اللغةُ العربيةُ وتكنولوجيا المعلوماتِ والاتصالِ:
الدكتور علي القاسمي
نظم مجمع اللغة العربية بدمشق مؤتمره الخامس مؤخرا حول موضوع اللغة العربية في عصر المعلوماتية. وشارك في المؤتمر رؤساء المجامع اللغوية والعلمية العربية وكبار الحاسوبيين والمعلوماتيين واللسانيين وعدد من مديري شركات الهندسة اللغوية.
وعلي مدي ثلاثة أيام تدارس المشاركون في المؤتمر حوالي ثلاثين بحثا تناولت قضايا هامة تثير جدلا واسعا وتدور حول قدرة اللغة العربية علي مواكبة العلوم والتقنيات الحديثة، والصعوبات التي تواجهها علي مستوي التنظير والتعليم وتوظيف التقنيات والادارة والتوثيق، ومعالجة اللغة العربية آليا علي مستوي الحرف والكلمة والجملة، صوتيا وصرفيا ودلاليا، ومشكلات الترجمة الآلية، خاصة الترجمة الاحصائية، والفجوة الرقمية وأسبابها ومظاهرها، والمحتوي العربي علي الشابكة (والشابكة مصطلح وضعه المجمع ويسعي الي تسويقه بدلا من الانترنت). الفجوة الرقمية:
ظهر مصطلح الفجوة الرقمية قبل أكثر من عشر سنوات، ويدل علي الهوة الواسعة الفاصلة بين الدول المتقدِمة التي تمتلك تكنولوجيا المعلومات والاتصال لتوليد المعرفة واستغلالها ونشرها وبين الدول النامية (أي المتخلفة) التي لا تمتلكها. وتُصنف الدول العربية في خانة الدول النامية بامتياز. ومنذ ظهور هذا المصطلح والمؤسسات العربية المختلفة تعقد المؤتمرات والندوات والاجتماعات لمناقشة جوانبه المتعددة واصدار التوصيات تلو التوصيات، أملا منها في تقليص الفجوة الرقمية والقبض علي عوامل التنمية البشرية التي تطمح اليها. وفي حقيقة الأمر، لا يتوقف تحقيق التنمية البشرية علي المؤتمرات والندوات والاجتماعات فقط، وانما يتطلب، في الأساس، سياسات ترسيها الدولة وتلتزم بها وفي مقدمتها اشاعة ثقافة الديمقراطية واحترام حقوق الانسان، وتبني استراتيجيات للنهوض بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات واستخدامها في التنمية، وتوفير البنية التحتية لها (مثل توفير الحواسيب والهواتف واستخدام الشابكة)، وبناء القدرات التقنية لدي المواطنين عن طريق التعليم والتدريب الجيدين، وايجاد اطار تشريعي وقانوني للتمكين من نقل التكنولوجيا الحديثة واستخدامها، والعمل علي تطبيقها في القطاعين العام والخاص وفي التعليم والصحة والبيئة والزراعة والصناعة والخدمات. اللغة والتنمية وتكنولوجيا المعلومات:
ويتساءل المرء: وما علاقة اللغة بالتنمية وبتكنولوجيا المعلومات والاتصال؟ ولماذا تسارع المجامع اللغوية العربية الي عقد المؤتمرات حول الموضوع؟
يكمن الجواب في النظريات الاقتصادية الحديثة التي تؤكد أن التنمية البشرية لم تعُد تتوقف علي وجود مجتمع زراعي أو مجتمع صناعي، وانما علي ايجاد مجتمع المعرفة الذي يمتلك المعلومات العلمية والتقنية ويوظفها في الانتاج والخدمات والادارة، فيمتاز بالتنويع الاقتصادي، وتتكاثر فيه فرص العمل، ويرتفع عنده دخل الفرد. وتضطلع اللغة بوظيفة محورية في ايجاد مجتمع المعرفة، وذلك لأسباب ثلاثة: أولها أن تبادل المعلومات ونقل المعرفة بين أفراد المجتمع يتم بواسطة اللغة، تماما كما أن تبادل السلع والخدمات بين الأفراد يتم بواسطة العملة النقدية. وكلما كانت العملة موحدة جيدة ذات رصيد هام، أدت دورها بفاعلية ويسرت عملية التبادل. وثانيا، أن التعليم والتدريب اللذين يزودان الافراد بالمعرفة العلمية والتقنية من أجل أن يحولوها الي أفعال ومنتجات وخدمات، يحتاجان الي وسيلة تلقين. وتلك الوسيلة هي اللغة. وثالثا، أن العمل المشترك في مؤسسات الانتاج كالمزرعة والمصنع والمكتب يحتاج الي وسيلة تفاهم مشتركة، تلك هي اللغة. وأخيرا، فان جميع الأبحاث الرصينة تؤكد أن أساس التنمية قائم علي تعميم الثقافة العلمية والتقنية بين شرائح المجتمع كافة وعدم حصرها في فئة قليلة، وهذا لا يتم الا باللغة الوطنية. أما اذا استُخدِمت لغة أجنبية، فان المعرفة تبقي مقتصرة علي نخبة صغيرة. (وننبه هنا الي أن ذلك لا يعني البتة عدم تعليم اللغات الأجنبية، بل ان اكتسابها ضرورة، بيد أن التعليم والبحث العلمي ينبغي أن يتما باللغة الوطنية لنشر المعرفة العلمية علي أوسع نطاق). معالجة اللغة العربية حاسوبيا:
