هل توقف مبادرات ترامب الإيجابية المتلاحقة نحو تركيا ضغوط أنقرة على إدارته في قضية خاشقجي؟

إسماعيل جمال
حجم الخط
0

إسطنبول-“القدس العربي”: عقب يوم واحد من تبني مجلس الشيوخ الأمريكي قراراً يحمل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، المسؤولية عن قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول، ألمح الرئيس التركي رجب طيب اردوغان إلى دور مباشر لبلاده في بلورة هذا القرار عبر استراتيجية واضحة للضغط على الإدارة الأمريكية لتغيير موقفها من القضية.

ففي الرابع عشر من الشهر الجاري، تبنى مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريون، قرارا يحمّل ولي العهد السعودي “المسؤولية عن مقتل” خاشقجي، كما طالب أعضاء المجلس الرئيس دونالد ترامب بوقف الدعم العسكري للسعودية في حرب اليمن.

وعقب ذلك، قال اردوغان: “تابعنا ما جرى (عن قضية خاشقجي) في مجلس الشيوخ الأمريكي، والأمر لن يتوقف على ذلك بل سيتواصل ويتطور. لأننا أمددنا الأمريكيين وجهاز استخباراتهم بكل المعلومات. ومستعدون لتقديمها أيضا لكل من يطلبها. وهدفنا من ذلك تحقيق العدالة. فهي الأساس في كل شيء”.

كان ذلك بمثابة تأكيد رسمي من أعلى المستويات في تركيا على أن أنقرة لعبت دوراً جوهرياً في الضغط على الإدارة الأمريكية من خلال الاستراتيجية التي اتبعت منذ بدء الأزمة والمتمثلة في التأثير على الرأي العام الأمريكي من خلال التسريبات الإعلامية ومن ثم تشكيل ضغط على أعضاء مجلسي النواب والشيوخ وصولاً لتشكيل ضغط غير مباشر على إدارة ترامب.

لكن ما لم يعلن عنه بشكل رسمي وواضح هو الضغط المباشر الذي مارسته تركيا على مجلس الشيوخ من خلال لقاءات سرية – كشف عنها لاحقاً دون إيضاح التفاصيل- عقدها رئيس المخابرات التركية هاكان فيدان مع نواب من مجلسي الشيوخ والنواب قبيل القرار التاريخي للمجلس المتمثل في تحميل المسؤولية لبن سلمان بشكل مباشر، وهو الضغط الأكبر على إدارة ترامب منذ بدء الأزمة.

هذه الخطوة التركية اعتبرت بمثابة تحول هام في طريقة الضغط على الإدارة الأمريكية والانتقال من مرحلة “الضغط غير المباشر” عبر التسريبات الإعلامية وتحشيد الرأي العام، وصولاً لـ”الضغط المباشر” الذي تمثل في تحرك المخابرات التركية للتأثير على إدارة ترامب بشكل، وهو ما اعتبرته جهات أمريكية “تجرأ تركيا” على إدارة ترامب.

وعلى الرغم من أن الاستراتيجية التركية ركزت منذ البداية على تجنب الصدام المباشر مع الإدارة الأمريكية فيما يتعلق بقضية خاشقجي، إلا أن إصرار ترامب على حماية ولي العهد السعودي دفع تركيا لرفع مستوى تحركها وصولاً لتحرك رئيس المخابرات التركية داخل أروقة صناع القرار الأمريكيين وذلك في إطار محاولات أنقرة لإجبار ترامب على معاقبة محمد بن سلمان والمتهمين في الجريمة.

لكن التطورات الأخيرة التي شهدتها العلاقات التركية مع إدارة ترامب تدفع أنقرة للتروي أكثر من أي وقت مضى وتجنب أي صدام ممكن مع الإدارة الأمريكية التي قامت بخطوات تاريخية غير مسبوقة يمكن اعتبارها أكثر أولوية صناع القرار في تركيا من قضية خاشقجي.

فعقب سنوات طويلة من المماطلة وافقت واشنطن أخيراً ببيع تركيا منظومة باتريوت للدفاع الجوي والصاروخي، وذلك بعد أيام من بدء حملة اعتقالات في صفوف تنظيم غولن في الولايات المتحدة والحديث عن إمكانية تسليم أو ترحيل فتح الله غولن، وهي خطوات وصفت بالتاريخية كونها كانت أحد أبرز أسباب الخلاف بين أنقرة وواشنطن طوال السنوات الماضية.

وفي خطوة أكثر أهمية، أعلن ترامب سحب القوات الأمريكية بشكل عاجل وكامل من شمال وشرقي سوريا وهو ما يعني وقف الدعم الأمريكي لوحدات حماية الشعب الكردية وهو السبب الأبرز على الإطلاق للخلاف التركي الأمريكي طوال السنوات الماضية.

هذه التطورات وغيرها تدفع المسؤولين الأتراك للتصرف بروية أكبر في التعامل مع إدارة ترامب لا سيما فيما يتعلق بملف خاشقجي وعدم القيام بخطوات من شأنها الضغط بشكل أكبر على الإدارة الأمريكية لتجنب غضب ترامب الذي يحاول استرضاء تركيا في ملفات متعددة لا يمكن اعتبارها أقل أهمية لتركيا من قضية خاشقجي.

وعلى الرغم من صعوبة الجزم حول ما إن كانت خطوات إدارة ترامب الإيجابية المتلاحقة نحو تركيا تتعلق باسترضائها لوقف تحركاتها في قضية خاشقجي أم لا، لكنها تبقى خطوات هامة جداً لأنقرة تدفعها للعمل بشكل أكبر مع ترامب وتجنب العودة إلى مربع الخلافات.

لكن هذا لا يعني وقف التحرك التركي في قضية خاشقجي بشكل كامل، حيث نشرت وكالة “الأناضول” الرسمية قبل أيام تفاصيل وصور جديدة تتعلق بفريق الاغتيال السعودي، وهي المرة الأولى التي يتم من خلالها تسريب معلومات هامة تتعلق بالقضية من خلال الوكالة الرسمية، فيما أكد وزير الخارجية مولود جاووش أوغلو، الجمعة، أن بلاده “لن تغض الطرف عن جريمة خاشقجي”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية