عودة دوري أبطال أوروبا
لندن – “القدس العربي”: “هو مجرد لقاء تحضيري لا ينبغي علينا أن نمنحه أكبر من حجمه، ما حدث هو أننا دخلنا المباراة بشكل سيئ للغاية، وبعد مرور 8 دقائق فقط من البداية تلقينا هدفين، اعترف أن ما حدث أمر مؤلم لنا ولكافة مشجعي الريال، لكن سنكون متحمسين، سيكون موسمنا جيدا، اليوم، لا يمكننا أن نكون سعداء، لكنني مقتنع بأن لدي فريقا ينافس”، بهذه الكلمات، أخذ زين الدين زيدان عهدا على نفسه أمام جمهور ريال مدريد، بتقديم شيء مميز في نهاية الموسم، وذلك بعد التجرع من مرارة الهزيمة بالسبعة على يد الجار العدو أتلتيكو مدريد في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كان النادي الميرينغي يخوض جولته الصيفية الاستعدادية لهذا الموسم.
الملك زيدان
كان الاعتقاد السائد حتى آخر مباراة خاضها الميرينغي في فترة ما قبل تفشي كورونا، تلك التي خسرها أمام ريال بيتيس بهدفين لهدف في الأندلس، أنه في أفضل وأحسن الحالات سيبقى زيدان في منصبه لنهاية الموسم، كنوع من أنواع التكريم لتاريخه، بدلا من طرده في الربع الأخير من الموسم، نظرا لانخفاض منحنى الفريق بعد الفوز بالكأس السوبر الإسباني على حساب الهنود الحمر مطلع عام الجائحة، وتجلى ذلك في طريقة خروجه من كأس الملك، بهزيمة مؤلمة على يد ريال سوسييداد بنتيجة 3-4 في قلب “سانتياغو بيرنابيو”، بعدما كان متأخرا حتى الدقائق الأخيرة بفارق ثلاثة أهداف، وما زاد الطين بلة، أو بالأحرى قطع شعرة معاوية بين الجماهير ومعشوقها كلاعب ومدرب، سلسلة النتائج والعروض المخيبة للآمال، التي وصلت لحد جمع 4 نقاط فقط في آخر أربع مباريات قبل توقف النشاط، منها ثلاث نقاط من الفوز على برشلونة في كلاسيكو الجولة الـ26، ونقطة بشق الأنفس أمام سيلتا فيغو في معقل الملوك، مقابل هزيمتين على يد ليفانتي وبيتيس، وأسوأ مما سبق، الخسارة المؤلمة وسط الأنصار أمام مانشستر سيتي بهدف مقابل اثنين في ذهاب دور الـ16 لدوري أبطال أوروبا، لكن بعد عودة النشاط، تغير الوضع 180 درجة، بعودة جزء كبير من شخصية وملامح ذاك الفريق الذي احتل القارة العجوز ثلاث سنوات، والفضل يرجع للمدرب، الذي أفحم الجميع، بإثبات عملي أن احتكار دوري أبطال أوروبا ثلاث مرات تواليا لم يكن عبثا أو من قبيل الصدفة أو بكريستيانو رونالدو بمفرده، ربما يكون قد حالفه الحظ في مباراة أو اثنتين، وأيضا صاروخ ماديرا كان يفعل عجب العجاب، لكن الآن من الصعب الاختلاف على دور زيدان العظيم وقدرته على تجسيد المثل المصري الشهير “يعمل من الفسيخ شربات”، كيف لا ونفس العناصر التي كان يُعتقد أنها أفلست كرويا وفقدت الشغف وجوع البطولات، بعد الموسم الماضي الكارثي، هي نفس المجموعة، التي قهر بها البرغوث ورفاقه، بصحوة ما بعد كورونا، التي أسفرت عن 10 انتصارات متتالية، كانت كافية لإزاحة البلو غرانا المترنح من على صدارة الليغا، ليتوج نادي القرن الماضي، باللقب الـ34 في تاريخه، والثالث في آخر 11 موسما، وبالتبعية ارتفع سقف الطموح، بطمع مشروع لقلب الطاولة على السيتي في إياب “الاتحاد”، على أمل أن تكون نقطة تحول في الطريق نحو الكأس الرابعة عشرة، لا سيما بعد تغير المعنويات والحسابات في الوقت الراهن ونحن على بعد أيام تعد على أصابع اليد الواحدة من قمة الإياب، مقارنة بوضع الفريقين في منتصف مارس/ آذار.
