في يوم واحد فقط (5 ايلول/سبتمبر الحالي) تبدلت التصريحات المعلنة على لسان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن إيران، من المعارضة المطلقة لأي حوار غربي معها “هذا ليس وقت إجراء مباحثات مع إيران، وإنما هو وقت زيادة الضغط عليها” إلى القبول على مضض “أتوقع موقفا صارما لترامب في أي اجتماع مع روحاني” مستديرا حول تصريحه الأول.
الموقف الأوروبي لم يكن جديدا، لكن الجديد في نهاية قمة مجموعة السبع الأخيرة، التي شهدت اجتماعا نادرا على هامشها، بين رئيس الدولة المضيفة إيمانويل ماكرون ووزير خارجية إيران محمد جواد ظريف، كان ترحيب ترامب، بلقاء مع روحاني. هذا اللقاء المرتقب من المرجح أن يعقد على هامش افتتاح الدورة الجديدة للجمعية العامة للأمم المتحدة.
نتائج القمة أصابت نتنياهو بالفزع والإحباط، لأنها تفتح طريقا واسعا للدبلوماسية للعمل، بدلا من التصعيد والتهديد بالحرب، فالحرب هي أهم مصادر قوة نتنياهو وأهم محركات التعبئة السياسية التي تلعب في مصلحته انتخابيا. الحرب على غزة، الحرب على حزب الله، والحرب على إيران في سوريا والعراق، كلها محركات تعمل في مصلحة نتنياهو سياسيا وانتخابيا. فشله في ذلك يخصم من رصيده الانتخابي والسياسي، ويعزز قوة خصومه ضده.
لذلك لم يقبل في البداية فكرة الحوار مع إيران، فتحدث هاتفيا مع الرئيس الفرنسي من أجل إثنائه عن الترويج للفكرة، لكن ماكرون تجاهل فزع نتنياهو، وأكد أن القوى الرئيسية العالمية، بما فيها الولايات المتحدة ماضية على الطريق لمحاولة إنقاذ الاتفاق النووي، وتخفيف التوتر، وإبعاد شبح الحرب.
لم يقبل نتنياهو رد ماكرون، فقرر السفر إلى لندن، حيث التقي رئيس الوزراء الجديد بوريس جونسون، لإقناعه بالتحفظ على الحوار مع إيران، لكنه فشل في إقناعه، بإعلان أي شكوك بشأن ذلك، كما فشل في الحصول منه على أي إشارة بتأييد سياسة الاستيطان الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية. كل ما استطاع نتنياهو الحصول عليه هو بيان من مكتب جونسون يفيد بأن بريطانيا لا تقبل أن تمتلك إيران سلاحا نوويا، وهو موقف تردده الدبلوماسية الإيرانية للعالم الخارجي، ويؤكده المسؤولون الإيرانيون، بمن فيهم المرشد على خامنئي أمام مواطنيهم.
التطورات السريعة في الموقف الأمريكي، اضطرت نتنياهو لتغيير موقفه والقبول على مضض بفكرة الحوار الغربي – الإيراني بعدما تلقى تقريرا يفيد بأن الإدارة الأمريكية جادة في إعداد ترتيبات لعقد لقاء محتمل بين ترامب وروحاني.
وعندما التقى نتنياهو مع بوتين في سوتشي قبل أيام من الانتخابات، كانت إيران وخصوصا دورها في سوريا، هي الموضوع الرئيسي في محادثاتهما.
إيران بالنسبة للناخب الإسرائيلي، أصبحت أيضا أحد أهم متغيرات السياسة المحلية، وليس الخارجية فقط منذ توقيع الاتفاق النووي عام 2015. وهي لا تمثل تحديا لسياسة نتنياهو الخارجية فقط، لكنها تمثل أيضا تحديا لسياسته الأمنية. لقد فشلت هذه السياسة في منع حزب الله من تطوير منظومة محلية لإنتاج الصواريخ في لبنان. ورغم أن المخابرات الإسرائيلية حصلت على معلومات بشأن هذا البرنامج، أثناء تولي نتنياهو الحكم، فإن سياسته فشلت في وقف هذا البرنامج أو تخريبه منذ بدأ في عام 2013. وتتهم إسرائيل إيران بأنها تقف وراء تسليح حزب الله وإمداده بالصواريخ، ثم بالتكنولوجيا اللازمة لصناعتها محليا، تحت إشراف مهندسين وقادة عسكريين في فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني. كذلك فإن إسرائيل تراقب بقلق حرب الصواريخ التي يشنها الحوثيون في اليمن على السعودية.
