هل تسعى إسرائيل إلى كسر معادلتها.. إمَّا الهدوء التَّام أو الحرب الشَّاملة على الجبهات؟

حجم الخط
0

بعد هجوم الطيران الإسرائيلي على أحد المواقع التابعة لحزب الله في منطقة القلمون على الحدود السورية اللبنانية، الذي اعترف به الطرفان، يلاحظ أنه تجري الآن ـ وعلى غير العادة- في إسرائيل محاولة لإعداد الرأي العام الإسرائيلي لتقبل إمكانية الرد من جانب حزب الله على ذلك الهجوم، وذلك من خلال إخلاء الوجود العسكري في قرية الغجر السورية المحتلة، ورفع حالة التأهب على الحدود الشمالية، إضافة إلى حديث المصادر الرسمية الإسرائيلية حول ذلك ومناقشة ذلك في وسائل الاعلام بشكل مكثف، فقد يؤشر ذلك وبالدرجة الأساسية إلى إمكانية أن تقوم إسرائيل بمراجعة المعادلة التي فرضتها على جبهتي الجولان وسيناء منذ عام 1973م بعد حرب أكتوبر/تشرين الاول وكذلك على جبهة لبنان منذ عام 2006 بعد حرب يوليو/تموز وعلى جبهة غزة بعد عام 2009.
لقد فرضت إسرائيل هذه المعادلة على جبهتي الجولان وسيناء لإنهاء حالة حرب الاستنزاف التي كانت قائمة قبل حرب أكتوبر، وكذلك فرضتها على جبهتها الشمالية التي كانت تشهد بين الحين والآخر هجمات متــــبادلة ومناوشات مستمرة، حتى جاءت حرب تموز لتفرض إسرائيل هذه المعادلة القائمة على أساس، إما الهدوء الشامل وإما الحرب المفتوحة، لقد وفر هذا لإسرائيل ضمان الهدوء على جبهتها الشمالية وحمى الحدود من محاولات حزب الله لإبقاء حالة الاشتباك مع إسرائيل قائمة، من دون الدخول في حرب شاملة معها.
كانت إسرائيل تأمل أن يوفر لها قرار مجلس الأمن رقم 1701 تقليصا ومن ثم إنهاء وجود حزب الله على حدودها الشمالية، ووقف تكديسه لترسانته بالقرب من حدودها، وكذلك تقليص تسلحه على مساحة الأرض اللبنانية، لكن الأمور لم تجرِ بالشكل الذي أملته إسرائيل، ومع اشتعال الأوضاع في سوريا ودخول حزب الله على خط الأزمة السورية، باعتبارها من وجهة نظره احدى الجبهات التي تعنيه كونها تشكل ظهيره الخلفي وأحد شرايين إمداده بأسباب البقاء، من خلال تحالفه مع النظام القائم في دمشق ومن ورائه إيران، فإن إسرائيل بدأت تستشعر خطر أن يتم حسم المواجهة الميدانية القائمة في سوريا، مما يعطي حزب الله المزيد من أسباب البقاء والتسلح على نطاق يمكن أن يخل بالتفوق الإستراتيجي الإسرائيلي على جبهتها الشمالية، ويشار هنا إلى أن الخطوط الحمراء التي وضعتها إسرائيل تتمثل في منع إمكانية أن يسيطر حزب الله على الحدود السورية اللبنانية، أو أن يمثل وجوده هناك مزيداً من الفرص بالنسبة إليه على مستوى حماية خطوطه الخلفية وتوفير الدعم اللوجستي الضروري بالنسبة اليه في أي مواجهة قادمة مع إسرائيل.
وفي السياق ذاته فإن الأمر على جبهة قطاع غزة ربما يعطي إسرائيل سببا آخر للتفكير في إعادة صياغة المعادلة القائمة التي تحكم السلوك الإسرائيلي تجاه الأطراف المعادية في محيطها، والتي تواصل التسلح وتشكل تهديداً تكتيكياً يتجه نحو التحول إلى تهديدات إستراتيجية تمس جوهر نظرية الأمن الإستراتيجي الإسرائيلي القائمة على أساس التفوق والردع.
كثيرة هي الأسباب التي قد تضع إسرائيل أمام ضرورة مراجعة هذه المعادلة التي فرضتها على الجبهات من حولها، فربما يكون الآن من مصلحة إسرائيل الإستراتيجية أن تعفي نفسها من ضرورة الذهاب إلى حروب شاملة بفعل حوادث جزئية وموضعية على حدودها، وهو ما سيعطيها حرية الحركة وحرية توجيه الضربات الاستباقية وإمكانية استنزاف خصومها بضربات عسكرية موضعية في الأماكن التي ترى فيها ضرورة لتوجيه تلك الضربات، من دون أن تلزم نفسها بالذهاب إلى حروب شاملة أمام رأيها العام، وضمن تفكيرها وخططها العملياتية، وربما تتلخص هذه الأسباب بالأثمان المتوقعة عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، والمترتبة على الدخول في مواجهة عسكرية شاملة ومفتوحة على كل الاحتمالات في منطقة الشرق الأوسط في المستقبل، خاصة في البيئة الإستراتيجية التي تفرضها معالم السياسة الأمريكية الراهنة التي تفضل عدم الدخول في مواجهات عسكرية شاملة وكبيرة في المنطقة.
وربما ترى إسرائيل أن البديل عن بقاء هذه المعادلة القائمة على حدودها هو أن تبقى مكتوفة الأيدي أمام تعاظم القوى المعادية لها في المحيط، المتمثلة في الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة والأكثر أهمية بالنسبة لها ذلك القائم في جنوب لبنان وما يمثله حزب الله من معضلة إستراتيجية بالنسبة لإسرائيل إذا واصل تسلحه وواصلت الأوضاع الداخلية في لبنان والبيئة السياسية هناك إتاحة ذلك له، وامتلك الفرصة للاستفادة مما ستؤول اليه مجريات المواجهات الميدانية القائمة على الأراضي السورية وهذا ما يبدو واضحاً في المستقبل المنظور على الأقل.
فهل ستسعى إسرائيل إلى إنهاء هذه المعادلة القائمة حتى الآن؟ ذلك ما سيتضح أكثر من خلال رد فعل إسرائيل في حال قيام حزب الله بالرد على الضربة التي وجهتها إسرائيل اليه بشكل مباشر، وهو ما لم يحدث منذ وقف إطلاق النار في نهاية حرب تموز عام 2006، حيث ان اعتراف حزب الله بالضربة المباشرة له واعتبارها عملاً عسكرياً وليس أمنياً، ما يعني تجاوز السياق الذي كان قائماً في العلاقة اللدودة بينه وبين إسرائيل، مما يضعه في سياق الخيارات الصعبة حول كيفية الرد والتقدير النهائي لمفاعيل تدحرج الأمور باتجاه حرب استنزاف ربما تكون الآن في صالح إسرائيل أكثر مما هي في صالحه.

‘ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية