صحف عبريةفي ختام لقاء ‘الهيئة القيادية المؤقتة’ في القاهرة، بمشاركة محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، رمضان شلح، رئيس الجهاد الاسلامي، وزعيم حماس، خالد مشعل، قال الاخير ان على الحركتين الفلسطينيتين (فتح وحماس) ان تفتحا صفحة جديدة وتعترفا باخطاء الماضي. اضافة الى ذلك صرح بان حماس تعتزم تبني استراتيجية المقاومة الشعبية كما وجدت تعبيرها في السنة الاخيرة في الدول العربية المختلفة. هذه الاقوال أثارت الامل في أنه ها هو وصل التغيير المنشود، وحماس تسعى الى تغيير طريقها التاريخي والكف عن استخدام العنف، استراتيجية الكفاح المسلح بلغته، وادارة كفاحها بطرق غير عنيفة. هذا التصريح يضاف الى تصريحات سابقة لمشعل أعرب فيها عن تأييد منظمته لفكرة اقامة الدولة الفلسطينية على اراضي الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها شرقي القدس وتتعارض، ظاهرا، مع الرفض المطلق لحق دولة اسرائيل في الوجود الى جانب الدولة الفلسطينية. ومع ذلك، ففي مقابلات اخرى كرر مشعل واطلق أيضا اقوالا متضاربة، تشبه تلك التي عبر عنها مؤخرا اسماعيل هنية، رئيس حكومة حماس، بشأن حق الشعب الفلسطيني في مواصلة القتال ضد الاحتلال بالكفاح المسلح كون ‘المقاومة المسلحة هي الخيار الاستراتيجي لتحرير الارض الفلسطينية من البحر وحتى النهر’. بسبب المعنى الدراماتيكي الذي سيعزى لهذا التغيير الاساسي في الفهم السياسي واستراتيجية الكفاح لدى حماس، الحركة التي تماثلت مع استخدام العنف المتطرف ضد مواطني اسرائيل كجزء من مذهبها الفكري، يجدر بنا أن نفحص بعناية جملة تصريحات خالد مشعل. هذا الفحص سيسمح لنا بفهم السياق الذي جاءت فيه التصريحات، بفهم جملة الاصوات التي تنطلق في الحركة في مسألة الكفاح المسلح، وتقدير قدرة اللاعبين المختلفين على التأثير في سلوك الحركة في المستقبل. جاءت تصريحات حماس في القاهرة في ختام مرحلة متقدمة اخرى من محادثات المصالحة الجارية بوساطة مصر بين زعيمي الحركتين الفلسطينيتين المركزيتين. عمليا، تكرر تصريحاته الاتفاق الذي توصل اليه مع عباس في جولة محادثات المصالحة السابقة التي انعقدت في تشرين الثاني 2011. ومنذ ذلك الحين، فان التنازل الاساس الذي قدمه مشعل، من اجل السماح باستمرار عملية المصالحة كان قبول البرنامج السياسي الاساس لـ م.
ت.
ف والذي عناصره الاساسية هي وقف نار شامل مع اسرائيل، تبني المقاومة الشعبية بالطرق السلمية كوسيلة المقاومة الرئيسة للاحتلال والمستوطنات، المفاوضات على اقامة دولة فلسطينية على حدود 67 وعاصمتها القدس، الى جانب شروط محمود عباس لاستئناف المفاوضات، أي اعتراف اسرائيل بحدود 67 وتجميد المستوطنات. هذه الموافقة تأتي لمساعدة عباس في مساعيه لتحقيق شرعية دولية واسعة لحكومة وحدة فلسطينية مستقبلية، بحيث تضعف قدرة اسرائيل على التنكر لشرعية مثل هذه الحكومة اذا ما ضمت في داخلها ممثلين عن منظمات ترفض حق اسرائيل في الوجود. الجديد في التصريح الحالي ليس اذن من حيث المضمون بل من حيث استعداد مشعل لاطلاقه على الملأ، والوقوف خلف اتفاقاته مع عباس رغم أنه على علم بردود الفعل المحتملة من المعارضين له في داخل منظمته. مشعل من ناحيته شرح الاختيار لاستراتيجية الكفاح الشعبي في أن هذا الطريق أثبت نجاعته امام العالم في احداث الربيع العربي عندما شق الاحتجاج الشعبي الجماهيري الطريق نحو تحقيق الاهداف السياسية.
تصريحات ميتشيل جاءت برعاية النظام المصري الحالي في القاهرة وبعد الانتخابات للبرلمان التي برزت فيها قوة الاخوان المسلمين، مما يمنح حماس احساسا بالثقة بتأييد مصر المستقبلي لخطواتها. مصر، عراب اتفاق المصالحة، القت بكامل ثقلها في التأثير على الطرفين من أجل بلورة اتفاق المصالحة لحل المسائل موضع الخلاف بين الطرفين وعلى رأسها اجراء انتخابات للبرلمان والرئاسة في منتصف العام 2012. تعزيز م.
ت.
