هل تفضل المولود ولدا أم بنتا؟
هل تفضل المولود ولدا أم بنتا؟ ما دفعني إلي كتابة هذا المقال هو ما بدا من زميل لي من تعليق عندما قمت بتوزيع حلوي في القسم الذي أعمل به في الجامعة متسائلاً عن السبب. فقلت له: لقد رزقني الله بمولودة جديدة. فقال: وهل توزع الحلوي للبنات. فقلت له: بالنسب لي الولد مثل البنت ولا فرق بينهما كلاهما نتولي تربيته وبعد ذلك نقدمه للمجتمع ليأخذ دوره في المجتمع. فهذا دولاب الحياة الذي لا مهرب من السير في ركابه. وطبعاً هذه العقلية التي تحدث بها زميلي لا تختلف كثيراً عن عقلية الكثير من أبناء مجتمعنا. فنحن في الوقت الذي نتهم فيه الولايات المتحدة الأمريكية أو النظام العالمي الجديد بالازدواجية في تبني وتطبيق المعايير تجاه قضيتنا، وأن ذلك مساً بالعدالة والمساواة التي يجب أن نتمتع بها مثل باقي شعوب الكرة الأرضية فأننا كمجتمع عربي نمارس هذه الازدواجية منذ آلاف السنين في مجتمع تطغي عليه صفة الذكورية، وتتحكم تقريباً في كل شيء. فالنظرة الدونية للمرأة لا تزال هي الصفة السائدة، ويتم دعمها بخطاب ديني متحجر تطغي عليه العادات والتقاليد أكثر مما يحتكم إلي كتب الفقه والتفسير. وهناك بعض الأمثلة التي عايشتها خلال فترة بسيطة والتي تؤكد هذا السلوك.أولاً: علمت أثناء وجودي في المستشفي متابعاً حالة الوضع عند زوجتي أن إحدي السيدات قد أنجبت طفلتها الخامسة، وأنها تبكي بحرقة وحرارة بعد الإنجاب بالرغم مما كابدته من آلام وأهوال الوضع. وعند الاستفسار عن سبب ذلك أجابت بأنها تخشي الطرد من بيتها من قبل الزوج بسبب هذا الإنجاب (البنت) غير المرغوب به. وأنها لم تسمع من حماتها التي ترافقها حتي كلمة الحمد لله علي السلامة. وأمام ذلك تدخلت أمها وقالت بيت والدك مفتوح إذا تم طردك من قبل زوجك . وهنا نشبت مشادة بين الأم والحماة حيث تدخلت الحماة قائلة: كان علي الأم أن تواسي ابنتها، وتطلب منها الصبر علي غضب الزوج. فهي موجة غضب ستتبدد مع الأيام. وهنا تدخلت الجارة المرافقة للمرأة الواضعة لتهدئة الأجواء بين الطرفين. وقالت: سوف أرسل لزوجك أحد أصدقائه ليتحدث معه ويهدئ من روعه وغضبه. وشاهدت المرأة الواضعة تغادر قسم الولادة وهي بحالة يرثي لها من الألم من جهة والحزن الشديد من جهة أخري. إن عقلية الزوج هنا هي عقلية ليست فردية أو شاذة بل عقلية مجتمع تتحكم به عادات وتقاليد بالية لا تزال تميز بين أفراده علي أساس فيزيائي.فلو تأملنا التراث الشعبي الذي لا يزال يحكم السلوك في الكثير من مناحي حياتنا لوجدنا أن هذه التراث ملئ بالنظرة التمييزية بين الولد والبنت. فهناك المثل الشعبي الذي يقول شو جابت وليس شو شافت . أي التساؤل هنا عما أنجبته الأم وليس ما عانته وشاهدته من آلام الوضع. كذلك المثل الشعبي لما قالو لي ولد انسند ظهري ولما قالو لي أبنية وقعت الحيطة عليه . هذا إضافة إلي المثل الشعبي الذي يقول “هم البنات للممات . وكل هذه الأمثلة تعزز في الذاكرة الجماعية التمييز بين الولد والبنت. إن مجتمعاً لا يزال يحتكم في سلوكه و وممارساته إلي نزعة عقلية تتبني الازدواجية بين أبناءه هو مجتمع مريض وليس معافاً، أي مجتمع يسير حياته علي ساق واحدة. والأحري بنا ونحن ننشد العدالة والمساواة من النظام العالمي أن نتبني العدالة والمساواة فكراً وممارسة. وهذا بالطبع يتطلب عملية نقدية جادة ليس فقط لتراثنا بل لخطابنا الديني السائد والذي يتحكم في عاداتنا وسلوكنا. د. خالد محمد صافي غزة ـ فلسطين6