لندن ـ «القدس العربي»: تنفس جمهور تشلسي الصعداء، بعودة الفريق إلى نغمة الانتصارات منتصف الأسبوع الماضي، بعد التغلب على أستون فيلا بنتيجة 3-1 في مباراة الإعادة للدور الرابع لكأس الاتحاد الإنكليزي، لتتوقف عاصفة الهجوم على المدرب الأرجنتيني ماوريسيو بوتشيتينو ولو بشكل مؤقت، بسبب النتائج الكارثية التي يحققها الفريق في الدوري الإنكليزي الممتاز، والتي وصلت لحد السقوط في قلب «ستامفورد بريدج» أمام ولفرهامبتون برباعية مقابل اثنين، وسبقها هزيمة نكراء أخرى بالأربعة على يد ليفربول، في مباراة كانت كاشفة للحلقة المفقودة في البلوز، وتكمن في ابتعاد الفريق بمسافات ضوئية عن جودة ومستوى الثلاثي المنافس على لقب البريميرليغ، وسط تساؤلات لا تتوقف على مدار الساعة حول أسباب انهيار النادي الذي حطم الأرقام القياسية على مستوى التعاقدات في آخر 18 شهرا.
سياسة فاشلة
بإلقاء نظرة سريعة على أسباب دمار وانهيار بطل أوروبا في العام 2021، سنجد أن منها السياسة التعاقدية الخاطئة التي اتبعها ملاك النادي الجدد، والتي تجلت في حجم الإنفاق الهائل في فصل الشتاء الماضي، والذي لامس الـ400 مليون يورو، في سابقة لم ولن تحدث مرة أخرى في تاريخ سوق الانتقالات الشتوية، وفعلوا ذلك لشراء صفقات أغلبها لم يقدم الإضافة المطلوبة، حتى أكثرهم حظا، والإشارة إلى بطل العالم إنزو فرنانديز، فما زال بحاجة لمزيد من الوقت للوصول إلى درجة أو تصنيف لاعب وسط من الطراز العالمي، وكذا الأوكراني مودريك، الذي كبد الخزينة ما يزيد على 80 مليون يورو، لخطفه من شاختار دونيتسك قبل أن ينقض عليه آرسنال، هو الآخر اكتفى بإظهار بعض الومضات المبشرة تحت قيادة البوش، لكن على فترات متباعدة وبلا تأثير ملموس، شأنه شأن باقي اللاعبين الذين يلعبون بزخم لكن بلا فائدة أو تأثير حقيقي في الثلث الأخير من الملعب، في مقدمتهم صفقات الشتاء الماضي، التي جاءت في مهمة عاجلة، لانتشال الفريق من براثن الضياع، بيد أنه حتى الآن ما زال غارقا في سباته العميق، بنسخة ونتائج لا تقل سوءا عن الحالة المأساوية التي كان عليها الأسود تحت قيادة المدرب السابق غراهام بوتر في مثل هذه الأيام من العام الماضي، كفريق لا يعرف كيفية استغلال الموارد الهائلة المتاحة ولا الوفرة العددية المهيبة في كل المراكز،
مشروع ناقص
