أنقرة – الأناضول: يفتح انتهاء أجل اتفاقية عبور الغاز الروسي إلى أوروبا عبر أوكرانيا، مطلع العام الجاري، المجال أمام تركيا لتعزيز مكانتها كجسر لعبور الغاز الروسي نحو القارة العجوز، عبر خط «السَيل التركي (تورك ستريم)»، بحسب خبراء في صناعة الطاقة.
وقبل اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، كانت روسيا المُوَرِّد الأكبر للغاز الطبيعي للاتحاد الأوروبي بنسبة 45 في المئة من مجمل الاستهلاك الأوروبي بفضل شبكة خطوط أنابيب تكلفت إقاماتها مليارات الدولارات.
وكانت حصة روسيا في محفظة الغاز الأوروبية قد بلغت في ذروتها 201.7 مليار متر مكعب في عام 2018، لكنها انخفضت بشكل كبير إلى نحو 35 مليار متر مكعب في عام 2023 بسبب العقوبات الغربية على روسيا المرتبطة بالحرب في أوكرانيا.
ومن هذه الكمية، تم نقل 15 مليار متر مكعب عبر خطوط الأنابيب التي تمر بأوكرانيا في 2023 وارتفع قليلا إلى قرابة 16 ملياراً في 2024، بينما تم تسليم البقية على شكل غاز طبيعي مسال منقول في السفن.
ونتيجة للعقوبات المفروضة بسبب الحرب، فقدت روسيا العديد من عملائها لصالح مُوَرِّدي الغاز الطبيعي المسال مثل الولايات المتحدة وقطر، وكذلك لصالح النرويج التي عززت قدرتها الإنتاجية.
ومع إغلاق خطوط الأنابيب الرئيسية التي تنقل الغاز الروسي إلى أوروبا مثل «نورد ستريم1»، و»نورد ستريم 2»، وخط «يامال-أوروبا»، يبرز خط أنابيب «تورك ستريم» الذي يمر عبر تركيا كمسار النقل الوحيد للغاز الروسي إلى أوروبا في حال توقفت الإمدادات عبر أوكرانيا بشكل تام.
وجرى إطلاق مشروع «تورك ستريم» في يناير/كانون الثاني 2020 بموجب اتفاق بين تركيا وروسيا. ويتألف المشروع من خطين، تبلغ طاقة كل منهما 15.75 مليار متر مكعب سنوياً. وحتى الآن، تمكن المشروع من نقل أكثر من 40 مليار متر مكعب من الغاز إلى تركيا، ومرور 53 مليار متر مكعب إلى أوروبا.
ووفقا لمسؤولين روس، فإن استخدام «تورك ستريم» يمكّن روسيا من نقل ما يصل إلى 63 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي إلى أوروبا عبر تركيا.
وفي حديث للأناضول قال تاماس بلتسر، محلل النفط والغاز في شركة «إرسته إنفستمنت»، إن قرار أوكرانيا الأخير يدفع روسيا بشكل غير مباشر إلى نقل كميات أكبر عبر خطي «السيل الأزرق» و»تورك ستريم».
وأوضح أن قرب تركيا من العديد من الدول المصدّرة للطاقة، ووجود خطوط أنابيب تربطها بهذه الدول يمنحها موقعاً إستراتيجياً فريداً.
وتابع «هناك العديد من الفرص المتاحة إذا تم حل المشكلات المتعلقة بالسياسة والأمن، خاصة في ظل المشروعات المحتملة مثل الغاز القادم من أذربيجان وتركمانستان وحتى مشروع إنشاء خط أنابيب للغاز الطبيعي بين قطر وتركيا».
بدوره أوضح أكيرا ياناغيساوا، كبير الاقتصاديين في معهد اقتصاديات الطاقة الياباني، أنه بسبب وقف مرور الغاز الروسي عبر أوكرانيا ستضطر أوروبا الآن إلى سد الفجوة في الغاز إما عبر استيراد الغاز الطبيعي المسال من الخارج أو زيادة تدفق الغاز عبر خطوط الأنابيب من روسيا عبر تركيا. وأشار ياناغيساوا إلى أن الخيارات المتاحة أمام أوروبا لتلقي الغاز الروسي أصبحت محدودة للغاية خارج خط «تورك ستريم».
أما زوزانا برينكوفا، الباحثة في «معهد أكسفورد لدراسات الطاقة»، فترى أنه «إذا كان هناك سعة فائضة في خطوط الأنابيب التي تمر عبر تركيا، فإن أنقرة قادرة على زيادة نقل الغاز الروسي أو الأذربيجاني إلى أوروبا…في رأيي، الأمر يعتمد إلى حد كبير على توفر السعة».
يذكر أن تركيا عملت خلال العقدين الماضيين على إنشاء مراكز تخزين وإعادة تغويز الغاز الطبيعي المسال (إعادته من الحالة السائلة إلى الغازية) ليصار إلى تصدير بعضه عبر خطوط الأنابيب إلى جنوب أوروبا.
في هذا السياق أبرمت شركة خطوط الأنابيب ونقل البترول التركية «بوطاش» العام الماضي اتفاقيات توريد غاز طبيعي مسال مع أربع شركات في خطوة لتعزيز خططها الإستراتيجية في هذا القطاع. وبموجب هذه الاتفاقيات، يُتَوقَع أن توفر تركيا ما يصل إلى 100 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي خلال مدة الاتفاقيات.
وإلى جانب الغاز الطبيعي المسال، تعتمد تركيا على خطوط الأنابيب لتأمين احتياجاتها من الغاز من روسيا وأذربيجان وإيران.
وتمتلك أنقرة القدرة على استيراد 31.5 مليار متر مكعب سنوياً عبر خط أنابيب «تورك ستريم»، و16 مليار متر مكعب عبر خط «السيل الأزرق (بلو ستريم)»
أما من أذربيجان، فيبلغ حجم الإمدادات عبر خط أنابيب الغاز الطبيعي العابر للأناضول «تاناب» نحو 16 مليار متر مكعب سنوياً.
وبالنسبة للغاز الإيراني، فإن طاقة خط أنابيب الغاز بين إيران وتركيا تبلغ 10 مليارات متر مكعب سنوياً.