د. حسن عبد ربه المصري الحكم القضائي الذي صدر ضد الرئيس المصري السابق ونجليه ووزير داخليته وكبار مساعدي الوزير، لم يُرض الا قلة قليلة على المستويين النخبوي والشعبي ولم يُرض كل إئتلافات الثورة ولم تقبله أسر الشهداء والمصابين واختلف حوله القانونيون والحقوقيون، العاملون في حقل القضاء وفي المجال الاكاديمي ولكنهم إتفقوا ضمنيا أن الحكم بهذه الصيغة لم يخدم العدالة ولم يفتح الطريق لتحقيق هدف الثورة الأسمى والأهم والذي تحاول بكل طاقتها رغم العقبات والمعوقات أن تفرضه ونعني بذلك اسقاط النظام لأجل إقامة النظام الحاكم الجديد. حتى سامح عاشور نقيب المحامين رأى فيه (عوار قانوني) أرجعه إلى ‘إهمال النيابة العامة القيام بواجبها في توفير الأدلة والبراهين والوثائق’ وحمل وزارة الداخلية وقياداتها مسؤولية ‘تقديم أدلة تالفة وبراهين مشكوك في صحتها وأوراق لم توفر لهيئة المحكمة الأدلة الكافية لتأكيد صحة التهم’ وهنا تكمن أبعاد وتعقيدات حيثيات صدور الحكم بهذه الكيفية. القاضي لا يحكم بالظن والشكوك والرؤية الشخصية، وإنما يُصدر حكمه الذي يرتضيه ضميره من واقع الأوراق الثبوتية والقرائن والأدلة وشهادة الشهود. يصعب القول أن ما جرى كان تمثيلية ولسنا في مجال التشكيك في ذمة ونزاهة المستشار احمد رفعت وهيئة المحكمة خاصة وأن الرجل الذي تكلل تاريخه بكل ما هو شريف وعفيف، حرص بكل ما أوتي من قوة وخبرة على أن يختم حياته بهذا الحكم حيث سيحال إلى المعاش في نهاية الشهر الحالي. الحكم أصاب الغالبية في مقتل، لأنه أهدر دم الشهيد عندما قضى ببراءة ستة من مساعدي وزير الداخلية الذي صدر ضده حكم بالسجن المؤبد. الحكم على الرئيس السابق بالسجن المؤبد، أثلج قلوب كثيرين ولكنه أثار غضب هذه الأكثرية لما حكم ببطلان دعوى التربح فيما يتعلق بفيلات شرم الشيخ التي يقال أن الرئيس السابق وعائلته أشتروها بمبالغ رمزية لا ترقى لسعر مساحة الأرض التي تطل على البحر المتوسط ‘بسبب سقوط الدعوة بالتقادم’ لمرور اكثر من عشر سنوات على واقعة البيع والشراء، هكذا ينص القانون. لهذه الأسباب المتداخلة تعددت ردود الفعل الرافضة بل والمستنكرة.. أثار الحكم ولا زال يثير الكثير من القلق والجدل.. أثار الحكم موجة هائلة من التذمر التي قادت إلى تجمهر وإعتصام بميدان التحرير بالقاهرة وبميدان إبراهيم باشا بالإسكندرية وبميادين أخرى بعواصم بعض المحافظات.. أثار الحكم لغطا لن يهدأ إلى ما بعد جولة الإنتخابات الرئاسية القادمة، وأصبح التعليق عليه من جانب المرشحين المتنافسين وأنصارهما والفريق الدعائي لكل منهما مادة إعلامية ذات وزن.. أثار الحكم موجة عارمة من الإنتقادات على مستوى مجلس الشعب الذي غير من جدول أعماله ليوم الأحد 3 يونية، مما أتاح الفرصة لنواب الأغلبية وبعض المستقلين وصف الأمر بأنه ‘جريمة’ لأن النيابة العامة لم تكلف نفسها ‘مشقة الوصول إلى الجاني’ .. هذا الجدل وتلك الخيبات لا تمثل إعتراضاً على مبدأ إستقلالية القضاء ولا تمثل تدخلاً في شؤونه ولكنها في المقام الأول تمثل دعما ومساندة للهيئة القضائية لكي تبتعد بنفسها عن مفهوم ‘القضاء السلبي’ الذي استند في حكمه على ما توافر له من ادلة وقرائن لا حيلة له فيها إلى آفاق ‘القضاء الإيجابي’ الذي من حقه ان لا يأمر باسترداد كافة ما ينقص القضية من أدلة وان يأمر في نفس الوقت بمحاكمة كل من أخفى او ساعد على إخفاء أو زور ‘أدلة’ كان من شأنها أن لا تورط الهيئة القضائية برئاسة المستشار أحمد رفعت في حكم قاصر ‘هز من هيبة القضاء’ الذي هو الركيزة الأولى للحكم الديموقراطي والمحك الأساسي الذي تترسخ عليه قيم الحرية والعدالة.