قمة مختلفة
لا شك أبدا، أنه قبل توقف كورونا، كانت جُل التوقعات تصب في مصلحة الفريق الإنكليزي، ليس فقط لأفضلية نتيجة الذهاب، بل أيضا للحالة الفنية والبدنية الجيدة التي كان عليها كيفن دي بروين وزملاؤه، وذلك في خضم واحدة من أشرس حملات التشكيك في زيدان ومشروعه، بينما الآن، فكل المؤشرات تُظهر أننا سنكون على موعد مع قمة إنكليزية إسبانية مفتوحة لكل التوقعات والسيناريوهات، والفيلسوف الكتالوني بيب غوارديولا، يعي جيدا أنه سيصطدم بفريق مغاير وجديد كليا، عن ذاك الفريق المتذبذب، الذي أسقطه بالضربة القاضية في “البيرنابيو”، بعد التطور الواضح في أداء منافسه سواء على المستوى الفردي أو الجماعي، والذي يظهر في تحسن جُل رجال زيدان المخلصين، والحديث عن شركاء الولاية الأولى رافاييل فاران ومارسيلو وتوني كروس ولوكا مودريتش وكريم بنزيما، بعيدا عن القائد سيرخيو راموس، الذي سيغيب عن سهرة الجمعة بداعي الإيقاف، ولعل من شاهد مباريات الميرينغي بعد كورونا، لاحظ الطفرة الواضحة في أداء قلبي الدفاع على وجه الخصوص، متمثلة في ثبات فاران وظهوره بثوب القائد المستقبلي بامتياز، حتى عندما غاب القائد عن اللقاء الأصعب بعد استئناف النشاط، أمام بلباو على ملعبه “سان ماميس”، لم تحدث هزة في الدفاع، بالعكس بدا الأمر وكأن الدفاع مكتمل الصفوف بفضل الشراكة المبشرة بين الفرنسي وزميله البرازيلي اليافع إيدير ميليتاو، الذي قدم أوراق اعتماده كما ينبغي، كمشروع قلب دفاع من الطراز العالمي وصمام أمان إستراتيجي بجانب القائد المستقبلي، بعد تقدم القائد الحالي في العمر أو رحيله في غضون عامين. ونفس الأمر ينطبق على مارسيلو، هو الآخر، استعاد ثقته بنفسه، وأصبح من أهم مفاتيح اللعب بالنسبة للفريق، بعدما كان على رأس قائمة الكبار المرشحين للمغادرة، لتراجع مستواه ومعدلاته البدنية بشكل صادم الموسم الماضي، وهذا يُحسب لزيدان، الذي نسف ما قيل عنه في الماضي غير البعيد، أنه مجرد مدرب محظوظ ولا يفوز إلا بالبركة، فيما يُعرف في مواقع التواصل الاجتماعي في المنطقة العربية “سبحة زيدان”، وذلك للتشكيك في نجاحاته في الولاية الأولى، بما في ذلك معجزة الاحتفاظ بذات الأذنين ثلاث مرات تواليا، بحجة أنه لم يختبر نفسه مع ناد آخر غير ريال مدريد، كأغلب المدربين، الذين يكتسبون الخبرات بشكل تدريجي مع الفرق الصغيرة والمتوسطة، قبل العمل في أعلى مستوى تنافس، لكن في حقيقة الأمر، هناك عقول فذة في عالمنا ليست بحاجة لذلك، أو بمعنى أدق غير مؤهلة للعمل مع الفرق الصغيرة، لتمتعها بما يكفي من عبقرية للعمل وتحقيق النجاح مع العظماء فقط، وزيدان أثبت بشكل عملي أنه واحد من هؤلاء، كما أثبت قبله بيب غوارديولا أن المدرب العظيم ليس بحاجة لقضاء سنوات من العذاب في غياهب أندية المظاليم.
