محمد عبدالحكم دياب
يبدو أن ثقافة الهزيمة تمكنت من بعضنا وشقت طريقها بينهم، فمجرد الحديث عن انتصار حققه العرب، في مرحلة من المراحل، يثير الزوابع ويعكر صفو ومزاج حملة لواء هذه الثقافة والمتأثرين بها، يشككون في كل شيء. والنظرة المحكومة بهذه الثقافة، وإن كانت غير منصفة فهي تقلل من شأن الذات وتحقرها. وثقافة الهزيمة خرجت من عقالها بتأثير هزيمة 1967 حيث استغل الانكسار الذي أحدثته في النفوس والمعنويات، فشقت طريقها وكسبت أرضا جديدة، وكانت ساعة صفرها هي ساعة أن أعلن موشي ديان مقولته الشهيرة عن العرب.. واصفا إياهم بأنهم أناس لا يقرأون، وإذا قرأوا لا يستوعبون، وإذا استوعبوا فهم ينسون. أي أن العرب، من وجهة نظره العنصرية، من منزلة أقل، وفي مكانة أدني، وذوي ملكات محدودة. ولكي تشق هذه الثقافة طريقها، ركزت علي تغييب الذاكرة الجماعية، الوطنية والقومية، بعمليات معقدة وممنهجة.. معلومة ومستترة، وكان التاريخ، وما زال، هو المعمل الذي يحقق هذا الغرض، فخلطوا وقائعه بالأكاذيب وصاغوا منها مضامين وأدبيات هذه الثقافة. ومقولة موشي ديان العنصرية، كانت النتاج الطبيعي لما يمكن تسميته بالتفسير الغربي العنصري للتاريخ العربي والإسلامي. أعيدت صياغة كثير من الأحداث والوقائع من وجهة نظر المشروع الغربي، لتتلاءم مع طموحاته وأطماعه، ثم يقوم أنصاره من العرب بإعادة قراءتها بعيون غربية عنصرية. فزخرت تفسيرات التاريخ المعاصر بما يؤكد أن العرب قوم ليسوا مؤهلين للنهوض أو النصر، وعلي ذلك بنيت مواقف المؤسسات الغربية حيالهم. ومنذ أن أصبح المشروع الصهيوني قلب أولويات المشروع الغربي، وتحوله إلي مهمة مقدسة لمؤسساته، تلاشت الفروق، في النظرة إلي العرب، من نابليون وديليسيبس ودزرائيلي، إلي هتلر وموسوليني، ومن تشرشل، وتاتشر، وصولا إلي جورج دبليو بوش وتوني بلير وميركل وخافير سولانا.
وكم ما ألقت به البوارج والمدافع والمجنزرات والدبابات والطائرات والصواريخ الغربية، علي رؤوس العرب، علي مدي مئتي عام متصلة.. هذا الكم لو صب علي رأس أي أمة، لهلكت وانتهي أمرها. إذن ما هو سر قدرة العرب علي تحدي مخطط الإفناء الذي يستهدفهم في المشروع الغربي؟ السر يكمن فيما استقر في وجدانهم، ويتم استدعاؤه وقت الشدة.. إنه طاقة الصمود الخارقة، والقدرة الإعجازية علي المقاومة، وقوة الصبر والتحمل.. إنها أشياء في حاجة إلي إعادة اكتشاف. أما استسلام نخب سياسية وفكرية، وكم لا بأس به من المحسوبين علي الثقافة للمشروع الغربي، يعود، في جانب منه، إلي عدم الوعي بعمق هذه الروح، والجهل بطبيعة الأمة، والانفصال عنها. والمشروع الغربي الذي تصهين مع اتساع الظاهرة الاستعمارية. اعتمد في نجاحاته علي نهج الإبادة والاستيطان وعمليات دمار وتخريب دورية، وتحويل المنطقة ساحة للحروب التي لا تتوقف، ومع ذلك استمرت الأمة العربية في سلوك طريقين، كل منهما مرتبط بالآخر، الطريق الأول هو السعي للنهوض، والثاني هو الاعتماد علي المقاومة. وبقيت المقاومة، بكافة أشكالها وصورها، خط دفاع مستمر عن الحق في النهوض والاستقلال. وحين وقعت المنطقة كلها، تقريبا، تحت وطأة الاحتلال الغربي، البريطاني والفرنسي والإيطالي والألماني، منذ ثلاثينات القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين.. لم تتوقف جدلية النهوض والمقاومة عن التفاعل، ولعبت دورها في إضعاف مخططات الإفناء. لذا زاد اهتمام المشروع الغربي بالعمل علي جبهة الحرب النفسية والثقافية، تحسبا لاحتمالات الفشل، الذي كثيرا ما يصاحب الحملات العسكرية.
