هل تفك الدول الخليجية ارتباط عملاتها بالدولار؟
محمد خليفةهل تفك الدول الخليجية ارتباط عملاتها بالدولار؟ أفادت أنباء أن البنوك المركزية لدول الخليج العربية الست ربما تقرر خلال اجتماع محافظيها في الرياض في آذار (مارس) المقبل، التحول عن ربط عملاتها بالدولار الأمريكي، وربطها بعملة أخري أو بسلة عملات. ولا شك أن هذا التوجه من قِبَل دول الخليج يعني أن هذه الدول غير مطمئنة الي مستقبل العملة الأمريكية ولا الي مستقبل القوة الأمريكية. فالزمن الذي نعيش فيه يشهد تحولات كبري أبرزها صعود الصين الاقتصادي والعسكري وتحولها الي قوة عالمية عظمي. وكذلك تراجع النفوذ الأمريكي والغربي علي مستوي العالم واتضاح أن القوة العسكرية الغاشمة غير قادرة علي كسر ارادة الشعوب الطامحة نحو الاستقلال، وتعثر المشروع الاستعماري الأمريكي في أفغانستان والعراق، واحتمال الانسحاب من هذين البلدين. وقد أدي كل ذلك الي خلق شعور عالمي يميل الي التخوف من انهيار الولايات المتحدة وانتهائها كقوة عظمي، وبالتالي انتهاء عملتها بوصفها العملة الدولية الوحيدة. وكانت الولايات المتحدة قد ظهرت كقوة عالمية عظمي بعد انهيار الامبراطورية البريطانية في الحرب العالمية الثانية عام 1943، وسرعان ما حلَ الدولار الأمريكي في السوق المالية الدولية مكان الجنيه الاسترليني البريطاني الذي غربت شمسه. وقد كان سعر الدولار يحدد علي أساس قاعدة الذهب الدولية، وبناء علي هذه القاعدة كانت الولايات المتحدة تطرح فئات نقدية بمقدار ما لديها من ذهب في خزانتها. ولما كانت هي قد استأثرت بـ 36 في المئة من ذهب العالم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 فانها قد طرحت كميات نقدية هائلة تعادل هذه النسبة. وقد سار الاقتصاد العالمي القائم علي الأساس الذهبي بخطي ثابتة نحو التطور والازدهار، فغاب التضخم من السوق الدولية وانخفضت أسعار السلع والخدمات. لكن هذا الحال لم يستمر لأن الولايات المتحدة كانت قد تدخلت عسكرياً في فيتنام عام 1965، واحتاجت العمليات العسكرية هناك الي مبالغ طائلة لتمويلها، وعجزت الولايات المتحدة عن الحصول علي الأموال اللازمة لأن ما لديها من مال لم يكن يكفي الا لتحريك الاقتصاد وبالتالي، فان أخذ أي مبالغ مالية من الخزانة كان سيؤدي الي حدوث عجز خطير لا تستطيع تعويضه بناء علي قاعدة الذهب، مما سيقود الي انهيار اقتصادي حتمي فيها. ولذلك تخلت عام 1972 عن التعامل بهذه القاعدة، وطرحت كميات هائلة من النقود من غير رصيد ذهبي، واعتمدت علي قوتها العسكرية الغاشمة في فرض هذه العملة غير المغطاة في العالم. ومنذ ذلك الحين بدأ التضخم في الاقتصاد الدولي، فارتفعت أسعار السلع والخدمات في السوق الدولية، وما يزال التضخم قائماً حتي الآن. وقد ارتبطت عملات دول الخليج العربية بالدولار نظراً للارتباط السياسي لهذه الدول بالولايات المتحدة، وأصبح سعر العملات الخليجية يحدد من قبل بنوك الاحتياط الفيدرالي الأمريكية تبعاً لتحديد سعر الدولار في السوق الدولية. فاذا رفعت بنوك الاحتياط سعر الدولار ارتفعت أسعار هذه العملات، وكسبت دول الخليج أموالاً كثيرة، واذا خفضت هذه البنوك سعر الدولار انخفضت أسعار عملات هذه الدول، وبالتالي خسر اقتصادها أموالاً طائلة.ومنذ أن أصدر الاتحاد الأوروبي عملته الموحدة اليورو عام 2002، لجأت الولايات المتحدة الي سياسة تخفيض سعر الدولار بهدف ضرب العملة الأوروبية الوليدة ومنعها من مزاحمة الدولار في السوق الدولية. وقد كسب الاقتصاد الأمريكي أرباحاً هائلة من جراء هذه السياسة اذ أصبحت البضائع الأمريكية رائجة بسبب تدني قيمتها مقارنة بقيمة البضائع الأوروبية. لكن هذا التخفيض في سعر صرف الدولار انعكس وبالاً علي الاقتصاد في دول الخليج التي فقدت وما تزال عشرات المليارات من الدولارات. والواقع أن الدولار لن يعود الي الصعود من جديد، لأن هناك عجزاً في الموازنة الأمريكية يبلغ وفق المصادر الرسمية الأمريكية ((550 مليار دولار، وربما ستلجأ بنوك الاحتياط الفيدرالي الي تخفيض أكبر في سعر صرف الدولار بهدف تغطية هذا العجز، مما سيفقد دول الخليج المزيد من أموالها. وطالما أن سعر الدولار غير مستقر، فمن غير الحكمة أن تبقي عملات دول الخليج مرتبطة به، ومن الصواب أن تتجه دول الخليج الي اتباع نظام سلة العملات وأن يتم تحديد سعر صرف العملة الوطنية من خلال حركة البيع والشراء في السوق الدولية. وبهذا النظام يكون بوسع الدولة التحكم بنقدها والمحافظة عليه في أوقات الأزمات. ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو، هل ستسمح الولايات المتحدة لدول الخليج أن تفك ارتباط عملاتها بالدولار. وهل ستسمح لها بأن تبيع نفطها بعملة أخري غير الدولار؟الواقع أن الولايات المتحدة تحقق استفادة عظيمة من وراء ارتباط عملات دول الخليج بعملتها، وكذلك من خلال بيع النفط بهذه العملة، وهي قد دبرت عملية اغتيال الملك السعودي الراحل فيصل لأنه كان يعتزم انشاء الدينار الاسلامي وجعله عملة دولية في السوق النفطية. ولذلك فهي لن تسمح لدول الخليج أن تسبح بعيداً عن فلكها الاقتصادي، واذا أصرت هذه الدول علي موقفها الرامي الي فك ارتباط عملاتها بالدولار، فلا يُستبعد أن تتحول الي عدو جديد للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط.ہ كاتب من الامارات [email protected] http://www.mohammedkhalifa.com8