إسرائيل تتهم أيضا إيران بمحاولة السيطرة على قطاع غزة، وتقديم الدعم المالي والعسكري لكتائب عز الدين القسام، ولمنظمة الجهاد الاسلامي. في شهر ايار/مايو الماضي قتلت إسرائيل أحد قيادات حماس في غزة، وبررت ذلك بأنه كان مسؤولا عن نقل الأموال من طهران. ومع ذلك لم تستطع وقف نمو قوة حماس الميدانية. وقد استعرضت المقاومة الفلسطينية في غزة قوتها يوم 10 ايلول/سبتمبر الحالي بإطلاق صاروخين أثناء إلقاء نتنياهو لخطاب انتخابي في مدينة أشدود، أحدهما كان في اتجاه أشدود نفسها، والثاني كان في اتجاه مدينة عسقلان.
ومع أن منظومة القبة الحديدية تصدت للصاروخين، فإن خصوم نتنياهو اتخذوا من الواقعة دليلا على فشل سياسته الأمنية. وقد سارع نتنياهو بتوجيه الاتهام إلى إيران بأنها كانت وراء إطلاق الصاروخين. إيران إذن حاضرة في المشهد الانتخابي الإسرائيلي بقوة، وسيترك هذا الحضور أثرا بالغا على رصيد نتنياهو السياسي والانتخابي.
وقد استبق نتنياهو التصويت، بالكشف عن وجود مخازن سرية لمواد نووية في إيران، ودعا المجتمع الدولي إلى أن يطلب من إيران تفسيرا لذلك. هذا التحريض ضد إيران استخدمه نتنياهو قبل حملة الانتخابات السابقة، في عرض مسرحي، كشف فيه عن حصول إسرائيل على آلاف الوثائق السرية المتعلقة ببرنامج إيران النووي. لكن رد الفعل الدولي في الحالتين كان سلبيا. حتى الآن تعارض القوى الرئيسية في العالم، من الاتحاد الأوروبي في الغرب، إلى روسيا والصين واليابان في الشرق، فرض عقوبات على إيران، وتدعو للحوار معها.
أما رد الفعل الإيراني لسياسة نتنياهو، فيمكن قراءته عمليا على الأرض: المزيد من اليورانيوم المخصب، والمزيد من أجهزة الطرد المركزي فائقة القوة، ومواصلة الضغط على إسرائيل بواسطة حزب الله على الحدود الشمالية، وحماس والجهاد على الحدود الجنوبية.
نتنياهو يقدم نفسه للناخب الإسرائيلي معتمدا على ثلاثة مصادر رئيسية للقوة، هي التوسع الاستيطاني، وضمان حماية أمن إسرائيل، ونفوذه الشخصي العالمي. هذا النفوذ الذي يمارسه من خلال مجموعة من الشخصيات القائدة على مستوى العالم، من ترامب وبولسونارو إلى بوتين وشينزو آبي وناريندرا مودي، يبدو في الأسابيع الأخيرة في ذبول، رغم زياراته الخارجية لتلميع صورته.
فيما يتعلق بالسياسة الأمنية، فإن نتنياهو يعتبر إيران هي التهديد العسكري الرئيسي لإسرائيل، من خلال قوتها النووية المحتملة، وقدراتها في مجال تصنيع الصواريخ والطائرات بدون طيار، وكذلك من خلال حلفائها الإقليميين، الذين أثبتوا في مناسبات كثيرة أنهم الأقدر على توجيه ضربات للمنظومة العسكرية الإسرائيلية، والبرهنة على عقم سياسة نتنياهو الدفاعية.
ويمكننا القول باطمئنان بأن المسألة الإيرانية كانت وما تزال محور السياسة الخارجية والدفاعية لإسرائيل خلال الأعوام الأربعة الأخيرة على الأقل، وأن سياسة نتنياهو تجاه إيران منيت عموما بالفشل. وربما يتمثل نجاحه الوحيد في إقناع الرئيس الأمريكي بالانسحاب من الاتفاق النووي.
في مواجهة التأثير السلبي للمتغير الإيراني على فرص نتنياهو في الفوز، يتمتع نتنياهو وحزب ليكود بدعم اليمين القومي الإسرائيلي. لكنه يخوض في الوقت نفسه سباقا مع الأحزاب اليمينية المتطرفة مثل إسرائيل بيتنا، واليمين المتحد، والبيت اليهودي وغيرها من أجل كسب أصوات الناخبين المتشددين، خصوصا في المستوطنات. ومع ذلك يبقى شبح إيران يطارده انتخابيا وسياسيا في داخل إسرائيل وخارجها.