وعلينا أن نعترف بأن المشروع الغربي حقق انجازات لا يستهان بها علي جبهة هذه الحرب، وأغلبها تحقق بتأثير نجاح عدد من الحملات العسكرية ضد المنطقة، سواء بالأصالة أو بالوكالة. وكان أخطرها تأثير نجاح حملة اغتصاب فلسطين واقامة الدولة الصهيونية علي أنقاضها، فتوفرت، بذلك، القاعدة التوسعية والاستيطانية، التي اعتمد عليها المشروع الغربي، في بناء ركائز وقواعد جديدة ومؤثرة في الحرب النفسية والثقافية الموجهة ضد العرب، وصب كل تراجع عربي في مجراها، إلي أن دخلت مرحلة جديدة بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد مع أنور السادات، وتصاعدت في الربع قرن الأخير، وتفاقم أثرها مع احتلال الكويت، واندلاع حرب الخليج الثانية، المعروفة بحرب تحرير الكويت، وقتها تحول المجهود السياسي والإعلامي والعسكري الرسمي العربي إلي جزء من هذه الحرب. بصورة سمحت ببناء قواعد لها في أغلب البلاد العربية. وانتهي الأمر بتسليم النظام الرسمي العربي بالهزيمة، وأضحي المشروع الغربي حاكما لدوره وحركته. فتصهين وأقام لنفسه مؤسسات حديثة، تضم جيوشا من العاملين والخبراء القادرين علي تقديم المشروع الغربي ونشره بلسان عربي مبين. وتحتاج كل فترة إلي تجديد ثقافة الهزيمة وحقنها بمقويات وجرعات تمكنها من إضعاف جهاز المناعة الوطني والقومي للعرب، وقتل روح المقاومة فيهم، وآخر موجات التجديد والحقن هو ظهور محور عربي يتبني المشروع الغربي، في مرحلته الراهنة، هو المحور الأردني السعودي المصري، المساند لرئيس وزراء الدولة الصهيونية ومحمود عباس في فلسطين، وتيار 14 آذار في لبنان، والحكومة العراقية، وهدفه تمكين هذه الثقافة لسرعة إجهاض انتصارات المقاومة علي الجبهة اللبنانية، وقطع الطريق علي أي انتصار متوقع للمقاومة العراقية، وما يمكن أن يترك من أثر، خاصة علي الجبهة الفلسطينية.
كانت المبادرة السعودية (2002) قد وفرت الغطاء السياسي الجامع لصهينة النظام الرسمي العربي برمته، حيث سلمت بتفوق المشروع الغربي وعدم القدرة علي مواجهته، وكأنه قدر لا فكاك منه. ولم يتبق للعرب، وفقا للمبادرة، إلا الالتحاق بالمشروع الصهيوني، وسلوك الطريق الوحيد المتاح، من وجهة نظرها، وهو الاستجداء، والقبول بما يلقيه الغرب من فتات. وأخذ المحور الأردني السعودي المصري علي عاتقه مهمة أخري هي رد الاعتبار للدولة الصهيونية وآلتها العسكرية، وتعويض هزيمتها في جنوب لبنان، كمرحلة أولي، تتوج، بعد ذلك، بعمل مشترك ومباشر تحت لوائها للتخفيف من وطأة فشل المشروع الأمريكي في العراق. وعلينا ألا ننسي أن المحور الأردني السعودي المصري، يمتلك مؤسسات وأموال وأسلحة وجيوش وقدرات بشرية، مجندة بالكامل لخدمة المشروع الغربي.. ولديه إمكانية الترهيب والغواية، وجاهز دوما للعمل بالأصالة عن نفسه وبالوكالة عن أصحاب المشروع الأصلي ورعاته ضد الأمة مجتمعة. ومن مصلحة هذا المحور أن يستمر في تبني ثقافة الهزيمة ونشرها.
