برلين ـ د ب أ: ‘ليس مقترضا ولا مقرضا’. إلى أي مدى يمكن أن تكون هذه العبارة للأديب الإنكليزي الشهير وليم شكسبير صحيحة عندما يتعلق الأمر الآن”بالعلاقات بين الصين والولايات المتحدة. فتوبيخ الصين للولايات المتحدة بسبب سماح الأخيرة بتراكم ديونها جاء بمثابة صدمة للولايات المتحدة التي لم تكن تنظر إلى الصين قبل عشر سنوات فقط باعتبارها شريك مساو لها ناهيك عن أن تكون مصدرا للنصح المالي. ولكن ربما تكون هذه الخطوة من جانب الصين قد جاءت بحكم الضرورة وليس لأي شيء آخر. ففي مساء الجمعة الماضية أعلنت مؤسسة ستاندرد أند بورز الدولية للتصنيف الائتماني خفض تصنيف الولايات المتحدة من أيه.
أيه.
أيه وهو أعلى تصنيف ائتماني في العالم إلى أيه.
أيه + وذلك لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة. ولما كانت الصين هي أكبر دائن للولايات المتحدة فهذا يعطيها الحق في أن يكون لها صوتا مسموعا عند الحديث عن الأزمة المالية الأمريكية. فلو افترضنا جدلا حدوث المستحيل وأعلنت الولايات المتحدة عجزها عن سداد ديونها فإن أموالا صينية كثيرة سوف تذهب مع الريح. يقول بيتس جيل مدير معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي السويدي والباحث في الشئون الصينية إن المشلكة بالنسبة للصين في هذه اللحظة هي أنه لا يوجد أمامها سوى مساحة ضيقة للحركة. والحقيقة أنه حتى قبل الإعلان عن خفض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة فإن أزمة تراكم ديونها سببت اضطرابات واضحة لأسواق المال طوال الصيف الحالي. ولم ينجح الاتفاق الذي توصلت إليه الإدارة الأمريكية مع الكونغرس لرفع سقف الدين العام الأمريكي يوم الثلاثاء في اللحظة الأخيرة في تهدئة الأسواق وبخاصة لآن الاتفاق لا يبدو أنه سيحقق الكثير من أجل علاج أزمة تراكم الدين العام الأمريكي الذي يصل حاليا إلى 14.3 تريليون دولار. ولذلك سارعت الصين التي أقرضت الولايات المتحدة أكثر من تريليون دولار في صورة سندات خزانة حكومية بإصدار بيان عبر وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) الرسمية تدعو فيه واشنطن إلى العمل من أجل ضبط أوضاعها المالية. وفي هذا البيان قالت الصين إن ‘الوقت مناسب تماما من أجل مطالبة الولايات المتحدة بعلاج مشكلات ديونها وضمان سلامة الأصول الدولارية للصين’ ونددت الصين في البيان بالإنفاق العسكري الأمريكي الباهظ وكذلك تضخم تكاليف نظام الضمان الاجتماعي. ولكن هل أظهر الصينيون أية قلق بشأن الديون الأمريكية؟ يقول بيتس جيل ‘بالنسبة للصين فإن التدخل في مثل هذا الأمر بهذا الشكل من الوضوح وارتفاع المستوى هو أمر غير معتاد وهذا يشير إلى عمق قلق الصين وفي الوقت نفسه إلى قوة ثقتها في نفسها ومكانتها على المسرح العالمي. وهذا يضع الولايات المتحدة في موقف دفاعي. فمنذ انهيار الاتحاد السوفيتي مطلع تسعينيات القرن العشرين انفردت الولايات المتحدة بلقب القوة العظمى في العالم. ومنذ ذلك الوقت استغنت الولايات المتحدة عن”النصائح والوصايا المتعلقة بأي شيء من الأوضاع المالية إلى الشئون العسكرية والحكم الرشيد. ولكن يبدو أن الولايات المتحدة الآن وبعد الأزمة المالية العالمية التي انطلقت من الأراضي الأمريكية في خريف 2008 ثم خفض تصنيفها الائتماني لأول مرة في تاريخها أصبحت تواجه أزمة مصداقية خطيرة أمام العالم. في الوقت نفسه تواصل الصين نموها رغم الأزمة المالية العالمية فتحقق نموا قويا وتنطلق شركاتها لتمد يد المساعدة والإنقاذ للكثير من الشركات الغربية. ثم ازداد الحضور الصيني على المسرح العالمي عندما تدفق قادة أوروبا إلى الصين وليس إلى الولايات المتحدة من أجل الحصول على تعهد منها بمساندة أوروبا في أزمتها المالية الراهنة. كما أن هذا يعني أن الدول النامية لديها على الأقل صوت مسموع وهو الصين التي تتبنى نموذجا اقتصاديا وسياسيا مختلفا عن النموذج الغربي حيث التخطيط المركزي المحدود والحرية السياسية المحدودة مع النمو الاقتصادي القوي. ويختلف الوضع الآن عنه في أعقاب نهاية الحرب الباردة عندما لم يكن أحد في العالم مستعدا لسماع أي حديث عن التخطيط الاقتصادي المركزي وكان الكل يرى أن ما يسمى بـ’إجماع واشنطن’ الذي يقضي بأن الاقتصاد الحر والديمقراطية هما السبيل الوحيد للتنمية. من ناحيته قال الاقتصادي العالمي محمد العريان مدير شركة بيمكو إحدى أكبر شركات الاستثمار بالسندات في العالم في مقال بصحيفة (فاينانشيال تايمز) اللندنية إن خفض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة ‘إشارة واضحة ومسموعة إلى أن القوة الاقتصادية والمكانة العالمية لها تتآكل’. وأضاف أن الأمر يفرض على السياسيين الأمريكيين ‘محاولة استرداد زمام المبادرة’من خلال سياسات اقتصادية أفضل ونظام حوكمة أحسن’. ورغم ذلك فإنه مهما كان الطريق الذي ستسير فيه الولايات المتحدة ستجد الصين موجودة تراقب وتعلق وتطالب باسترداد أموالها.