هذه المرة لم يُسئْ دريد لحام عندما تحدث، في مقابلة إذاعية، عن شراكته في الكتابة المسرحية مع الشاعر الراحل محمد الماغوط. كل ما قاله الرجل «تَشَارَكْنْا سوا، أنا والماغوط. المسرحيات الأربعة كتبناهم مع بعض. أحياناً لا أضع اسمي، لا أقدم نفسي ككاتب».
العارف بالمسرح لن يكون لديه أي شك في أن لدريد لحام مساهمته في الكتابة. شكسبير نفسه لو وقع بين يدي أي ممثل (ولنفترض بين يدي جمال العلي أو أندريه سكاف) لا بدّ سيخضع لكتابة جديدة على يدي هذا الممثل، بما يتلاءم مع منطق شخصيته ورؤيته وجمهوره وبيئته (ما يسمى بالدراماتورجيا لدى المختصين) غير أنه من المتعذّر معرفة كم كتبَ الماغوط وكم كتب شريكه، ولا نحسب أن الماغوط نفسه سيهتم لذلك لو كان على قيد الحياة.
شكسبير نفسه لو وقع بين يدي أي ممثل لا بدّ سيخضع لكتابة جديدة، بما يتلاءم مع منطق شخصيته ورؤيته وجمهوره وبيئته
في العام 2005 قدّم الممثل، والمخرج حينذاك، زهير عبدالكريم مسرحية «قيام جلوس سكوت» المليئة بكراهية واحتقار اللبنانيين، الاستقلاليين منهم خصوصاً، عدا عن كونها رديئة فنياً، ولم نسمع أي احتجاج من الشاعر الراحل، لقد اعتُبرت من تأليفه، وشاهدها الناس على أنها من تأليفه، صحيح أنها حالة معاكسة لما جاء به دريد لحام، بمعنى أن من المرجح أن الآخرين (كانت من إعداد الكاتب محمود عبدالكريم) كتبوا ونسبوا إليه كتابتهم، ولكن ذلك يثبت تفهّم الماغوط لضرورات التدخّل في الكتابة، ولو أن الأمر جاء فاقعاً ومؤذياً في مسرحية عبدالكريم.
ربما جاز القول إن التجربة المشتركة جاءت خسارة للرجلين معاً، لم يحافظ الماغوط فيها على مكانته العالية كشاعر، ولم يستطع دريد أن يقدم فيها ما أحبّه الناس لديه: غوار الطوشة.
على أي حال، لم يظهر أن الماغوط كان معتداً بتجربته مع دريد لحام، لطالما سمعنا انتقادات واتهامات، وربما كان موقفاً نقدياً من التجربة أنه لم ينشر تلك المسرحيات في نصوص مطبوعة مستقلة. ربما جاز القول هنا إن التجربة جاءت خسارة للرجلين معاً، لم يحافظ الماغوط فيها على مكانته العالية كشاعر، ولم يستطع دريد أن يقدم فيها ما أحبّه الناس لديه: غوار الطوشة. الشخصية التي يعيش الرجل بفضلها حتى الساعة، ويبدو أن كل ما فعله منذ زمن الأبيض والأسود إلى اليوم فقط محاولة إنعاشها.
لقد أثبت دريد لحام أنه مدلّل نظام مجرم ومتوحش، أحد أدواته في التزوير وإرسال الرسائل، ولا شك أن حديثه الأخير عن التطبيع القادم وشروطه رسالة غير رسمية من نظامه، لكن قد يحدث مع ذلك أن يقول شيئاً يحتمل الصواب.
واضح أن الشيخ، قارئ القرآن، أُجبر، كما آخرون كثر من قبله، على الظهور في فيديو والاعتذار عن تلاوته على ضريح الراحل لقمان سليم، كانت تكفيه ذريعة أن الرجل «ليس من خطّنا وسياستنا» لنفهم كل شيء، لنفهم أن الحزب هدّده، على الأقل بلقمة عيشه كما فسّر أحد المشايخ، عندما قال إن لقمة عيشه من القراءة في الجنازات وخلافها، ويكفي التهديد بعدم دعوته إليها حتى ينتهي رزقه. لكن أن يعمد الرجل إلى الكذب فوقها، ليقول إنه لم يكن يعرف على من يقرأ، في بلد ضجّ بحديث الاغتيال، وفي تشييع لا بدّ أنه لاحظ استثنائيته من حيث الحشد والكاميرات والحراسة المشددة، فهو أمر مشفق حقاً. فضّل الرجل، الحاج، أن يكذب، على أن يترك لنا تقدير الرعب الذي اضطره إلى الفيديو!