وكل هذه الإمكانيات لها تأثيرها البالغ علي كثيرين، حتي تجد منهم من لا يتحمل تقييما يري أن معركة السويس انتهت بالنصر، وقد يكون البعض، ممن لا قبل لهم بالغوص في عمق الأشياء، معذورا، بسبب التشوهات التي جرت لمعني النصر ومؤشرات الهزيمة، فالنصر إنجاز سياسي، يتحقق بالعمل العسكري وبغيره، والهزيمة اخفاق سياسي، يتم إذا لم تتحقق الأهداف التي تحركت من أجلها الجيوش، ولهذا فهي ترتبط بكسر إرادة طرف من أطراف القتال أو الصراع للآخر. بغض النظر عن حجم الجيوش وقوتها التدميرية. وفي 1956 لم يحقق البريطانيون والفرنسيون والصهاينة الأهداف التي جردوا حملتهم من أجلها، لم يستعيدوا قناة السويس، ولم يقضوا علي عبد الناصر أو يسقطوا حكمه، ولم يتحملوا تكلفة استمرار احتلال بور سعيد، والجيش المصري لم يدمر، بل غنم معدات وآليات وأجهزة وملابس، نتيجة استيلائه علي مخازن سرية تركتها القوات البريطانية بعد جلائها الأول في 18/ 6/ 1956، لاستخدامها عند عودتها مرة أخري لاحتلال منطقة القناة. وهذه الغنيمة عوضت الجيش عن كثير من خسائره.
لم يدع أحد أن الجيش المصري كان قادرا وحده علي مواجهة الغزو والانتصار علي العدوان، وإلا ما كان له أن يندمج مع المقاومة، ولا ما تولي نشر وتوزيع ضباطه ومدربيه علي أنحاء البلاد للتدريب والتعبئة، وما كان له أن يلقي بكميات السلاح الكبيرة لكل قادر علي حمله واستخدامه. وهذا هو الذي عوض أغلب جوانب القصور علي الجبهتين العسكرية والمدنية، و هذا التلاحم هو الذي صنع الانتصار الذي نتحدث عنه، ونري ملامحه في المقاومة العراقية تحديدا.. انتشر ضباط ومدربو القوات المسلحة العراقية، التي حلها الغزاة، يقودون المتطوعين في مواجهة الغزو، وهم علي يقين بأن الغلبة العددية والعتادية تقهرها إرادة الصمود والمقاومة، هذا ما أثبتته حرب التحرير الجزائرية 1954، والمقاومة المصرية 1956، واللبنانية في 1983 و2000 2006، والفلسطينيون في جولات الكر والفر المستمرة، رغم الظروف غير المواتية، التي يمرون بها طوال الستين عاما الماضية. أما أن يتم قصر الجهد علي التفاوض فقط، وإسقاط خيار المقاومة فهذه خطيئة وطنية، ترقي إلي درجة الخيانة. فالتفاوض مع المحتل دون إحداث تغيير ميزان القوي السياسي والعسكري لا قيمة له، فلم يعرف التاريخ محتلا ولا غازيا خرج ورحل عن طريق التفاوض وحده دون مقاومة!! ثقافة الهزيمة تتحكم في تصرفات الأكثرية البرلمانية اللبنانية الآن، تنكر النصر وتمارس دورها في إجهاضه، فآلة عسكرية بحجم الآلة الصهيونية، لم تتمكن من إطلاق سراح الأسيرين الصهيونيين، ولم تستطع نزع سلاح حزب الله، ولم تحول لبنان إلي قاعدة لغزو سورية، كمقدمة لضرب إيران، وانسحاب القوات الصهيونية دون تحقيق الأهداف التي كلفت بها فهي الهزيمة بكل معني الكلمة. مثلما حدث للغزو الصهيو أنكلو فرنسي لمصر في 1956. وكانت مقدمات الهزيمة سابقة لبدء العمليات العسكرية ضد بورسعيد، فالصدمة أصابت المسؤولين البريطانيين والفرنسيين وأربكتهم.. بجانب الجنون الذي حل برئيس الوزراء البريطاني سير أنتوني إيدن، في أعقاب سماعه نبأ تأميم قناة السويس، من جراء الصدمة العصبية التي أفقدته صوابه، حتي وصل الأمر بزوجته أن تقول وهي تراه يذرع قاعة الاستقبال في بيته طولا وعرضا: ظننت وقتها أن قناة السويس تجري في قاعة الاستقبال في بيتنا، واستمر إيدن نزيل مصحة نفسية يعاني من صدمة الهزيمة حتي مات!!.9