هل تفلح جولة المرزوقي المغاربية في فتح معبر ‘زوج ابغال بين المغرب والجزائر؟ عادل الحامديأنهى الرئيس التونسي الدكتور منصف المرزوقي جولته المغاربية مخلفا وراءه غبارا كثيفا، ليس لأنه الرئيس المغاربي الأول الذي أفرزته صناديق انتخابات لم يكذبها أحد، بل ولأنه عمد إلى النبش في ملفات طواها دهر خلافات داحس والغبراء الجزائرية ـ المغربية، واقترح إعادة إحياء مؤسسات اتحاد المغرب العربي المجمدة منذ إغلاق الحدود البرية المغربية ـ الجزائرية عقب تفجيرات فندق أطلس أسني في مراكش عام 1994، مع الأخذ بعين الاعتبار للهوة الفاصلة بين الرباط والجزائر حول ملف الصحراء الغربية التي تصر الجزائر على الحاقها بحركات التحرر الوطني، وترى أنه لزاما عليها مناصرة أهلها حتى الاستفتاء على تقرير المصير.
ولا شك أن الرئيس المرزوقي يدرك حجم الخلاف المغربي ـ الجزائري، ويعرف أن الحياد بين البلدين في غاية الصعوبة، فهو مدين بحكم التاريخ والرحم للمغرب، التي لا تزال تربتها الحمراء في عاصمة الموحدين تحتضن جثمان والده الذي حاصرته خيوط الاستبداد ومؤامراته أيام الزعيم التونسي الراحل الحبيب بورقيبة، والعرق دساس، ويدين لمؤسستها التعليمية برعايته صغيرا قبل أن يلتحق بشعبة الطب نزولا عند رغبة والده، وهو من جهة ثانية مدين لثورة التحرر الوطني الجزائرية التي علمته أن إرادة الشعب الحر أقوى من سياط الجلاد حتى ولو كان الأمر يتعلق بفرنسا، ولذلك كان المرزوقي قاطعا في رأيه حتى الرمق الأخير من حكم الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، أن نظامه لا يصلح ولا يُصلح، وأن إزاحته تعني تحقيق الاستقلال الثاني وهو ما كان.
في السياسة كما في العلاقات الاجتماعية، تلعب مكونات القيادات السياسية الذاتية وميولاتها الشخصية دورا محوريا في حلحلة أصعب الملفات وأعقدها، ومنها ملف العلاقات المغربية ـ الجزائرية، الذي بدأ يأخذ طريقه إلى الحل، لا سيما بعد رسائل الود التي تبادلها الطرفان خلال زيارة وزير الخارجية المغربي سعد الدين العثماني إلى الجزائر، وفتح كافة الملفات العالقة للحوار. بالإضافة إلى الرسائل المباشرة حينا والخفية في أكثر الأحوال، التي يوجهها الأصدقاء الغربيون للطرفين المغربي والجزائري بضــــرورة العمل على وضع حد لحالة القطيعة التي حالت دون وجود علاقات طبيعية بين البلدين خلال العقدين الماضيين.
فالرئيس المرزوقي يحتفظ إلى الآن بعلاقات صداقة قوية مع الطرفين المغربي والجزائري، بل مع مختلف الأوساط السياسية المغاربية، لأنه رجل لم يساوم على المبادئ بشهادة أعدائه قبل أصدقائه، وهو ما يمنحه المشروعية السياسية والأخلاقية لطرق أبواب المغاربة والجزائريين، بما يستجيب لطموح الأجيال المغاربية في التنمية الاقتصادية والسياسية الشاملة، بما يجعل من شمال إفريقيا واحدة من أهم المناطق حيوية ليس فقط لما تختزنه من ثروات نفطية هائلة، لا سيما في الجزائر وليبيا، بل ولما تحتويه من ثروة بشرية تمتلك كافة المؤهلات لأن تضطلع بمهمة التأسيس للانبعاث الحضاري الجديد، وهذا طموح تزكيه القوى الداعمة للمرزوقي، وأغلبها إسلامي التوجه وطني الانتماء.