واحدة من الأمور التي جعلت مشجعي النادي يطلقون صيحات الاستهجان، اعتراضا على إفلاس الفريق كرويا في الشوط الثاني أمام الذئاب، أن هذا المردود يأتي من الفريق الذي تم انشاؤه بتكلفة تزيد على 1.25 مليار جنيه إسترليني، والأغرب أرقامه وإحصائياته التي لا تتماشى أبدا مع هكذا إنفاق، بالتواجد في المركز الحادي عشر في جدول الدوري الإنكليزي الممتاز، بحصيلة بلغت 38 هدفا، وفي المقابل اهتزت الشباك 39 مرة، كأوضح مثال على عدم اكتمال الفريق، وهذا في حد ذاته، يضعف من موقف المدرب الأرجنتيني ويجعله في وضع غير مقبول على الإطلاق، بل بعبارة أكثر صراحة، لولا أن قرار إقالته سينعكس بنتائج سلبية وكارثية على الإدارة، لما استمر في وظيفته حتى وقت كتابة هذه الكلمات، كيف لا والرجل الأول تود بويلي ومجلسه المعاون، هم من بادروا باتخاذ القرارات غير المنطقية، والتي بدأت بطرد المدرب الألماني توماس توخيل، الذي قاد الفريق للفوز بدوري الأبطال للمرة الثانية في تاريخه، وفي المقابل، جاؤوا بغراهام بوتر، الذي فشل فشلا ذريعا في تحمل ضغوط العمل مع ناد بحجم تشلسي، مقارنة بوضعه المريح مع ناديه السابق برايتون، وما زاد الطيب بلة، وأعطى بعض العلامات أو المؤشرات إلى مدى جهل الملاك الجدد بقواعد وأصول اللعبة في إنكلترا وأوروبا بوجه عام، ذاك القرار الغريب الذي اتخذ بعد خراب مالطة، بفسخ عقد بوتر وتعيين فرانك لامبارد بشكل مؤقت في نفس الموسم الكارثي، دليلا على تخبط وجنون هذه الإدارة.
علامة استفهام
صحيح بوتشيتينو غادر وطن كرة القدم، بسمعة طيبة للغاية، نظير بصمته الواضحة مع ساوثهامبتون ثم سنواته الخمس مع توتنهام، لكن كان واضحا أن نفس المدرب، لم يحقق الهدف المطلوب منه عندما أتيحت له فرصة العمل في بيئة قريبة الشبه من تشلسي، والحديث عن تجربته السيئة مع باريس سان جيرمان، التي فشل خلالها في التعامل مع ضغوط العمل مع ناد مطالب بالفوز في كل مباراة والبطولات التي ينافس فيها على المستوى المحلي والقاري، وعلى ما يبدو أن إدارة البلوز، كانت تعتقد وتمني النفس بأن يستنسخ تجربته مع الديوك في «ستامفورد بريدج»، خاصة وأنه تولى مهمة الغريم الشمالي في ظروف مشابهة، حيث كان السبيرز يعيش فترة انتقالية بين ما تبقى من جيل هاري ريدناب وبين الشباب الواعد بقيادة الأمير هاري كاين منتصف العقد الماضي ومعه ديلي آلي وهوغو لوريس والبقية، وكما نعرف جميعا، أبدع البوش بعد حصوله على وقته الكافي، في تحويل توتنهام إلى قوة لا يستهان بها سواء على المستوى المحلي أو القاري، بعد دخوله دائرة المنافسة على البريميرليغ في أكثر من مناسبة، والأهم كان إنجاز الوصول إلى المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا، التي خسرها أمام ليفربول في العام 2019، لذا من هذا السياق، لم يكن من المستغرب أن يحظى المدرب الأرجنتيني بهذه الحفاوة والدعم من مشجعي تشلسي ومجلس إدارته، على أمل أن يصنع من شباب تشلسي، فريقا بالمستوى والجودة والصورة المحفورة في أذهان الجميع عن تشلسي رومان آبراموفيتش.