نقول ذلك ونطالب به، مع يقيننا التام ان الحكم ليس مبرما، وان الطرفين النيابة العامة ومحاميي المتهمين يستعدان للتقدم بطعون ‘ضد الحكم’ امام محكمة النقض الا اننا لا حظنا انه برغم هذه المعرفة، زادت ضبابية الموقف.. قال المتحدث باسم حزب النور صاحب الأغلبية الثانية بمجلس الشعب ‘كان يجب تنفيذ حكم الحرابة الذي لا زال مشروعا على الورق – ضد الرئيس السابق ومعاونيه بقتلهم أو صلبهم أو قطع أرجلهم وأيديهم من خلاف، لأنهم حاربوا الله ورسوله وأفسدوا في الأرض وطغوا فيها’ .. وطالب آخرون بإعادة المحاكمة أمام دائرة أخرى.. وقالت القوى الثورية المعتصمة بميدان التحرير أنها لن تترك مكانها إلا بعد أن تصدر’أحكام رادعة’ ضد من حصلوا على البراءة ‘لأن أيديهم ملوثة بدماء الشهداء’ .. هذا بينما اظهر الكثير من السياسيين مخاوفهم من أن يحصل الرئيس السابق ووزير داخليته على حكم بالبراءة عندما تعيد محكمة النقض النظر في الحكم قبل مرور 60 يوما على صدوره.. واستنكر فريق آخر منهم العشوائية والإنتقائية في مناقشة القضايا العامة، رافعين شعار انه ‘طالما ارتضينا الإحتكام إلى القانون، فعلينا أن نرضى بحكمه’ .. واكد فريق ثالث أن القاضي لم يُخطىء لأنه حكم في ضوء ما توافر له من أدلة وقرائن، لذلك يجب ‘تحديد المسؤولين عن أخفاء أدلة الإدانة وكذا الذي تعمد تقديم وثائق منقوصة’ .. الذي لا خلاف عليه حتى الآن، أن الحكم عند كل هؤلاء الفرقاء أرسى أمرين على جانب عظيم من الأهمية.. الأول.. أنه يمثل نهاية منطقية لمحاكمة اول رئيس عربي في التاريخ الحديث على يد مواطنيه الثاني.. انه حوكم أمام قاض طبيعي من هنا نقول أن باقي ما نجم عن هذا الحكم من نتائج مقدور عليها، بمعنى أنها قابلة للمراجعة القانونية والإجرائية إذا تحالفت قوى الحق معا لإماطة اللثام عن:1 المتسبب في قصور الأدلة المادية التي قدمت للمحكمة، وكذا الشهود الذين تراجعوا في أهم ما ورد بشهاداتهم التي ادلوا بها للنيابة العامة. 2 الجهة أو الأشخاص الذين أتلفوا التقارير والمستندات والشرائط المسجلة التي كانت تحوي كل الأسرار والمكاتبات، وكذا الدفاتر الرسمية التي تسجل بها حركة الأوامر التي أصدرها كبار مساعدي وزير الداخلية خلال الفترة من 25 يناير الى 11 فبراير 2011 .. 3 مسؤولو قطاع الأخبار بتلفزيون الدولة الرسمي الذين قدموا شرائط تسجيلات لأحداث تلك الأيام، لم تتمكن هيئة المحكمة من إستخلاص ما يكفي منها من أدلة إدانة. 