أيمن خالد أعتقد أن النتائج السياسية للثورة في مصر لن تكون بحجم الحلول السياسية الموجودة، بمعنى أنها ستتجاوز منطق التفكير بالإصلاحات، نحو مفاعيل ثورية، قابلة لصناعة وتثبيت منطق الرقابة والردع على الدولة في آن معا، بغض النظر عن أي قوة وأي شخصية قادمة لحكم مصر، فنحن في ميدان التحرير، نشهد نهاية عصر الرجل الأوحد، الذي يحتكر السلطة، والفكرة، والمعرفة، والمعلومة، ليصبح الإنسان العادي والسياسي، يمتلكان نفس القدر من المعلومة، وهذا يعني أن دور القائد السياسي خرج من دور التفرد القروسطي العجيب، إلى دور الإداري الذي يدير الشؤون المتفق عليها، ضمن عقد اجتماعي هو الدستور الجديد.
كثيرون يستعجلون الثورة المصرية، على طريقة تونس، أو على طريقة الحسم الذي قامت به حركة حماس في غزة، وهذه صورة لا تنطبق على مصر، لأن مفاعيل الثورات السريعة لها خصوصية معينة، فنحن في مصر بحاجة إلى اشهر من الوقوف في الطرقات، والتظاهر والاحتجاجات بثورات ناعمة وهادئة، ولو دفعنا دماً كل يوم، لان الثورة السريعة في بلد كبير سوف تتيح بقاء جذور النظام الذي تستعر جذوته بأشكال ومواقع متعددة، على نار الفساد التي امتدت طويلاً، غير أن طول عمر الثورة، سيلقي بظلال اليأس على المرجفين، وسيبتلعون الرعب، الذي يصبح خط الدفاع الأول للثورة، فالجرأة على نمط النظام السابق، لا ينهي عهد العبودية فحسب، لكنه يعيد لنا موقعاً افتقدناه منذ قرون طويلة، ويعيد تصحيح أخطاء ألف سنة، غرقنا فيها وراء السلالات الحاكمة، التي أنتجت رجالاً شرفاء وأنتجت كثيراً من الفاسدين.
كما أن هذا النظام خلال هذه الفترة من المخاض، سيستمر بالمزيد من أخطائه التي لا يستطيع احد أن يغفرها له، وهذا يُحدث قطيعة أبدية ليس معه فحسب، ولكن مع كامل القوى التي يستند اليها، فالجرأة على النظام هي جرأة على واقع تاريخي استمر مئات السنين، والحاكم القادم، لن يكون أمام جيش من المتفرجين، ولكنه أمام جمهور، يعيش بشكل يومي حركة الناس، من السياسة إلى رغيف الخبز اليومي، وما سبق وأشرنا له، منطق الرقابة والردع، فالشفافية، والوضوح، ستسقط حساب السنوات الطويلة من عمر الغرف المغلقة، عندما كان الملك وأعوانه يجلسون ويفكرون فحسب، فالقادم هو منطق الخروج الجماعي من حياة القطيع.
لا نريد من القوى الإسلامية أن تورط نفسها بطرح برامج لا تناسب المرحلة، وعليها التقاط اللحظة التاريخية والتعامل وفقها، فالنبي صلى الله عليه وسلم، عندما بدأ بالدعوة الإسلامية، أرسل أصحابه إلى أرض الحبشة، وقال (إن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم أحد عنده) ثم أرسلهم بعد ذلك إلى المدينة المنورة، وبالنظر إلى هذه الهجرة نلمس أهم قاعدة أسست لقيام الدولة، وهي قاعدة العدل، التي كانت في الحبشة، وقاعدة الحرية، التي اتسمت بها المدينة، ثم جاءت بيعة العقبة التي وضعت أول لبنة في العقد الاجتماعي الذي بنيت عليه الدولة في ما بعد، وباختصار، إن أساس الدولة هو منطق العدل والحرية، وفي حين كان يهمنا خلال مئات السنين الماضية منطق الحفاظ على الدولة، لم نكن نراعي القيمة الأساس للدولة، وهي العدل والحرية، وهو ما جعل الوهــن يترك هذه الأمة سبية بين الأمم.
وبينما التقطت الثورة الفرنسية فكرة العدل والحرية وصنعت معجزة التحرر، نحن لا نزال بعد أكثر من 1400عام على ولادة هذه الفكرة، التي نبعت في بلادنا، لا نزال نفكر ونرى، أن الزعيم أولاً، وبعده تبدأ قيمة البشر، ونصنع فضائيات، وننشد للزعماء، ونبني جيشاً من الذين يجيدون الكذب لإقناع الناس البسطاء، أن الحياة بدون – الزعيم ـ هي المستحيل بعينه.
ثورة مصر، هي الأكثر قدرة على إرساء نظام ليبرالي، لم يكن بالإمكان تحقيقه عبر أي بنية حزبية، وهو نظام ستبنيه المعلومة والمعرفة التي يشترك فيها السياسي والمواطن، ولم يعد القائد معجزة زمانه، ولم يعد يستطيع ممارسة أمرين، القمع والتضليل، فعندما يتساوى القائد والمواطن في فهم المعلومة، سوف ينشأ عقد اجتماعي فريد من نوعه. هو اتفاق على الحكم وفق أسلوب يفوق حتى العدالة الاجتماعية في الدول المتقدمة، فنحن على طريق ثورة عالمية أهم من الثورة الفرنسية، لا يستطيع أي متآمر أن يغير مسارها، فنحن تحرسنا المعلومة، والمكاشفة وبقية تفاصيل عصر العولمة.
هذه العدوى، سوف تدخل مختلف الدول العربية، وسوف يجد الزعماء الذين يقفون في وجه حرية الكلمة والإعلام والتعبير، أنهم يضعون أصابعهم في آذانهم، ولن يفيدهم الصمم عند دوي العاصفة.
أكثر ما يضحكنا طابور الإعلاميين الذين يكذبون على شاشات الفضائيات العربية ويطبلون لاستمرار العصر المستحيل.. إنهم يتحدثون مع أناس من كوكب آخر.
كاتب فلسطيني