أسلحة ونقاط ضعف
أحد الأشياء التي قد تُرجح كفة الريال في موقعة الإياب، الصلابة غير المسبوقة على مستوى الدفاع وحراسة المرمى، دعك من قصة كاريزما زيدان وقدرته على إحكام سيطرته على غرفة خلع الملابس، فهذا موضوع مفروغ منه، لكن الشيء المهم، الذي بالكاد لا يتوقف عنده أحد، هو كيف صنع زيزو هذه الخرسانة الدفاعية، التي كانت سببا رئيسيا في سلسلة انتصارات ما بعد كورونا، وبالنظر إلى سر الطبخة التي أعدها على نار هادئة، حتى في أوج لحظات الهجوم والتشكيك فيه، سنجد أنها تبدأ أولا من منظومة الوسط، بتعديل مركز الكرواتي لوكا مودريتش، بتوظيفه كصانع ألعاب على مسافة قريبة من ثلاثي الهجوم وثنائي الارتكاز كاسيميرو وتوني كروس، وذلك احتراما لعمر أفضل لاعب في العالم العام قبل الماضي، تماما كما فعلها من قبل مع كريستيانو رونالدو، بتحويله من جناح أيسر مهاجم إلى رأس حربة صريح، ليبقى في أعلى مستوى تنافسي أطول فترة ممكنة، وقد جنى زيزو الثمار، بالصورة الرائعة التي بدا عليها لوكا مودريتش في فترة ضغط المباريات، ورغم أنه كسر حاجز الـ34 عاما، إلا أنه لم يتأثر بالروزنامة المضغوطة، بخوض مباراة كل 48 ساعة على مدار شهر كامل، وهذا بسبب مركزه الجديد، الذي يجعله يركض في أضيق الحدود، ولا ننسى بصمة المدرب، في اكتشاف الموهوب الأوروغواني فيديريكو فالفيردي، الذي ضرب عصفورين بحجر واحد، الأول بإشعال المنافسة مع كاسيميرو وكروس ومودريتش، والثاني بالتخلص من لعنة المنطقة المستباحة بين الوسط والدفاع، التي كانت سببا في فضيحة سباعية الأتلتي الودية، وهذا التماسك في الوسط، أثر بشكل إيجابي على الدفاعي، للتقارب الكبير بين الخطين.
وما كلل النجاح، الحالة الاستثنائية التي كان عليها الحارس تيبو كورتوا، الذي أنهى هيمنة أوبلاك على جائزة “زامورا”، كأكثر حراس الليغا حفاظا على نظافة شباكه في المباريات، وعكس ذلك، سنجده في الفريق الإنكليزي، الذي يُعاني الأمرين على المستوى الدفاعي. صحيح إيمريك لابورت سيشارك في المباراة، لكن بوجه عام، يبقى الدفاع الحلقة الأضعف في فريق غوارديولا، بسبب الإصابات التي حرمت بيب من رفاهية تثبيت أربعة مدافعين لخمس أو ست مباريات متتالية، لدرجة أنه في بعض الأوقات، اضطر للاعتماد على لاعب الوسط فيرناندينيو في قلب الدفاع، للخروج من ورطة النقص العددي الحاد في الدفاع، بالإضافة إلى ذلك، سيغيب الفرنسي بنجامين ميندي عن مباراة الجمعة بداعي الإيقاف، وهي ضربة موجعة للدفاع السماوي، للفارق الكبير في الجودة والخبرة بينه وبين بديله المحتمل أولكسندر زينتشينكو، وحتى لو غامر الفيلسوف بالاعتماد على البرتغالي جواو كانسيلو في مركز الظهير الأيسر، مع الإبقاء على كايل ووكر، فهذا لا يعني أن المان سيتي سيكون في أمان، ولغة الأرقام والإحصائيات تدعم ضعف السيتي دفاعيا، باستقبال 10 أهداف في آخر خمس مباريات خاضها على أرضه في الأبطال، فما بالك، عندما يكون هذا الدفاع المتهالك على موعد مع مجموعة من المواهب المنتعشة بالفوز بالدوري الإسباني، مثل البرازيلي فينيسيوس جونيور وماركو أسينسيو ورودريغو، وقبلهم إيدين هازارد، الذي سيحاول كتابة شهادة اعتماده كـ”غالاكتيكو” حقيقي، بعد مشاكله الأخيرة مع الإصابات، وأمامهم كريم بنزيما بنسخة غير تقليدية، فحتما لن تكون مفاجأة إذا اهتزت الشباك السماوية مرتين، لا سيما بعد الاهتزاز الأخير على مستوى النتائج والأداء، كما انحنى مرتين في البريميرليغ على يد ساوثهامبتون وتشلسي، بالإضافة إلى الهزيمة المحرجة أمام ثامن الدوري آرسنال بهدفين نظيفين في نصف نهائي كأس الاتحاد الإنكليزي، في المقابل، اكتسح الميرينغي الأخضر واليابس بعد كورونا، بـ10 انتصارات متتالية، وتعادل وحيد في لقاء تحصيل حاصل في ختام الموسم أمام ليغانيس، وهذا في حد ذاته، يعكس الاختلاف الكبير في أوضاع الفريقين، ويعطي مؤشرات مسبقة للأكثر استعدادا وجاهزية لاقتناص تأشيرة السفر إلى البرتغال، لخوض ما تبقى من البطولة بنظام المباراة الواحدة، هذا ولم نتحدث عن تأثير الهداف التاريخي للمان سيتي سيرخيو أغويرو لعدم اكتمال شفائه، ولا عن ميزة الراحة التي تحصل عليها زيدان وفريقه، بإنهاء الليغا قبل أسبوع من إسدال الستار على الدوري الإنكليزي الممتاز.