الانطباع السائد هو أن معالجة اللغة العربية آليا في وضعية متردية، بسبب اصرار الحكومات العربية علي استعمال لغات الاستعمار القديم كالانكليزية والفرنسية والايطالية في التعليم الجامعي والبحث العلمي (ومؤخرا سمحت بعض هذه الحكومات للمدارس الابتدائية الأهلية والخاصة بتعليم جميع المواد المدرسية بالانكليزية). ولكن المفاجأة التي حملتها بحوث مؤتمر المجمع هي أن معالجة النصوص العربية المكتوبة والمنطوقة بلغت مرحلة متقدمة. فالعربية تمتلك مدونات حاسوبية عديدة تبلغ ذخيرتها مئات الملايين من الألفاظ، وتتوفر علي مُحلِلات ومركِبات حاسوبية، صوتية وصرفية ودلالية، تستطيع استيعاب اللغة العربية، وتحليلها، واعادة انتاجها مكتوبة أو منطوقة (لفائدة المكفوفين والمعاقين سمعيا، مثلا)، وأن الترجمة الآلية من العربية واليها، تضاهي الترجمة الآلية للغات الأخري. والمفاجأة الثانية التي تكشفت في المؤتمر، هي أن معظم بحوث معالجة العربية حاسوبيا لم تتم بتخطيط ودعم من المؤسسات أو الحكومات العربية، بل من طرف الشركات والحكومات الأجنبية. وهذا يتناقض مع توجهات بعض الدول الكبري في تفتيت الأقطار العربية وتقسيمها والقضاء علي العربية الفصيحة، بوصفها عاملا موحدا، واحلال اللهجات العامية مكانها. والدوافع لذلك هي تجارية وأمنية. فشركات انتاج الحواسيب والبرامج ومحركات البحث الأمريكية، مثل ميكروسوفت وغوغل وغيرهما، قامت بأبحاث هامة لانتاج نظم وبرامج تشغيل ومحركاتِ بحث باللغة العربية، والغرض تجاري بحت، أي تسويق منتجاتها في البلاد العربية. كما أن الادارة الأمريكية خصصت أموالا طائلة لتطوير الترجمة الآلية من العربية الي الانكليزية لتسريع وتيرة فهم محتويات الوثائق العربية، لأسباب أمنية واستخباراتية. وهذا يذكرنا باذاعات الأقطار العربية وفضائياتها التي تبث معظم برامجها باللهجات العامية، علي حين تلتزم الاذاعات العربية في اوروبا وأمريكا ببث جميع برامجها باللغة العربية الفصيحة، لأسباب تداولية عملية. ومع ذلك، ينبغي أن لا ننسي جهود بعض الشركات العربية في تطوير معالجة العربية حاسوبيا، مثل شركة صخر لصاحبها محمد الشارخ في الكويت والقاهرة، وشركة عدنان عيدان وبرنامج المسبار للترجمة الآلية في لندن، ومؤسسة الهندسة اللغوية في القاهرة لصاحبها العالِم نبيل علي الذي ألقي المحاضرة الافتتاحية في المؤتمر. توصيات المؤتمر: وجه المؤتمر دعوة الي جميع الحكومات والمنظمات المدنية العربية والمختصين العرب، الي تأكيد الاعتزاز باللغة العربية والعمل علي تطويرها واستعمالها في التعليم والادارة والبحث العلمي، كي تكون ركيزة أساسية من ركائز مجتمع المعرفة ووسيلة فاعلة لتبادل المعلومات والمعارف والتنمية البشرية. ودعا الحكومات العربية الي وضع سياسة واضحة لانتاج المحتوي المعرفي رقميا ووضعه علي الشابكة التي ينبغي أن تضم كذلك الذخيرة العربية (جميع النصوص العربية) ومعجم تاريخي، لتكون الشابكة مصدرا للمعلومات وأداة للبحث بالعربية. كما دعا الجامعات العربية ومراكز البحوث الي ايلاء هندسة اللغة واللسانيات الحاسوبية كامل عنايتها تدريبا وبحثا وتطبيقا. وطلب من المؤسسات العربية العاملة في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات استكمال البحوث الرامية الي استعمال العربية في الشابكة علي جميع المستويات، مثل استعمال العناوين وأسماء النطاقات العربية. وأكد أهمية الترجمة الرقمية المستندة الي التقنيات الاحصائية في اغناء المحتوي العربي علي الشابكة واستفادة المجتمعات العربية من الثروة المعرفية المتوفرة علي الشابكة. كاتب من العراق وعضو مجمع اللغة العربية