هل تغيرت صورة ‘العربي’ في الغرب؟

حجم الخط
0

عبدالحق ميفراني

سلسلة من ‘الاكليشيهات’ وصور نمطية ظلت ملتصقة بصورة العربي في الغرب. حتى أصبحت الصورة لصيقة بتوصيفات جاهزة، نراها في الفن والأدب وأضحت قرائن حضور العربي بالمتخيل الغربي. من ‘البليد’ الى ‘الهمجي’ الى ‘الإرهابي’ الى ‘المريض بالجنس والمال’ وهلم جرا من أنماط لا تنتهي ل’صورتنا’ التي سوقت ب’مهارة’ في ظل نظام ‘السوق’ الذي يرى في ‘عورتنا’ حقيقة مفردة ووحيدة. وأسهمت الإيديولوجيا الصهيونية وأنماط التفكير الكولونيالي وترسانة إعلامية جهنمية في تقعيد هذه الصورة خدمة لأجندة سياسية محددة. ووازى هذا الحضور ترهل الأنظمة العربية ودفعها في اتجاه تقاطع هذه الصورة بل وتكريسها بشكل أمسى لصيقا حتى وصل الوضع الى مشهد كاريكاتوري يحيل على نكسة مشاريعنا المؤجلة، وفشلها.

واليوم وفي ظل هذا الربيع العربي المتواصل، وأمام سلطة ‘الإعلام’ التي أضحت تؤرخ لمرحلة راهنها اليوم. هل يحق لنا أن نتساءل على صورتنا ‘الوليدة’ من زخم ورحم هذا العنفوان الثوري الشبابي؟ هل أمكننا اليوم أن نعيد ل’صورتنا’ جزءا من ألق الحقيقة الضائع؟ أم أفق الاكتمال؟ هل استطعنا من ديدن هذه الثورة ضد الاستبداد، أن تنبلج صورة أخرى، تقعد لمرحلة جديدة ولولادة جيل جديد من أنماط التفكير في كل ما يمت للإنسان العربي من صلة؟ كلنا يتذكر ثورة تونس وما وازاها من صمت ‘غريب’ للفكر الغربي، وكأن ‘الثورة’ خلقت أن تكون للغــرب؟

؟ ، أو كأنها لا يمكنها الانعتاق من داخل الرحم العربي؟ ظل الصمت يتلاشى مع مرور الوقت كي يستطيع الغرب أن يشكل صورة جديدة للعالم العربي، وعبرها لصورة العربي الجديدة. صورة الإنسان الذي يثور ضد الطغيان والاستبداد، ويؤسس لحلمه في الحياة الكريمة وفي عالم حر، وهذا المرة بدون ‘شعارات كبرى’ وبدون ‘مافيوزيا الأصوليات’ التي ظل يكررها في خطاباته. ومن هنا مبعث هذه الولادة الجديدة. إذ اكتشف الغرب إنسانا ‘حداثيا’ استطاع أن يتواصل من مقر حزبه الجديد: الفايسبوك، وأمكن لهذه الثورة التكنولوجية الحديثة، التي تباهى الغرب باكتشافها، أن تؤسس لقنوات تواصل وانبلاج وعي جديد بالكرامة والثورة ضد الاستبداد. وهو ما يستدعي من المفكرين والمثقفين أينما كانوا أن يعيدوا قراءة هذا الواقع الجديد بدون أحكام مسبقة وبمعزل عن خطابات تجاوزتها اللحظة الراهنة بكل زخمها الثوري، ولعل هذه القراءة مطلوبة من الضفتين إذ من خلالها يستطيع المثقف أن يعيد تشكيل الصورة التي سرقت منا جميعا في زحمة التخلف وترهل أنظمتنا.

لكن، وفق أي إطار نستطيع اليوم أن نؤسس لصورة العربي في المتخيل الغربي؟ هل وفق ‘الكاريزما’ الجاهزة التي تؤسس للدونية، والتخلف؟ أم وفق نسق كوني ينفتح أمام عالم ‘جديد’ يشكل فيه الإنسان إنسانيته وكينونته وفق منظومة جديدة أيضا، من القيــــــم أبعد ما تكون عن الشعارات سواء ‘القوميــة’ أو ‘الدينية’؟ إذ لا ننسى أن الربيع العربي اليوم، أمكنه في ظل نضاله المستميت لإسقاط منظومات ‘مخزنية’ و’سلطوية’ تكرست سنوات، أن يصنع تاريخه بمفرده وبإرادته الحرة. وأيا كان هذا الأفق الذي يتجه إليه العالم العربي، فإنه لن يكون عودة للوراء بل يتجه لأن ينفتح على المستقبل.

ويبدو أننا مقبلين على قراءة صورتنا، لا من خلال كيف سيقدمها الغرب مستقبلا، بل كيف سنجعلها ال’نحن’ صورة غير قابلة للتشظي. صورة تستطيع أن تكسب رهان وجودها إذ حينها لن نحتاج ل’فيزا’ من الضفة الأخرى كي نقول ‘الأنا’، بل هي صورة مصفاة من دم الشهداء الذين سقطوا، من أجل الكرامة والحرية. بمثل هذه الصورة نستطيع أن نؤسس المستقبل لا أن ننفيه، بل أن نشترك فيه وأن نتحاور من خلاله ‘ثقافيا’ بعدما شيدناه ‘سياسيا’، هذا الأخير وحتى وإن كان رهين لحظة التغيير بكل تجلياتها فإن الشعوب العربية تعي أن عليها إعادة بناء الدولة ‘الحداثية’ وهو مسار صعب وشاق. خصوصا أن عملية البناء تأتي في سياق تاريخي تآكلت فيه المؤسسات ونخرت الى حد أصبح معه ضرورة التغيير الجذري.

لقد أضحى للعالم العربي اليوم، بربيع ثوراته المتواصل، زمن جديد. زمنه الذي يصنع اليوم بوعي خاص وإرادة في التغيير والحرية، وكأننا أمام بداية تاريخ جديد يستحق أبنائنا العيش فيه بكرامة. ويستطيع العربي اليوم أن يبحث عن صورته في داخله، في ذاته، في نضاله المستميت وهو يبني وطنا للجميع. وطن بدون تيئيس ولا تهميش.. ولن يحتاج لتأريخ أحداثه في ‘ويكليكس’ قادمة، بل كلنا ندرك توصيفات الغرب المندهشة، والى اليوم، من هذا الزخم الثوري الفياض المتواصل. وهو ما قد يعري حقيقة أخرى، أن صورتنا في الغرب ليست محكومة ب’الواقع’ فقط، بل بمنظومة إيديولوجيات روجت بمنطقها الخاص ‘صورة’ أخرى وقعدتها حتى أضحت ‘بوابة’ تعريفنا الرسمي الوحيد.

اليوم، بهذا الواقع الجديد الذي يزدان امتدادا من تونس الى مصر الى اليمن الى سوريا وباقي الدول العربية، نكتشف صورتنا الجديدة.. لعلها تلك صورتنا المفقودة.. القادمة. ‘ كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية