لندن ـ «القدس العربي»: «يجب أن أقول بصراحة ليفربول لا يزال فريقا رائعا في رأيي لأنهم ما زالوا قادرين على اللعب بكثافة يصعب العثور عليها، ليفربول لم يتغير، لكن إستراتيجيتنا كانت مختلفة بالتأكيد»، هذا الاقتباس الذي تفوح منه كلمات الإشادة والمجاملة اللطيفة، لم يخرج من صاحبه بعد الفوز الكاسح الذي حققه أحمر الميرسيسايد على مانشستر يونايتد بسباعية مذلة في عطلة نهاية الأسبوع الماضي، بل عندما كان الفريق في أضعف لحظاته على الإطلاق في عصر المدرب يورغن كلوب أواخر الشهر الماضي.
مقولة حكيم
بالعودة إلى محركات البحث في العالم الافتراضي بمختلف اللغات، سنجد مدرب ريال مدريد كارلو أنشيلوتي، هو من أدلى بهذه الحكمة الذهبية، ورغم أن الغالبية العظمى من أهل المركولة المجنونة، لم يأخذوا هذه العبارة على محمل الجد، في حديثه مع الصحافيين بعد الانتصار التاريخي في قلب «الآنفيلد»، بخماسية مقابل اثنين في ذهاب دور الـ16 لدوري أبطال أوروبا، إلا أنه عاد ليتصدر عناوين الصحف والمواقع الرياضية العالمية الأسبوع الماضي، لتوثيق بعد نظر الميستر كارليتو، الذي رفض الاستهانة أو التقليل من شأن عملاق الإنكليز على المستوى القاري، كأنه كان يُحذر نفسه والجميع سواء في القارة العجوز أو إنكلترا، من غضب الأسد الجريح، وعلى ما يبدو، أنه الأمر الذي لم ينتبه له مدرب «الشياطين الحمر» إيريك تن هاغ، كما تعمد أكثر من مرة استفزاز أصحاب ما يصفه المدرب الألماني بـ«القلعة المقدسة»، تارة بإظهار ما يُعرف بالشماتة الكروية، بعد سقوط الغريم الشمالي أمام الميرينغي بالخمسة، في الوقت الذي تمكن فيه من إقصاء متصدر الليغا برشلونة، وأخرى بالاستهانة بأجواء «الآنفيلد» وتأثير الجماهير النفسي على لاعبي الضيوف، ليتلقى المدرب الهولندي درساً لن يُمحى أبدا من ذاكرته. وبالتبعية، بدأ الجميع يتحدث عن عجائب وغرائب كرة القدم، واستحالة التنبؤ بحدوث أي شيء، بما في ذلك رد فعل كلوب ورجاله في مباراة رد الهيبة والكرامة أمام ريال مدريد، المقررة منتصف هذا الأسبوع على ملعب «سانتياغو بيرنابيو»، لتحديد هوية المحظوظ باللحاق بركب المتأهلين للدور ربع النهائي للكأس ذات الأذنين.
بلغة العقل والمنطق، تبدو فرص ليفربول ضئيلة للغاية قبل رحلة الأربعاء، وذلك بطبيعة الحال، بسبب التأخر الكبير في نتيجة الذهاب، في ظل حاجة الفريق لتسجيل ما مجموعه ثلاثة أهداف، فقط لتعويض نتيجة الذهاب والوقوف على قدم المساواة مع كتيبة كارلو أنشيلوتي. بعبارة أخرى لضمان الذهاب إلى ركلات الترجيح، لكن بحسابات كرة القدم، التي علمتنا دائما وأبدا، أنها أحيانا لا تخضع لأبسط قواعد المنطق والعقل، فما بالك والحديث عن فريق مُنتش بانتصار سيبقى محفورا في الأذهان لعقود، والأمر لا يتعلق بمهرجان الأهداف غير المسبوق في تاريخ مواجهات الكبيرين في الشمال الإنكليزي فحسب، بل للرسائل المطمئنة التي تلقاها المدرب الألماني ومن خلفه الملايين من عشاق النادي، بحالة من الاستيقاظ الجماعي في مستوى أغلب الأسماء، التي كانت تمر بأوقات صعبة قبل وبعد كأس العالم، في مقدمتهم المفتاح السحري في الجهة اليمنى ترينت ألكسندر أرنولد، وقلب الدفاع فيرجيل فان دايك وشريكه المفضل في محور الدفاع كوناتي، حتى المنحوس داروين نونييز، بدأ يرد على المنتقدين، بتطور مستمر في اللمسة الأخيرة، سواء ما يخص استغلال الفرص السهلة، أو التصرف بشكل جيد بالكرة في اللمسة قبل الأخيرة داخل مربع العمليات، وهذا ساهم في عودة شيء من الحدة المعروفة عن هجوم الريدز في حقبة كلوب.
