إسطنبول ـ «القدس العربي»: بدأ الاتحاد الأوروبي تنفيذ تهديداته بفرض عقوبات على تركيا بسبب إصرارها على مواصلة عمليات التنقيب عن الطاقة قبالة قبرص شرقي البحر المتوسط، وسط تخوفات كبيرة من قبل العديد من دول الاتحاد من لجوء أنقرة إلى نسف اتفاق الهجرة وفتح الباب مجدداً أمام المهاجرين للوصول براً وبحراً إلى دول أوروبا التي ما زالت تعاني من خلافات ومشاكل حقيقية للتوصل إلى اتفاق لتوزيع اللاجئين الذين وصلوا سابقاً إلى القارة الأوروبية.
وبموجب توافقات الهجرة بين أنقرة وبروكسل، عملت تركيا على الحد من وصول اللاجئين من أراضيها إلى دول الاتحاد، ونجحت في تقليص أعداد المهاجرين إلى نسبة وصلت إلى أكثر من 99٪ في كثير من الأحيان، كما ساهم اتفاق إعادة القبول (إعادة قبول اللاجئين) مع اليونان في تقليص وصول اللاجئين بحراً إلى الجزر اليونانية إلى نسب غير مسبوقة. والخميس، بدأ الاتحاد الأوروبي بخطوات عملية من أجل تعليق المحادثات عالية المستوى مع أنقرة ومفاوضات؛ لإبرام اتفاقية للنقل الجوي وعدم عقد مزيد من الاجتماعات في الوقت الحالي، كما سيجمد تمويلاً لتركيا في العام المقبل (مساعدات ما قبل الانضمام للاتحاد الأوروبي)، ودعوة بنك الاستثمار الأوروبي لإعادة النظر في أنشطة إقراض تركيا، بسبب التنقيب الذي يعتبره «غير المشروع» عن الغاز والنفط قبالة سواحل قبرص. هذه العقوبات يفترض أن يتم إقرارها بشكل نهائي في اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي المقرر عقده يوم الإثنين المقبل في بروكسل، كما تلوح أطراف في الاتحاد بالبحث في مزيد من العقوبات على تركيا إذا لم توقف التنقيب في شرق البحر المتوسط.
لكن هذه التهديدات والعقوبات لا تلقى إجماعاً من قبل دول الاتحاد، لا سيما من تلك التي تخشى من رد الفعل التركي الذي يتوقع أن يمتد لتقليص التزام أنقرة باتفاق الهجرة، وبالتالي، فتح باب الهجرة مجدداً عبر البحر، وهو ما قد يعيد شبح وصول مئات آلاف المهاجرين مجدداً إلى أوروبا.
مسؤول أوروبي قال تعقيباً على العقوبات: «سيستهدف ذلك فقط الأشخاص المرتبطين بهذه الأنشطة غير المشروعة تحديداً. نحاول معايرة الأمر بعناية لأننا نحتاج التعاون التركي في الهجرة وحلف شمال الأطلسي ومكافحة الإرهاب»، مضيفاً: «تعتمد بعض الدول الأعضاء على تركيا في نقل الطاقة، لذا علينا أن نخطو بحذر. لا تتوقعوا أي عقوبات اقتصادية واسعة النطاق».
سببها إصرار أنقرة على مواصلة عمليات التنقيب عن الطاقة قبالة قبرص
وتتوقع تركيا أن تكون العقوبات الأوروبية «شكلية إلى درجة كبيرة» وأن تقتصر على التصويت غير الملزم من البرلمان الأوروبي مع اتخاذ قرارات محدودة فيما يتعلق بالعقوبات الفعلية، وتستبعد أي عقوبات حقيقية لا سيما في الجانب الاقتصادي يمكن أن تدفعها للرد عليها، وذلك على الرغم من الضغوط التي تمارسها إدارة قبرص اليونانية على الاتحاد لاتخاذ إجراءات أكثر «صرامة» اتجاه تركيا.
وفي حال التزم الاتحاد الأوروبي بهذه المعادلة، ترغب تركيا في تجنب الرد طالما بقيت العقوبات في هذا الإطار لتجنب تصعيد الأزمة مع الاتحاد، ولكنها تستعد للرد على أي عقوبات حقيقية من خلال اتفاقية الهجرة وملف اللاجئين عبر تخفيف إجراءات منع وصول المهاجرين من الأراضي والسواحل التركية إلى أوروبا.
ويعيش في تركيا أكثر من 5 ملايين لاجئ ومقيم، بينهم جزء كبير من اللاجئين السوريين والعرب الراغبين في الهجرة إلى أوروبا، بالإضافة إلى الأفغان الذين يصلون بكثافة في السنوات الأخيرة لتركيا عبر إيران، في محاولة للوصول إلى القارة الأوروبية براً أو بحراً.
وفي حال خففت تركيا إجراءاتها الأمنية، يمكن أن يصل خلال أسابيع فقط عشرات آلاف اللاجئين إلى الجزر اليونانية بشكل خاص، وربما يصل هذا الرقم إلى مئات الآلاف خلال أشهر لو قررت تركيا بالفعل نسف اتفاق الهجرة وفتحت الباب أمام المهاجرين للوصول إلى أوروبا.
وخلال كلمة له في قمة «عملية التعاون في جنوب شرق أوروبا»، الثلاثاء، انتقد الرئيس التركي رجب طيب اردوغان «تقاعس الأوروبيين عن دعم تركيا ومساندتها في مواجهة تدفقات اللاجئين إليها»، مضيفاً: «الدول الأوروبية لا تستطيع التفاهم فيما بينها لتقاسم عشرات اللاجئين، بينما تحتضن تركيا أكثر من 4 ملايين لاجئ».
وذكّر أوروبا بأن تركيا أنفقت على اللاجئين السوريين المقيمين داخل أراضيها أكثر من 37 مليار دولار، وساهمت في تخفيض الهجرة غير النظامية إلى القارة الأوروبية بنسبة 99 ٪، من خلال التدابير التي اتخذتها، ولفت إلى أن «الاتحاد الأوروبي تعهد بدفع 6 مليارات يورو إلى تركيا لمساعدة اللاجئين السوريين، لكن يؤسفني أن أقول إن أنقرة لم تتسلم سوى 2.5 مليار يورو من هذا المبلغ».