ف بصفتها المؤسسة الفلسطينية التمثيلية، والتي تضم في داخلها كل الفصائل. ويأمل المصريون في أن تسمح هذه الخطوات باستئناف المفاوضات السياسية بين الفلسطينيين واسرائيل تمهيدا لاقامة دولة فلسطينية مستقلة. الى جانب ذلك، فان تمسك مشعل بالحق الشرعي للشعب الفلسطيني في مواصلة الكفاح المسلح ضد الاحتلال ترك ثغرة واسعة بما فيه الكفاية لتبرير أعمال ارهابية في المستقبل، عندما يكون الامر لازما حسب فهمه. أقواله هذه جاءت بالطبع ايضا لتهدئة روع خصومه من الداخل، ولا سيما من أوساط قيادة حماس الداخل، التي تشكل معارضة لعملية المصالحة مع فتح. قيادات الحركة في الضفة الغربية، ولا سيما تلك في غزة ترى نفسها الجهة المركزية في عملية اتخاذ القرارات في الحركة ولا سيما منذ الانتخابات في 2006 ومنذ أن أخذت حماس بالقوة الحكم في غزة من السلطة في 2007 (رغم أنه في اوساط قيادة الداخل لا يوجد توافق في الاراء وتوجد خلافات بين كبار رجالات القيادة العسكرية ومسؤولي الذراع السياسي حول سلوك الحركة). كما تخشى حماس من أن تمس عملية المصالحة بمصالحها بصفتها الحكم السائد في قطاع غزة. وقبل بضعة اشهر تعرض مشعل لانتقاد حاد من جانب أحد البارزين في قيادة الحركة في غزة، محمود الزهار، الذي هاجمه على ما اعتبر في نظره كاتخاذ قرار من طرف واحد في موضوع المصالحة دون إقرار مجلس الشورى للحركة في غزة. كما أنه لا يزال من الضروري أن نرى ماذا سيكون عليه تأثير السياسة التي اعلن عنها مشعل على سلوك القيادة العسكرية في غزة برئاسة احمد الجعبري، والتي تدير بقدر معين سياسة مستقلة بالنسبة لنشاط الحركة العسكري. الذراع العسكري وإن كان يحافظ على وقف النار ممتنعا عن المبادرة الى اطلاق النار على اسرائيل، الا ردا على اعمال اسرائيلية ولكنه يواصل التخطيط لاختطاف اسرائيليين في أعقاب صفقة شليط، يستغل الفوضى في سيناء وبالاساس غير مصمم على نحو كاف في منع نشاطات المنظمات الاخرى ضد اسرائيل.
التناقض القائم بين تصريحات الشخصيات البارزة في حماس يدل اكثر من أي شيء آخر على التردد المتواصل في الحركة التي انتقلت قبل نحو خمس سنوات من مكانة حركة مقاومة خارج سلطوية الى جهة قوة هامة ومركزية في المؤسسة السياسية الفلسطينية بل والى مكانة المسيطر على جزء من الشعب الفلسطيني. تطلع حركة حماس الى قيادة الشعب الفلسطيني في ظل الحصول على شرعية وطنية ودولية لهذه المكانة من خلال الانتصار في الانتخابات الديمقراطية التالية، هو على ما يبدو ما يقبع في اساس اعلان مشعل. يحتمل ان يكون حتى تبنى التفكير السائد في أوساط الفلسطينيين، في أن بوسع المقاومة الشعبية الواسعة ليس فقط أن تحرج اسرائيل وتثبت عملية نزع الشرعية عنها في أوساط الدول والمؤسسات المختلفة في العالم، بل وأيضا ان تفرض على اسرائيل الاسراع في دخولها الى مسيرة سياسية متواصلة تدفع الى الامام اقامة دولة فلسطينية في اراضي 67. يثير هذا السلوك في اسرائيل جدالا بين اولئك الذين يرون في اقوال مشعل مدخلا لتغيير اساس في مواقف حماس باتجاه الانضمام الى المسيرة السياسية مع اسرائيل، والتي ستؤدي الى الاعتراف باسرائيل، وبين اولئك الذين يرون في هذه الخطوات خطوات تكتيكية فقط تخدم وضعا سياسيا مؤقتا وليس فيها أي تغيير للمواقف الاساس الذي على أي حال لا يمكن ان يحصل في حماس. يبدو أنه لا يوجد سبيل لحسم هذا الجدال لان التغيير العميق من هذا النوع لا يحصل بين ليلة وضحاها وهو نتيجة مسيرة تتضمن قرارات تكتيكية عديدة. معقول ان يكون رجال حماس أنفسهم الذين يقودون المسيرة لا يعرفون الى أين يتجهون. الطريق الذي ستتطور فيه المسيرة منوط بقدر كبير ايضا بقرارات وأفعال اللاعبين الاخرين، بمن فيهم اسرائيل التي تلعب دورا مركزيا. لاسرائيل مصلحة في محاولة التأثير على هذه المسيرة. اذا ما تم تبني مثل هذا الفهم، فان تصريحات مشعل يمكن أن تشعل رافعة لتطوير حوار بين حماس واسرائيل، لن يكون بالضرورة مباشرا، ويحتمل ان في هذه المرحلة مرغوب فيه الا يكون. مثل هذا الحوار يمكن أن يبدأ من خلال افعال (استجابة اخرى مثلا لاحتياجات السكان في غزة) وتصريحات الزعماء.
نظرة عليا 5/1/2012