سجل مخيب ومرعب
أشرنا أعلاه إلى أن بيب يبقى واحدا من صفوة العباقرة في مجال التدريب، لكن سجله في المباريات الإقصائية لدوري الأبطال في السنوات الماضية، يمكن وصفه بغير “المبشر” بالنسبة لجماهير ناديه، فبعيدا عن فشله في تجاوز نصف النهائي مع بايرن ميونيخ على مدار ثلاثة مواسم، سنجد أنه لم يتمكن من تخطي الدور ربع النهائي منذ وصوله إلى ملعب “الاتحاد” بعد ستة شهور من تولي زيدان القيادة الفنية للريال بدلا من الإسباني رافا بينيتز، ففي موسمه الأول، ودع البطولة على يد فريق موناكو الشاب بقيادة كيليان مبابي، وذلك بالرغم من فوز السيتي بنتيجة 5-3 في مباراة الذهاب، إلا أن الفريق انهار في إياب “لويس الثاني”، بخسارة بهدف مقابل ثلاثة، وتبعها بخروج كارثي على يد ليفربول في الموسم التالي، وآخر أمام توتنهام الموسم الماضي، وسبق ذلك، خروج مدو في موسمه الأخير مع العملاق البافاري، حين سقط أمام زيدان برباعية كاسحة في “آليانز آرينا” في إياب نصف النهائي، الذي فتح الباب نحو الثانية عشرة، بخطف الكأس من أنياب الهنود الحمر بمساعدة ركلات الترجيح، وعلى النقيض من هذا السجل، لم يعرف زيدان حتى الآن طعم الهزيمة والخروج من الأدوار الإقصائية لأعرق بطولات القارة العجوز، رغم اصطدامه بأقوى فرق أوروبا، منها على سبيل المثال باريس سان جيرمان ويوفنتوس وأتلتيكو مدريد وبايرن ميونيخ، وهو ما عزز سمعته، كمدرب يعرف أين تؤكل الكتف في هذه البطولة على وجه الخصوص، وبعدما تخلص من صداع الليغا، سيكون التحدي القادم، هو إظهار الخبرة التي لا تقدر بثمن، والتي يمتلكها هو ولاعبوه في هذه البطولة، منها إثبات عملي على أنه ملك دوري الأبطال، الرجل الذي يعرف كيفية إنجاز الأمور المعقدة في بطولته المفضلة، خاصة عندما يصطدم بأحد المنافسين الأقوياء، ومنها أيضا سيحصل هو وفريقه على دفعة معنوية هائلة، لاستعادة روح وعقلية السنوات الخوالي بين عامي 2016 و2018، على أمل أن يكتمل نجاح المشروع بالعودة من البرتغال بالكأس الرابعة عشرة، فهل سيفعلها الريال يوم الجمعة المقبل ويُطيح بالمان سيتي ليشق طريقه في البطولة؟ أم سيرفع غوارديولا شعار “إنما للصبر حدود” بعد عثراته في الأبطال في السنوات الماضية؟ هذا ما سنعرفه في قمة نهاية الأسبوع.
غوارديولا وخلفه زيدان خلال لقاء الذهاب
زيدان يرفع لقب الدوري الاسباني
غوارديولا يفكر بالدور المقبل