د. خالد سليمانالمثقفون، حتى وإن تقنعوا بالرصانة الأكاديمية، وقد ابتلاني الله بأن أكون منهم، يفضلون في كثير من الحالات خداع أنفسهم، من ثم خداع غيرهم، حتى وإن كان ذلك بصورة غير واعية، فخداع النفس أهون حتماً من مواجهة الحقيقة المرة، التي كثيراً ما تعصف بتوازن من يتهور ويصر على مواجهتها. هناك رهط من المثقفين العرب يظنون أن الناس انتفضوا في مشارق دنيا العروبة ومغاربها طلباً للديمقراطية، والحقيقة في نظري أن ظنهم هذا هو محض وهم نخبوي كبير، تأتي شواهد الواقع القاسي كي تبدده. فلو نزلنا إلى الشارع العربي، وقمنا بإجراء استطلاع رأي شفاف ونزيه وغير موجه، وسألنا الناس عن سلم أولوياتهم التي يطمحون إلى توافرها في حياتهم، لوجدنا الديمقراطية تأتي في مكانة متأخرة على ذلك السلم عند الأغلبية الساحقة من المستجوَبين، لتلي حتماً أهمية توافر ألعاب ‘البليستيشن’ للأطفال وأصباغ الوجه للنساء وعلب التبغ للرجال. ما سميت بثورات الربيع العربي، التي سرعان ما استحالت خضرتها لوناً رمادياً جافاً يبعث على الانقباض، ترجح صواب ما أزعم. وابتداء، علينا أن نتذكر أن الشرارة الأولى لاشتعال تلك الثورات انطلقت في تونس على يد فتى اسودت الدنيا في وجهه بعد أن ضاق ذرعاً بشظف العيش وضيقوا عليه سبل الوصول إلى رغيف الخبز، وحتماً لم يكن غياب الديمقراطية من ضمن ما كان يفكر فيه وهو يضرم الناس في نفسه هرباً من فقره واحتجاجاً على إهانته وهو يجدّ في طلب اللقمة. صحيح أن بعض أفراد الطبقة الوسطى المرتاحة مادياً سارعوا إلى التقاط الخيط واستغلال الفرصة ودعوا مواطنيهم للخروج إلى الشوارع، لكن معظم من استجابوا لاحقاً لندائهم، والشعارات ما زالت شاهدة، استجابوا بدايةً طلباً لحاجات مادية على العموم، ولو تمكنت الأنظمة الخرقاء التي سقطت من تجاوز كبريائها الأجوف وعاجلت منذ اللحظات الأولى بضخ بعض المال لسد الجيوب المثقوبة لمواطنيها والقيام ببعض الإصلاحات الاقتصادية الشكلية، لصمت هؤلاء ولعادوا إلى بيوتهم وألسنتهم تلهج بالشكر والثناء على أولياء نعمتهم من أولي الأمر. المسألة الأخرى المهمة التي يتم إغفالها بتعمد مغيظ، هي أن المُطالب بالديمقراطية ينبغي، أو يُفترض نظرياً على الأقل، أن يكون هو نفسه ديمقراطياً يؤمن جدياً بالديمقراطية، وتحليل سلوك كُلّ ـ وأغامر وأصر على ‘كل’ هذه، طبعاً باستثناء حالات فردية تكاد تكون بندرة بيض الديوك ولا يمكن القياس عليها ـ القوى والشخصيات التي نادت وتنادي بالديمقراطية في الوطن العربي، منذ انطلاق الانتفاضات الأخيرة على الأقل، يقول إنها لا تعرف من الديمقراطية عندما يجدّ الجدّ وتوضع على المحك أكثر من اسمها، فلا أدري أي ديمقراطية هذه التي سينادي بها ويدعمها أقوام لقنوا الاستبداد قولاً وفعلاً ورضعوه مع حليب أمهاتهم. ألم تقل العرب قديماً إن فاقد الشيء لا يعطيه، وأنا أقول: فاقد الشيء ليس جديراً به. الديمقراطية فيما أعلم وأفهم هي نمط حياة، وحتى يمارسها المرء، ينبغي أن يتشربها منذ نعومة أظفاره فكراً وممارسة، حتى تغدو مكوناً طبيعياً أصيلاً في شخصيته، ليزاولها بشكل تلقائي طوعي دون تكلف أو قسر، فأين هذا من ثقافتنا التي نعيش في الوطن العربي، حيث تنتصب مفاهيم وتجليات القمع والاستبداد بالرأي سيدةً للموقف، في البيت وفي الشارع وفي المدرسة وفي الجامعة وفي الحزب وفي المخفر وفي المصنع وفي الشركة، وحتى في الملعب. أم أننا نتوقع ديمقراطية بلا ديمقراطيين كما تساءل كتاب عربي ذات مرة.يمموا أنظاركم صوب بلدان الخليج العربي مثلاً، وسترون أن الغنية منها، المالئة لبطون رعاياها، لم تشهد انتفاضات شعبية جديرة بالتوقف، مردّ ذلك ببساطة شديدة لأن الأغنياء الذين يرفلون في أثواب النعمة نادراً ما يثورون كما تعلمنا تجارب التاريخ، وآخر ما يمكن أن يفكروا فيه هو ديمقراطية أنظمتهم، ولن يبدأ هؤلاء بالتململ والتفكير في الانتفاض إلا إذا بدأوا بفقدان مكتسباتهم المادية التي تعودوها، دون أن يحول ذلك بين القول بوجود حفنة من الأفراد الحالمين، تأثروا جدياً، بغض النظر عن وضعهم المادي المرفه، بما انفتحوا عليه من تجارب شعوب أخرى أنعم الله عليها، فباتوا يحلمون بأن تسود الديمقراطية بلدانهم، دون أن يتنبهوا إلى أن بلدانهم بتراكيبها الراهنة ليست جاهزة ولا مؤهلة على الإطلاق للديمقراطية، بواجباتها وتكاليفها، قبل حقوقها وامتيازاتها. فأي ديمقراطية هذه التي يمكن استحضارها في بلدان الخليج التي تدار عملياً بمنطق إدارة المزارع، ويعامَل الناس فيها من جانب الأنظمة الحاكمة كالعبيد الذين تم إتخامهم بالطعام حتى لا يقووا على الحركة أو يفكروا فيها! على كل حال، تلك الحفنة الحالمة من الأفراد تصيب لقلة عددها المرء بالإحباط، وذلك بالمقارنة بالأعداد الهائلة من المتعلمين تعليماً عالياً، الذين يفترض بهم، نظرياً في أضعف الإيمان، أن يجعلوا من قضية التغيير الديمقراطي شغلهم الشاغل. من مشاكل المثقفين العرب، وما أكثر مشكلاتهم، وبخاصة بعد ثورات الربيع الباهت، أنهم تخيلوا أنهم يستطيعون أن يحققوا بقفزة واحدة، وفي بضع سنين، وربما أشهر، وبكمّ من الضحايا الذين قد لا تتجاوز أعدادهم أعداد من يسقطون هدراً في حوادث قطاراتهم المهترئة، ما حققه الغرب بعد قرون مديدة من التضحيات المخضبة بدماء الملايين من البشر، وبما لا حصر له من المخاضات الفكرية العسيرة والتجارب الجادة لمأسسة الديمقراطية وتعديلها وتشذيبها، حتى تتلاءم مع منطقاته ومرجعياته. لقد افترضوا، عن المثقفين العرب أتحدث، أو توهموا بالأحرى، أن الديمقراطية هي مجرد قبعة نضعها على رؤوسنا فتنقلنا بغمضة عين وكأننا دخلنا آلة الزمن الأسطورية إلى دنيا جديدة تحكمها قواعد المؤسسية والقانون والتنافس السلمي والحكم الرشيد، ونسوا أن معظمنا ما يزال يفكر وهو يتلفع بقلنسوة داحس والغبراء.بلا استثناء، كل مواطن عربي على قيد الحياة يعيش تحت القمع والقهر والإذلال وفساد الأنظمة عموماً منذ أن رأت عيناه النور، فلو كانت الديمقراطية، وهي التي نسمع اسمها يتردد في الفضاء العربي منذ عقود ربما أكثر مما نسمع بترداد الأذان، أمراً يهم الإنسان العادي حقاً، لكانت الثورات الشعبية لم تتوقف يوماً عن اجتياح الأرض العربية منذ سنوات طوال إلى حين إسقاط أنظمة التسلط، وتشييد أنظمة ديمقراطية تليق بالآدميين، كما حدث في معظم بلدان المعمورة. لكن القصة قصة خبز، وليست صدفة أبداً أن يبدأ أشهر وأعم شعار عرفته أكبر ثورات الربيع العربي في مصر، أي شعار ‘عيش، حرية، عدالة اجتماعية’، بالمطالبة بالخبز، الذي يبدو أن بالإمكان مقايضته عند العرب بالحرية، وبالعدالة الاجتماعية.هذا الكلام لا يأتي للتقليل من شأن الديمقراطية أو من ضرورة العمل الدؤوب على المطالبة بها والتوعية بأهميتها، ولكنه يجيء لدعوة المثقفين العرب إلى ترشيد خطابهم والتخلي عن نخبويتهم والتعبير بحق عن أولويات الناس وعما يستحوذ على اهتمامهم، بعد معايشتهم وفهمهم، بدلاً من تحريف الواقع وادعاء الحديث باسم الناس، فالجائع الذي لا يجد ما يطعم به عياله أو يدفئهم به، لن يكترث في كثير أو قليل بالديمقراطية، التي تبدو له مجرد ثرثرة لا معنى لها.’ أكاديمي عربي مقيم في كندا