بعد سقوط حكومة الحبيب الصيد التونسية وتكليف وزير الشؤون المحلية والقيادي بحركة «نداء تونس» يوسف الشاهد بتشكيل حكومة جديدة يتساءل المرء إن كان يستطيع رئيس الوزراء الجديد الشاب نسبيّاً (41 عاماً) مواجهة الملفّات الشائكة التي أطاحت بالحكومات السبع التي سبقته.
تبدو الإشكاليّات التي تعوّق تونس مثل حلقة متكاملة تصبّ كل واحدة منها في الأخرى، وقد أشار الشاهد في خطاب تكليفه إلى عوامل الإرهاب والفساد والتنمية كأكبر التحديات التي عليه التعامل معها.
لظاهرة الإرهاب جذور عالميّة وعربيّة معقّدة لكنّها تجد أيضاً أسباباً لها للنموّ والاستمرار في تونس التي لم تستطع بعد أن تخرج من أسئلة المرحلة الانتقالية فقد شهدت نخبها ضغوطاً كبيرة غربية وعربيّة ماليّة وإعلاميّة وسياسية لمنع تجذّر الثورة ودمقرطة المجتمع وهو ما أدّى إلى استعادة المنظومة السياسية القديمة لبعض مواقعها.
من المعروف مثلاً أن بعض رجال الأعمال من المنظومة السابقة على الثورة تم محاسبتهم وبعضهم الآخر حجز على أموالهم وبعضهم هرب من البلاد، وأن بعض هؤلاء يدعمون اتجاهات سياسيّة داخل الحكومة ويتوقّعون مقابلاً لدعمهم من خلال إقرار وتكريس قانون للمصالحة الوطنية يعفيهم من المساءلة وهو أمر تعترض عليه بعض أحزاب المعارضة التي ترى أنه يتعارض مع العدالة التي ثار التونسيون لتحقيقها.
كما أن من المعروف أن أركان الفساد في تونس تتعلق بغسيل الأموال والتهرب من الضرائب وكذلك عمليات التهريب التي تشكّل اقتصاداً أسود موازياً تقول بعض التحليلات أن نسبة حجمه لا تقلّ عن 50٪ من حجم الاقتصاد الحقيقي.
الحجم الهائل لهذا الاقتصاد الموازي يعني أن على الدولة التونسية أن تخوض معه معركة حياة أو موت لأن القائمين عليه، كما هم قادرون على تمويل جزء من العمليّة السياسية (أو بالأحرى شراء السياسيين والأحزاب)، فهم أيضاً قادرون على تمويل الإرهاب ومنع أي خطة حقيقية لتنمية البلاد لأنها تتعارض مع عدم قانونية وشرعية هذا الاقتصاد الموازي.
يعرف التونسيون أن جزءاً كبيراً من هذا الاقتصاد الموازي يعتاش على التهريب إلى ليبيا التي تحوّلت إلى دولة فاشلة ومكاناً للاستقطاب العسكري الإقليمي والعالمي، وأنه لا يخلو يوم من حوادث إطلاق نار واحتجاز عربات مهربين، وأن هؤلاء المهربين ورؤساءهم هم من أكثر المتضررين من إقفال الحدود ووضع السواتر الترابية لمنع تسلل عمليات الإرهاب، وهذا يكشف، بوضوح، أن عاملي الإرهاب والفساد ظاهرتان متعايشتان وتتبادلان المنافع.
رئيس الوزراء الجديد المكلف قال إن الأمر يقتضي «تضحيات ومجهودات استثنائية»، كما يتطلّب «جرأة وشجاعة وحلولاً خارجة عن الأطر العادية»، وهذا كلام صحيح ولكن إمكانية جعله قابلاً للصرف تتطلّب أيضاً شفافية كبيرة في التعامل مع أركان الفساد المعروفين من خلال الإسراع بسن وتطبيق قوانين شفافة وحاسمة.
إن العدالة الانتقالية لتونس لا تتنافى بالمطلق مع حصول مصالحات وطنية وإنتاج تسويات حتى مع أولئك الذين كانوا من أقطاب المنظومة الفاسدة لكن ذلك لا يمكن أن يحصل من فوق رؤوس المواطنين بل عبر المنظومات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وكذلك بتوافق الأحزاب والجهات السياسية الكبرى التونسية على مواجهة الأسباب الصانعة للفساد، من خلال الحفاظ على الممتلكات والحقوق وسيادة القانون وتشجيع الابتكار والابداع والمنافسة الحرّة لأن ذلك سيكون عنواناً أيضاً لمكافحة الإرهاب ولانطلاق تنمية اقتصادية حقيقية في تونس.
رأي القدس