حسن بنشليخةهددت الولايات المتحدة الأمريكية، كما كان متوقعا، استعمال حق النقض (الفيتو) في الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها 66 ضد حصول فلسطين على العضوية الكاملة كدولة في الأمم المتحدة ومن أجل حقها في تقرير المصير رغم الدعم العالمي الكبير الذي يلقاه الفلسطينيون. وليست هذه هي المرة الأولى التي تقف فيها أمريكا ضد جميع الدول الأعضاء برفضها ميثاق الأمم المتحدة لإقرار مبادئ سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط بالاعتراف بدولة فلسطين. فمنذ العام 1967 لجأت أمريكا إلى استعمال الفيتو 42 مرة لعرقلة مشروع قيام دولة فلسطينية وحماية إسرائيل من الالتزام بالقانون الدولي أو للتغطية على جرائم حروبها. ومنذ نفس الفترة قدمت أمريكا لإسرائيل 178 مليار دولار على شكل مساعدات عسكرية واقتصادية كما أعطت إسرائيل السلاح الأكثر تطورا في الترسانة الأمريكية واخطر أنواع الأسلحة الفتاكة بما فيها الأسلحة المحظورة دوليا التي قتلت أطفال ونساء غزة. فلنصارح أنفسنا بحقيقة واحدة على الأقل وهي أن أمريكا هي إسرائيل وإسرائيل هي أمريكا. ومع قرب ميلاد الدولة الفلسطينية كحل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي تقف أمريكا وحدها مع إسرائيل في محاولة لكبح المشروع الفلسطيني. وهذا الوضع يبرهن على موقف غير مريح لأمريكا بل يجعل منها العدو الأخلاقي والتاريخي للشعب الفلسطيني حيث فرضت تقسيم فلسطين عام 1947 ودعمت احتلالها بالكامل. وجهدت أمريكا على مر الزمن أن تحول قضيه فلسطين إلى قضية مشابهه للهنود الحمر في أمريكا الذين يتمتعون بحكم ذاتي وهمي داخل ‘محميات طبيعية’ وهي في الحقيقة ‘معسكرات اعتقال’ تابعة لحدود وإدارة الفيدرالية الأمريكية. هكذا تريد أمريكا أن تصنع من الوضع الفلسطيني الراهن في ظل الاحتلال الإسرائيلي وضعا قريبا من وضعية الهنود الحمر في أمريكا. لا دولة للفلسطينيين على الإطلاق فقط ‘محميات’، ولم يكن أبدا لأمريكا نية في السماح بدولة للفلسطينيين منذ العام 1948 عندما أحرزت إسرائيل على أكثر من 24 في المائة من الأراضي التي خصصت لها من الناحية القانونية، وإن كان غير عادل، بموجب قرار الأمم المتحدة رقم 181. كما لم يكن لها نية في السماح لهم بقيام دولتهم المشروعة على حدود أراضي 1967 ومنذ ذلك الحين وأمريكا التي تدعي أنها وسيط حيادي أو راعي للسلام وهي تدعم الاحتلال الإسرائيلي وتقف عقبة أمام السلام برفض حل الدولتين كمعيار لحل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. والقراءة التاريخية السريعة للسياسة الأمريكية تثبت انحيازها لإسرائيل وتنكرها لحقوق الشعب الفلسطيني كما تنكرت لحقوق الهنود الحمر.
والتسلسل الزمني للتعنت الأمريكي يظهر جليا انه لا نية لأمريكا، من بعيد أو من قريب، للاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية. ففي عام 1947 تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 181 الداعي لتقسيم فلسطين إلى دولتين، إحداهما يهودية والأخرى عربية، ووضعت القدس تحت رقابة دولية لكن اليهود رفضوا هذا القرار رفضا باتا وأيدتها أمريكا في ذلك. ولم يكن لدى أمريكا نية في السماح بتسوية سلمية شاملة عام 1967 عندما اصدر مجلس الأمن وتبنى القرار 242 الداعي لانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي المحتلة خلال حرب حزيران/يونيو عام 1967، وهي الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية واستعملت أمريكا حق الفيتو عندما صوتت وحدها مع إسرائيل ضد حل الدولتين. وفي عام 1974 توجه رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات أمام الأمم المتحدة بقولته المشهورة ‘جئتكم احمل غصن زيتون ومسدسا’ ومنحته الأمم المتحدة وضع صفة مراقب، تقززت منه أمريكا مع إسرائيل، وهو الوضع الذي لم تتمتع به منظمة التحرير حتى الآن. كما أصدرت الأمم المتحدة قرارات عدة أخرى تطالب إسرائيل بإزالة المستوطنات الشيء الذي عارضته أمريكا قبل إسرائيل! ولم يكن لدى أمريكا النية في العمل نحو التوصل إلى حل عادل على أساس دولتين في العام 1978 أو عام 1982 عندما غزت إسرائيل لبنان وسرقت المزيد من الأراضي كما لم تكن لها نية لمنح الفلسطينيين حقوقهم المشروعة عام 1987 عندما انطلقت الانتفاضة الأولى. ولم تكن لديها النية للسماح بتسوية سلمية شاملة في الشرق الأوسط عندما وقفت مصر على استعداد لسلام شامل في المنطقة لكن أمريكا فضلت سلاما ‘حصريا’ ومنفصلا لا يعترف بحقوق الفلسطينيين وشعوب المنطقة المتبقية وتحاول اليوم في 2011 على لسان ‘ملاكها الأسود’ غلق الطريق أمام المطلب الفلسطيني. لقد دعمت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على السلطة من الحزبين الجمهوري والديمقراطي على حد سواء سرا وعلنا المشاريع الإسرائيلية الاستيطانية وحروبها ومجازرها الهمجية ضد الفلسطينيين منذ قيامها إلى اليوم بألاعيب مختلفة (معاهدة السلام المصرية، أوسلو، خارطة الطريق، اللجنة الرباعية) لإطالة الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي وتحويله إلى صراع ابدي. وساهمت لأكثر من 63 سنة لتطوير الكارثة التي هي عليه اليوم لأن الظلم والعنصرية جزء لا يتجزأ من التقاليد التاريخية المؤسسة للكيان العنصري الصهيوني الأمريكي. ‘ كاتب من المغرب يقيم في الولايات المتحدة الأمريكية