مشكلة الإخوان المسلمين أنهم لم يستوعبوا دروس الماضي التي طالبهم ـ مُؤخراً ـ المجلس العسكري بإسيعابها، ففي رسالة ليست كسابقاتها وجه المجلس حديثه ‘للجماعة’ وليس لـ’حزبها’ حيث قال ‘إننا نطالب الجميع أن يعوا دروس التاريخ، لتجنب تكرار أخطاء ماضٍ لا نريد له أن يعود، والنظر إلى المستقبل بروح من التعاون والتآزر، وأن المصلحة العليا للوطن فوق كل اعتبار’، والمشكلة أن الماضي الذي يحفظه الإخوان هو ـ فقط ـ أنهم كانوا ضحية لأنظمة ديكتاتورية وهذه نصف الحقيقة وليست الحقيقة كاملة، فسياسات الإخوان وخطأ إختياراتهم من الأسباب الرئيسية التي تسببت في أن يدفع الشعب المصري كله هذا الثمن، فخطأ حسابات الإخوان جعلهم يتخلون عن الجماعة الوطنية في مواقف شديدة الخطورة وحدث ذلك لمرات عديدة منذ نشأتها.
ففي عهد الملك فاروق خرج الشعب رافعاً شعارات ‘الشعب مع النحاس’ فرد عليهم الإخوان ‘الله مع الملك!’، وكان إختيارهم الخاطىء ـ بالتخلي عن الرئيس محمد نجيب ـ وإستعجالهم ـ بعد ميل الكفة للرئيس عبد الناصر ـ في إلتهام ثمرة ثورة يوليو قبل أن تنضج سبيلاً إلى التصادم المُبكر مع الضباط الأحرار، وكان ما كان، ‘ودفع الجميع الثمن، ودفعته مصر أيضاً، دفعته من حريتها وكرامتها ودماء أبنائها’ كما قال الرئيس محمد نجيب في مذكراته، وأخيراً وأثناء ثورة يناير ترك الإخوان ـ للأسف ـ الثوار الحقيقيون في الشوارع وجلسوا هم في الغرف المُغلقة ـ كعادتهم ـ أولاً مع نائب رئيس الجمهورية وأمروا تابعيهم بالخروج من التحرير، لولا فضل الله الذي ربط على قلوب بعض شبابهم مع الثوار وشباب الألتراس لتفلت الثورة من المكيدة، وبعد تنحي مبارك عادت الجماعة ‘أو ريمة’ لسابق عهدها في التربيط مع الماسك بالسلطة وهو المجلس العسكري، ولم يكتفوا بذلك بل بدأوا وكأنهم عسكريون أكثر من العسكري وهكذا بدأوا يتبنون نفس مواقفه وتعاملوا جميعاً ـ العسكري والإخوان ـ مع شرفاء هذا الوطن بأسوأ مما كان يعاملهم به نظام مبارك وحزبه الوطني المنحل، فمبارك ورجال نظامه ـ والحق يُقال ـ كانوا يعرفون قيمة ومكانة معارضيهم والذين بقوا معارضين أيضاً للمجلس العسكري وذلك بعد فشله في إدارة المرحلة الإنتقالية، وكان الغريب في هذا الوضع أن تتطابق رؤية الجماعة مع رؤية المجلس العسكري في إلصاق الإتهامات بالثوار وتشويه صورتهم.
وشعر كل المهتمين بالشأن العام أن هناك صفقة بين المجلس العسكري والإخوان رغم نفي كلاهما لذلك، ولكن المؤكد أن هناك تفاهمات بين المجلس والجماعة وهناك إشارات وكل لبيب بالإشاره يفهم، فعندما يقول مرشد الإخوان في تبريره عدم نزول الإخوان لإحدى المظاهرات أن ‘جهات رسمية وشعبية طلبت من الإخوان النزول عكس ما كان متبعًا في كل مليونية حيث كان يُطلب منا ألا ننزل’ (!)، والمعروف أن الإخوان لم ينزلوا مظاهرات عديدة مع القوى الأخرى والسبب ـ كما كشفه المرشد ـ هو ‘الطلبات المُتبعة’ من الجهات الرسمية، إذاً لماذا يغضب البعض من وصف ما يحدث بين الإخوان والجهات الرسمية بالصفقة وهذا وصف مهذب ومخفف لما يحدث؟! لقد كانت الخصومة الغريبة مع د. عبد المنعم أبو الفتوح جراء ترشحه للرئاسة من أول الإشارات التي تثبت صحة عنوان الصفقة وهي ‘ لكم الوزارة ولنا الرئاسة ‘، وكانت الإشارة الأخرى التي تلقتها الجماعة من المجلس العسكري هي أن التعاون مع د. البرادعي خط أحمر بالنسبة للمجلس العسكري، فكان أن تخلت الجماعة عنه بعد أن أيدته في بعض من مواقفه المحترمة دائماً، فما كان منه إلا أن إتخذ ـ مُتسرعاً ـ خطوة الإنسحاب من سباق الرئاسة، بعد أن بنى حساباته على نتيجة إنتخابات مجلس الشعب معتقداً ـ خطئاً ـ أن جماعة الإخوان تملك أوراق نجاح أي مرشح للرئاسة، وأخيراً لم يكن غريباً أن يُصرِح السيد منصور حسن بعد إنسحابه من سباق الإنتخابات الرئاسية أن ‘الإخوان تلاعبوا به’.. وقال ‘أرفض أن أكون (طرطورًا) بدرجة رئيس جمهورية ‘، لذلك على الإخوان أن يغلِّبوا الخيارات التي تمثل صالح الوطن ككل وليس مصلحتهم، فالجميع يرفع شعار ‘صالح الوطن’ ورغم هذا نجد أزمات كثيرة، لذا فالمشكلة أن كل فصيل يرى مصلحة الوطن لا بد وأن تخرج من تحت عباءة مصلحته وهذه هي المشكلة. هشام رفعت صالح الشرقاوي ـ مصر ـ الشرقية