عودة الملك
كل ما سبق في كفة، وعودة الأسطورة محمد صلاح، في الوقت المناسب في كفة، متقمصا دور البطل، الذي كانت تبحث عنه الجماهير في فترة تخبط الفريق وتجريده من لقبي كأس الرابطة والاتحاد الإنكليزي، إلى جانب التقهقر في جدول ترتيب أندية البريميرليغ، قبل أن يُلبي النداء، بتقديم الإضافة المطلوبة والمتوقعة منه، بأرقام وإحصائيات ستتفاخر بها الأجيال القادمة، آخرها الجلوس على عرش هدافي الريدز على مستوى البريميرليغ، متخطيا أسطورة التسعينات وبداية الألفية روبي فاولر، الذي نردد اسمه حتى يومنا هذا، فما بالك، بما سيُكتب عن فخر العرب النسخة المصرية في المستقبل البعيد، بعد وصوله لهدفه الشخصي رقم 129 من مشاركته في 205 مباريات منذ قدومه من روما في صيف 2017، مقابل 128 هدفاً للماكر الإنكليزي في 266 مباراة، في ما تعتبر بمثابة الدفعة المعنوية المثالية للمو ورفاقه، قبل التحليق فوق سماء أشهر ملعب في العالم، تحت شعار «لا بديل عن الثأر»، سواء على المستوى الفردي للفرعون، أو الجماعي لهذا الجيل، الذي عانى الأمرين من كابوس اللوس بلانكوس، بداية من الهزيمة المؤلمة في نهائي نسخة 2018، مرورا بهزيمة مرحلة المجموعات نسخة 2021 بنفس نتيجة نهائي «كييف» 3-1، وخسارة نهائي «سان دوني» 2022، نهاية بخماسية الذهاب المحرجة. ولا ننسى الحملات الساخرة، التي نالت من صلاح بسبب تصريحاته الشهيرة عن الانتقام من نادي القرن الماضي، وأمور أخرى تغذي أفكار وآمال مشجعي الريدز، بإمكانية حدوث ريمونتادا أو على أقل تقدير، تصحيح الصورة البائسة التي كان عليها الفريق في الشوط الثاني في مباراة الذهاب.
اللعنة والكاريزما
من الأمور التي تبعث التفاؤل في المعسكر الأحمر، التباين الواضح في نسق كلا الفريقين، بصحوة واضحة لكلوب ورجاله، بتحقيق انتصارين وتعادل قبل زيارة بورنموث، وذلك بعد السقوط بالخمسة أمام الملكي، وفي المقابل، تجرع حامل لقبي الأبطال والليغا من مرارة الهزيمة مرة أمام الغريم الأزلي برشلونة في ذهاب نصف نهائي كأس الملك، وسقط في فخ التعادل مرتين، قبل اختبار إسبانيول، كأن خماسية «الآنفيلد»، جاءت بلعنة أو روح شريرة في غرفة خلع الملابس للعملاق المدريدي، الذي تقلصت فرصه في الاحتفاظ بلقب الليغا، مع اتساع الفارق لـ11 نقطة مع فريق المدرب تشافي هيرنانديز، ونفس الأمر بالنسبة لبطولة الكأس، في ظل حاجته لتحقيق الفوز على الكتلان بأكثر من هدف في عقر دارهم «كامب نو» في مباراة الإياب، على عكس الاتجاه التصاعدي للمنافس الإنكليزي، الذي بدأ في رؤية الضوء في نهاية النفق، بهروبه من منتصف جدول ترتيب أندية البريميرليغ، والاقتراب من دائرة المنافسة على المراكز الأربعة الأولى في الدوري الإنكليزي الممتاز، بوقوفه في المركز الخامس على بعد 3 نقاط فقط من رابع الترتيب العام توتنهام، قبل مواجهات الجولة الـ26، إلى جانب صرخة صلاح ورفاقه، وما يقابله من عقم في الهجوم المدريدي في الآونة الأخيرة. لكن ما يراهن عليه عشاق النادي الأبيض، ما تُعرف بالهيبة أو الكاريزما أو شخصية البطل، التي اكتسبها من تاريخه الحافل، باعتباره سيد أسياد القارة والأكثر تتويجا بأم البطولات وبفارق الضعفين عن أقرب ملاحقيه. بمعنى آخر أن الريال الأوروبي يبقى مختلفا عن الريال المحلي، حتى لو كان في أسوأ حالاته في صراعاته مع البارسا على الليغا وكأس الملك، كما فعلها في بداية الألفية، بالتتويج بالكأس الثامنة في تاريخه على حساب فالنسيا، في نفس الموسم الذي جاء فيه طيب الذكر فيسنتي كالديرون، لإبعاد الفريق عن مراكز الهبوط في الليغا 1999-2000، وفي الأخير، أنهى الموسم في المركز الخامس، بفارق ثماني نقاط عن البطل ديبورتيفو لا كورونيا ونقطتين فقط عن الوصيف برشلونة، ونفس الأمر في موسم 2017-2018، حين ودع البطولات المحلية مبكرا تحت قيادة زين الدين زيدان، وفي الأخير احتفظ بالكأس المفضلة للمرة الثالثة على التوالي، لكن ذات مرة فعلها أياكس أمستردام بمجموعة من الشباب تحت قيادة إيريك تن هاغ، بفوز تاريخي على كبير القوم برباعية مقابل هدف في إياب دور الـ16 في نفس الشهر عام 2019، والسؤال الآن: هل ستظهر شخصية الريال الأوروبي في موقعة الأربعاء؟ أم سيجني كلوب مكاسب سباعية اليونايتد بريمونتادا تاريخية أو انتصار معنوي في قلب «سانتياغو بيرنابيو» لوقف سلسلة النتائج المحرجة أمام رفقاء كريم بنزيمة؟ دعونا ننتظر ونستمتع بالقمة القابلة لكل الاحتمالات والسيناريوهات.