4 مسؤولو جهاز المخابرات الداخلية الذين لم يدعموا المحكمة بكل أو بمعظم ما لديهم من معلومات، إما بحجة أنها فائقة السرية أو محظورة وإما لأنهم أحتموا بفقرات القانون التي تمنعهم من الإدلاء بشهاداتهم. وأذا كان من حق القاضي أن يقول أنه ‘لم تتوافر لدية الأدلة اليقينية’ على وقوع فعل الإعتداء من جانب أجهزة الشرطة بسبب نقص الأدلة التي قدمتها قيادات الأمن المركزي والأمن العام وأمن القاهرة والجيزة ومباحث امن الدولة والأجهزة الأمنية المعاونة لها، فمن حق المجتمع أن يقول له أن هناك أعين رأت واذان سمعت ولكن أصحابها لم يتقدموا للأدلاء بأقوالهم والإقصاح عن شهاداتهم. ولما كان من الثابت عياناً وبياناً أن هناك شهداء أطلقت عليهم الذخيرة الحية فأردتهم قتلى ومصابون صوبت نحو عيونهم الطلقات المدمرة فأصابتهم بالعمى أو أفقدتهم عضواً من أعضائهم او أصابتهم بتلف ما، فالأمر يقتضي من الشرفاء كلهم أن يتعاونوا في البحث عن الذين أقدموا على هذا الفعل المُجرم ومحاسبتهم في ضوء أدلة يقينية لا يشوبها الشك لا من قريب ولا من بعيد. وبنفس المنطق يجب ان تحاسب النيابة العامة كيف تسنى لها أن تقدم مستندات قضية التربح بالنسبة لنجلي الرئيس السابق، وهي تعلم أنها غير ذات جدوى بحكم ‘إنقضاء مدة المحاسبة عليها قانونيا’. وهنا نتساءل، أليس من المنطقي أن يتم إدراج تهمة التربح هذه ضمن ملف قضايا الفساد والإفساد التي نطالب وآخرون ان يحاكم الرئيس ونجليه وبطانته في ضوء ما نجم من خسائر فادحة لإقتصاد الشعب المصري، من جراء:
بيع شركات ومصانع القطاع العام بأبخس الأسعار، فيما عرف بسياسات الخصصة.
إبرام إتفاق بيع الغاز لإسرائيل بسعر ثابت أقل من سعر السوق العالمية ولمدة عشرين عاما.
العمولات وغسيل الأموال إهدار المال العام المعونة الأمريكية السنوية، وكيف كانت تنفق. لذلك نؤكد.. أن التمسك بإستكمال المحاكمة وليس إعادتها، أمام قـــاض طبيعي يُعد موقفا اساسيا لا يصح التنازل عنه لأي سبب من الأسباب. من هنا نعارض بشدة دعوة بعض أعضاء الشعب للتقدم بمشروع قانون يقضي بتشكيل محاكمة خاصة لإعادة محاكمة الرئيس السابق ونجليه ووزير الداخلية ومعاونيه، لأن رئيسها لن يكون قاضيا طبيعياً مما سيؤثر كثير في هيبة القضاء المصري في الداخل وفي الخارج.. ونؤيد في نفس الوقت الدعاوى التي تطالب بوضع آلية مستحدثة بجهاز العدالة تكون قادرة بإيجابية على التعامل مع الجرائم التي تتصل بالفساد والإفساد السياسي، على أن يسبق ذلك اصدار قانون السلطة القضائية الجديد الذي يوفر للقضاء مزيدا من الإستقلالية.. ‘ إستشاري إعلامي مقيم في بريطانيا