لكن الخلاف المغربي ـ الجزائري، الذي يبدو أن الرياح الأمريكية ليست راضية على استمراره، ليس هو العنوان الأبرز، الذي تواجهه المنطقة المغاربية، بل إن الأكثر تعقيدا من هذا التحدي، هو هوية المنطقة بالأساس. ذلك أن الإخوة الأمازيغ شركاء الوطن والانتماء في مختلف الدول المغاربية، يعتقدون أن نسبة العروبة إلى دول المغرب فيه إجحاف بحقهم وظلم عنصري، وهي ملاحظة مهمة انتبه لها تنظيم القاعدة، فاختار اسم ‘المغرب الإسلامي’ بديلا عنها، وربما تحتاج الشعوب المغاربية ونخبها أن تعيد النظر في هذا المسمى ليكون جامعا لا مفرقا ومدخلا للوئام لا مبعثا للخلاف والصدام. وهي قضية لا يمكن أن تغيب لا عن الدكتور الرزوقي بحكم خلفيته الحقوقية ولا عن حلفائه من السياسيين لا سيما الإسلاميين، الذين يعرفون جيدا خطورة البعد القومي والعرقي في أي كيان سياسي.
ميزة قادة الثورة التونسية، الذين بدأوا في الإشراق محليا وإقليميا وعربيا ودوليا، أنهم يدركون تماما معنى مقولة المؤسس والمدير التنفيذي السابق ثم رئيس مجلس إدارة شركة أبل ‘ستيف جوبز’، أنه ‘بمجرد أن تقتنع أن كل العالم حولك بما فيه من قواعد وقوانين قد وضعها أشخاص مثلك ليسوا أذكى منك، وقتها تستطيع أن تغير العالم’، ووفق هذه القناعة يتعاملون مع باقي الملفات المطروحة على دول شمال إفريقيا بما فيها الدول المغاربية، ومنها ملف الإرهاب والتطرف الديني الذي يلقي بظلال كثيفة على عمل المؤسسات الأمنية، التي تعاني ترهلا وانفلاتا كبيرا في بعض الأحيان بسبب الفترة الانتقالية وحداثة القيادات السياسية الجديدة في العمل الحكومي الرسمي أحيانا وبدعم ومساندة من قوى معنية بإفشال أي تحول سياسي حقيقي يؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الإنسان محور أي مشروع سياسي يطمح للحكم.
الخشية، أن النوايا الطيبة والأحلام الجميلة لا تكفي فيها فقط النية الصادقة، والصياغات الدستورية الجذابة، بقدر ما تحتاج إلى قدرة سياسية فائقة لتحويل النظري إلى عملي، ومعالجة القضايا المستعجلة، وتأمين حياة الناس من الخوف وملء بطونهم الجائعة بما يحقق كرامة ابن آدم التي تعهد الله بحفظها. وهنا تُكرم حكومة الترويكا أو تُهان، أي أن معيار الحكم ينبغي أن يكون الواقع وليس النوايا التي لازال بقايا الردة السياسية يثيرونها ويعتمدونها أساسا لتقييم أي عمل سياسي. وإذا التقت النوايا الطيبة مع الترجمة الواقعية لها على أرض المغرب الأدنى الذي يقود قاطرة التحول السياسي في العالم العربي وينفض الغبار عن قرون طويلة من الاستبداد السياسي في العالم الإسلام، وقتها يمكن للدكتور المرزوقي ولحكومة الترويكا، التي تعارك قوى الردة وتعمل على معالجة آثار غضب الطبيعة البارد هذا العام بعد أن كان جافا في السنوات الماضية، أن تتحدث ليس عن إذابة الجليد في العلاقات المغربية ـ الجزائرية وحدها وتأسيس المغرب الكبير، وإنما عن طي ملف الاستبداد السياسي في عالمنا العربي إلى غير رجعة.’ كاتب وإعلامي تونسي مقيم في بريطانيا