الدليل المفقود
يبقى الشيء الثابت والمؤكد حتى هذه اللحظة، أن المدرب بوتشيتينو لم ينجح في تحقيق أبسط التوقعات والأهداف المطلوبة منه، ويعاني الأمرين لتحقيق أقصى استفادة من الموارد العديدة المتاحة أمامه، وذلك بالرغم من دفاع قطاع عريض من المشجعين والمتابعين عن المدرب، بحجة أنه يعمل في بيئة فوضوية إلى حد ما، لكن دعونا نتفق أنه كان يعرف منذ البداية أنه سيتورط في ما هي أشبه بالمقامرة، مع إدارة تفتقر للحكمة والرؤية المستقبلية، وفوق كل ما سبق، قيل إنه سيحصل على وقته الكافي لإحداث النقلة الكبيرة في هذا الفريق الشاب، على أن تكون البداية بالعودة إلى دائرة المنافسة على المركز الرابع المؤهل لدوري أبطال أوروبا الموسم المقبل، لكن عادة يتطلب الصبر دليلا ملموسا على التقدم، وبالنسبة لحالة البوش مع تشلسي، فكل المؤشرات والشواهد، تتفق على أنه لم يقدم أي دليل أو علامة واضحة على ذلك التقدم، يكفي أنه جمع بعد 23 مباراة في البريميرليغ نفس النقاط التي جمعها المنبوذ بوتر، تجسيدا للمثل العربي الرائج «كأنك يا ابو زيد ما غزيت»، والأسوأ على الإطلاق، اختفاء تلك الومضات المبشرة التي أحيت الأمل داخل المشجعين مرة أخرى، على غرار التعادل المثير أمام متصدر البريميرليغ آرسنال وحامل اللقب في السنوات الماضية مانشستر سيتي والفوز على توتنهام في زخم الخريف، وبرر المدرب هذا التذبذب الواضح في عروض وأداء الفريق، إلى ما وصفه في أكثر من مؤتمر صحافي إلى قلة خبرة اللاعبين الشباب وعدم قدرتهم على التعامل مع الضغوط الإعلامية والجماهيرية، باستثناء القادم من مانشستر سيتي كول بالمر، ولو أن هذه الحجة تؤخذ عليه، لو تخيلنا حصول مدرب توتنهام آنجي بوستيكوغلو أو مدرب أستون فيلا أوناي إيمري على ربع الموارد المتاحة للبوش في «ستامفورد بريدج»، في الغالب، كان المحظوظ منهما بهذه الموارد، سينافس بقوة وشراسة على لقب البريميرليغ. بوجه عام، يمكن القول إن بوتشيتينو، محظوظ بما فيه الكفاية، لوقوع ملاك النادي بين المطرقة والسندان، وربما في أي وقت آخر أو ظروف مناسبة، لما ظل في منصبه إلى الآن، خاصة بعد فشله في تحقيق أهم الأهداف المطلوبة منه، بإعادة الفريق إلى دوري أبطال أوروبا، وليس حجز مقعد في المباراة النهائية لكأس الرابطة نهاية هذا الشهر، لكن تود بويلي ومجلسه المعاون، على دراية تامة بالعواقب الوخيمة لإقالة المدرب الحالي، والأمر لا يتعلق فقط بارتفاع وتيرة الاتهامات بأنهم ليس لديهم أدنى فكرة عما يفعلونه، بل أيضا لتجنب إهدار المزيد من الأموال والميزانيات الخاصة للمدربين السابقين الفاشلين، إلى جانب الحاجة الماسة للحفاظ على ما تبقى من استقرار وهدوء داخل غرفة خلع الملابس، أملا في أن تتحسن الأوضاع في ما تبقى من الموسم، وهذا أيضا ما يتمناه أغلب عشاق النادي، لكنهم يدركون جيدا أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في بوتشيتينو على وجه التحديد، بل كما هتفوا في ليلة الإذلال أمام ولفرهامبتون، باسم مالك النادي التاريخي رومان آبراموفيتش، وبدرجة أقل نجم الشباب الأول ومؤسس نهضة البلوز في الألفية الجديدة جوزيه مورينيو، في محاولة يائسة لإمكانية إعادته في ولاية ثالثة بعد إقالته مؤخرا من تدريب ناديه السابق روما، فهل تعتقد عزيزي القارئ أن حل مشكلة تشلسي في إقالة بوتشيتينو وتعيين مورينيو؟ أم سيبقى الوضع البائس الحالي طالما استمر المالك الجديد ومجلسه المعاون؟