«شيعة السفارة» لكاتم الصوت، وشيعة الحزب للإذلال،.. فعلى أي جانبيك تميلُ!
وإذا كنا نشفق على الحاج لا ندري أي شعور يصيبنا أمام الجمهور المهاجم له، هل أنتم مطمئنون الآن لشيخ كذّاب يقرأ في أشدّ مواقفكم وأيامكم حلكة!
هل يريحكم هذا الإذلال لواحد من مشايخكم، كما لو أنكم تريدون تطويع ومساواة الجميع في الذل!
مشفق حقاً حال أكثر الشيعة في هذي البلاد، فهم إما «شيعة سفارة» يستحقون الاغتيال بكاتم صوت أو بسواه، أو أنهم شيعة الحزب يستحقون الإذلال، بالركوع أمام «صباط السيد» أو من في حكمه، أو أنهم كاتمو الصوت.. فعلى أي جانبيك تميلُ، و«هيهات منّا الذلة»!
نقلت صحف مصرية أن المغني محمد منير أعرب عن سعادته لاختياره «ممثلاً لمصر لإحياء ٤ حفلات فى فلسطين ضمن جولة غنائية مع عدد من النجوم العالميين».
قبل أن تتكهّن بالتفاصيل، أين، ولأي غرض، سيأتيك العنوان الأبرز لتصريحات الفنان ليدلّك على فحوى الحدث، فمنير يريد، كما قال الخبر، أن يكون بمثابة مندوب سلام على غرار الرئيس الراحل محمد أنور السادات.
ليست زيارة فلسطين في حد ذاتها كارثة، أو تورطاً في التطبيع، كثر زاروها من فلسطينيي الشتات أو سواهم، الفرق تجده هنا، في أن يكون المرء ذاهباً للتضامن مع الفلسطينيين، أو أنه على خطى السادات.
ماذا تبقى من صوت محمد منير كي يجري اختياره لأي فعالية، أم أن فعاليات التطبيع لن تجد مشاركاً يقبل بها غير منتهي الصلاحية!
بالمناسبة؛ ماذا تبقى من صوت منير كي يجري اختياره لأي فعالية، أم أن فعاليات التطبيع لن تجد مشاركاً يقبل بها غير منتهي الصلاحية!
ماذا لديه في الأساس حتى أيام عزّه، في ثمانينيات القرن الفائت، إذا أردت (ودعك من السياسة ووقوفه إلى جانب نظام السيسي) أن تعرف إساءة منير عد إلى الفن النوبي الذي نهل عنه، لتدرك أي صورة بائسة صار إليها ذلك الفن العظيم.
في قلبي شقّ يأسى على المغني اللبناني فضل شاكر، المحكوم من قبل القضاء اللبناني بسجن اثنتين وعشرين سنةً، واللائذ بمخيم فلسطيني منذ سنوات.
نأسى عليه لفقدانه الأمل بقضاء عادل يأمن إليه فينصفه، ومن المفترض أنه بريء حتى تثبت إدانته، فيما يتعامل معه جمهور الممانعة على أنه داعشيّ حتى لو ثبت العكس.
صيحته في اتصال هاتفي أخيراً على تلفزيون «الجديد» يائسة ومقهورة، ويبدو أنه وجد في مواطنته فيروز أملاً بأن تقول كلمة من أجله: « روحوا اسألوا فيروز عني».
فضل شاكر؛ أقلع عن أيّ أمل، ليس العدل وحده ما يبكي الجنّ هنا، ليس وحده الغائب، لبنان نفسه في مهبّ الريح.
كاتب فلسطيني سوري