ألف سيارة سنوياً. وتسهم صناعة السيارات بحوالي 20 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي المغربي. ومن المرجح أن تزيد هذه النسبة في المستقبل. وتشير تقديرات مؤسسة «فيتش سوليوشنز» إلى أن صناعة السيارات المغربية ستواصل النمو بمعدل سنوي متوسط يبلغ 6.8 في المئة على مدى العقد المقبل، لتصل إلى حجم إنتاج فعلي بحوالي 1.1 مليون وحدة بحلول عام 2033. ويمثل حجم الإنتاج الفعلي نسبة تتراوح بين 80 إلى 85 في المئة من الطاقة القصوى للإنتاج.
ومع نمو مبيعات السيارات الصديقة للبيئة فإن صناعة السيارات في المغرب تخوض الآن تحديا كبيرا من أجل زيادة التشابك مع سلاسل الإمدادات العالمية في صناعة السيارات التي تعمل بالبطاريات الكهربائية. وتقود خمس شركات صينية استثمارات ضخمة في صناعة البطاريات في المغرب أبرزها المجموعة الأوروبية الصينية «غوشن هاي تك» التي تعتزم ضخ 13 مليار درهم (نحو 1.3 مليار دولار) كمرحلة أولى، ليرتفع المبلغ لاحقاً إلى 65 مليار درهم. ومن المتوقع بدء إنتاج المرحلة الأولى من هذا المشروع الضخم في العام المقبل 2026، على أن يصل إنتاجه إلى ما يعادل قدرة 20 غيغاوات ساعة من البطاريات الكهربائية سنويا تدريجيا. كما تخطط شركة «هاي ليانغ» لضخ استثمارات بقيمة 450 مليون دولار، فيما تخطط شركة «شينزوم» المتخصصة في إنتاج «الأنودات» لبطاريات الليثيوم لاستثمار 460 مليون دولار. وسبق أن أعلنت شركة «بي تي آر غروب» عن توصلها إلى اتفاق مع المغرب لتأسيس أول مصنع لها خارج الصين لإنتاج الأقطاب الكهربائية السالبة التي تُعدُّ مكونا أساسيا لبطاريات السيارات الكهربائية باستثمار أولي بقيمة 300 مليون دولار، كما بدأت أعمال الإنشاءات في مصنع بشراكة بين شركة «سي إن جي آر» الصينية وصندوق «المدى» المغربي باستثمار ملياري دولار. ويتوقع خبراء السوق أن الشركات الصينية قد تصبح هي محرك صناعة السيارات المغربية في الأمد البعيد، بعد أن قفزت الاستثمارات الصينية في المغرب بمعدلات سريعة في السنوات الأخيرة. ويجني المغرب حاليا الثمار الطبيعية لاستقرار السياسة الاقتصادية، والسعي للتكامل مع الاتحاد الأوروبي والعالم، والانفتاح بلا قيود على الشركات وفقا للمصالح المشتركة بما يخدم احتياجات التنمية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية