د. فايز رشيد
ليس من باب التشاؤم، بل انطلاقاً مما حصل على أرض الواقع في غزة والضفة الغربية في 15 مارس الحالي، وقبيل وبُعيد هذا التاريخ. لقد تنادى الشباب الفلسطيني في المنطقتين قبيل هذا الموعد للتظاهر بكثافة ورفع شعار واحد: الشعب يريد إنهاء الانقسام. من جانبه، أكد الرئيس الفلسطيني محمود عباس، أنه يؤيد مطالب المتظاهرين في الضفة الغربية وقطاع غزة، الذين يدعون إلى إنهاء الانقسام، عبر إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، وللمجلس الوطني، في أقرب وقت ممكن وفي نفس الوقت. بالمقابل، دعا إسماعيل هنية رئيس الحكومة المقالة، عباس وحركة فتح لعقد لقاء عاجل في غزة، للحوار وإنهاء المصالحة استجابة لتظاهرة الشباب. الرئيس عباس بدوره استجاب لدعوة هنية وأعلن قبوله لزيارة غزة، وكلف لجنة من فتح بزيارة القطاع والترتيب لهذه الزيارة.
بالطبع، فان الفعل وردود الفعل على هذه القضية جاءت بشكل دراماتيكي سريع، الأمر الذي يشي بان الطرفين يحتاجان الى المصالحة. وبحسن النية نقول: لعلهما استجابا لمطلب شعبي فلسطيني قديم، جديد. من زاوية أخرى فان ما يجري في الوطن العربي من تغييرات ثورية له علاقة بشكل ومحتوى الضغوطات على الجانبين لأبداء حسن النوايا تجاه المصالحة، التي نتمنى أن تتم بالسرعة الممكنة، وبخاصة انه يمكن الأستناد لما يجري عربيا لتصليب الموقف الفلسطيني ونبذ المفاوضات واعادة الصراع الى مربعه الأول بالاستناد الى المتغيرات الثورية العربية وبخاصة في الدولة العربية الاولى والاكبر.
بالتحليل الموضوعي لامكانية المصالحة، لم تمض بضعة ساعات على هذا التفاؤل حتى بدانا نسمع تصريحات لا تصب في مصلحة المصالحة من نمط تصريح لمحمد نزال القائد في حركة حماس، يقول فيه: بان مبادرة عباس هي ليست أكثر من مؤامرة! هذا الى جانب بعض الاحداث الاخرى التي اساءت لموضوع المصالحة، وبعض الخطوات التي كان من المفترض أن تتم، لتصب في مجرى تقريب وجهات النظر بين الطرفين. كنا سنفهم هاتين الدعوتين لو سبقتهما خطوة حسن نية من الجانبين، بإطلاق سراح المعتقلين من الجانب الآخر، في كل من الضفة الغربية وغزة: أي إطلاق معتقلي حماس في الضفة الغربية ومعتقلي فتح في قطاع غزة. ذلك للأسف لم يحصل مما يشي بأن الطرفين ركبا موجه مطالب الشباب بتبني شعار: إنهاء الانقسام، الذي يطالب بتحقيقه كل أبناء شعبنا الفلسطيني في كل مواقعه. من ناحية ثانية، ورغم اتفاق كل الأطراف المشاركة في التظاهرتين على رفع علم واحد فقط هو علم فلسطين، لكن حماس رفعت أيضاً أعلامها الخضراء، كما قامت بالاعتداء على المشاركين من التنظيمات الأخرى بالعصي والهراوات وحرق خيام الاعتصام السلمي، الذي لم يردد فيه الشباب الفلسطيني إلا شعاراً واحداً هو: إنهاء الانقسام. من ناحية أخرى، قامت حماس برفع شعارات أخرى منها: لا للتنسيق الأمني مع الاحتلال ونعم للثوابت، ونعم لإنهاء اتفاقية أوسلو. هذه الشعارات استفزّت أعضاءً كثيرين في حركة فتح مما وتّر الأجواء. المعترضون من التنظيمات الفلسطينية الأخرى والمستقلين لم يحتجوا على فحوى الشعارات فهي أيضاً مطالبهم، لكن الاحتجاج تمثّل في مخالفة حماس لرفع شعارات غير الشعار الوحيد الذي تم الاتفاق عليه.
الذي أكدته الفضائيات والصور والمراسلون بالوثائق لمظاهر اعتداء الأجهزة الأمنية التابعة لحركة حماس في غزة على المتظاهرين. من جانب آخر، لقد أدانت حركة الجهاد الإسلامي (الحركة الحليفة لحماس) بشدة تفريق الاعتصام السلمي في ساحة الكتيبة في غزة من قبل شرطة حكومة غزة، فقد صرّح القيادي في الحركة(للجهاد) الشيخ خالد البطش: بأن فض التظاهرة بالقوة يعتبر فعلا عدوانيا، معتبراً أنه يستهدف إجهاض مبادرة إسماعيل هنية لاستئناف الحوار، وتجاوزاً للوفاق الوطني بحماية المتظاهرين من قبل الشرطة، مطالباً بإجراء تحقيق ومحاسبة الجهة التي أصدرت القرار.
إلى جانب ذلك أدانت الجبهتان الشعبية والديموقراطية’ قمع حماس للاعتصام السلمي واستخدام القوة والاعتداء بالضرب على المعتصمين في ساحة الكتيبة’. كما أدان هذه الخطوة: حزب الشعب الفلسطيني. لم يقتصر الامر على هذه المسالة بل تجاوزها الى الاعتداء على طالبات وطلاب جامعة الازهر وجامعة القدس المفتوحة يوم الاربعاء السادس عشر من الشهر الجاري.
ما جرى في غزة، هو إمّا تكتيك لحركة حماس: أي القول بشيء وممارسة شيءٍ آخر، أو هو اختلاف في وجهات النظر بين طرفين في الحركة، أحدهما ينادي بإنهاء الانقسام وعلى رأسه إسماعيل هنية، والثاني يحاول تعطيل الوحدة من خلال بقاء الانقسام حفاظاً على مصالحه ومناصبه.
للعلم، فإن السلطتين محتلتان من قبل العدو الصهيوني، ولذلك فإن الصراع بينهما هو صراع ومثلما قال أحد الكتاب العرب (على من يمتلك مفتاح السجن لشعبه) . إن الانقسام في الظرف الحالي لم يعد مقبولاً وعلى أي صعيد، بقاء الانقسام هو إمعان على إلحاق الضرر بالقضية الوطنية التحررية لشعبنا الفلسطيني، وعلى تحميل المشروع الوطني الفلسطيني المزيد من الخسائر والتراجع وعدم التقدم.
لا تفهم الأطراف العربية ولا الأخرى الدولية، وبخاصة القوى الحليفة والصديقة للقضية ولحقوق شعبنا الفلسطيني، قيام الانقسام من الأساس، واستمرار بقائه وبخاصة بعد وصول التسوية إلى طريق مسدود، وإصرار الجانب الإسرائيلي على الاستيطان ومصادرة الأراضي والاغتيال والاعتقال وهدم البيوت، واقتراف المجازر بحق شعبنا، واقتراف كل الجرائم الأخرى.
الانقسام وبقاؤه هو بمثابة اقتراف الجريمة بحق الشعب الفلسطيني، واستمراره لا يطال طرفاً دون الآخر، بل يطال الطرفين، فمهما كانت الصعاب كبيرة أمام إجراء المصالحة الوطنية، وبالإرادة على إنهاء الانقسام، يتم تجاوز كافة الصعاب وبخاصة بعد ثبوت الحل الصهيوني على إعطاء الفلسطينيين فقط حكماً ذاتياً هزيلاً، وعلى فشل مفاوضات العشرين عاماً مع إسرائيل، وبخاصة أن الطرفين في إعلامهما وبرامجهما وتصريحاتهما ما زالا متمسكين بالثوابت الفلسطينية في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس.
لقد ثبت بالملموس أن هذه الحقوق لا يمكن إحرازها بالتفاوض ولا بنزاهة الراعي الأمريكي (الذي لم يستطع وقف الاستيطان الإسرائيلي) الذي (لحس) كل وعوده بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة القابلة للحياة (كما يسميها!) وإنما بالمقاومة بكافة أشكالها ووسائلها، وبإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية وبإلغاء اتفاق أوسلو وبتحقيق الوحدة الوطنية. إن مشواراً كفاحياً طويلاً ينتظر شعبنا لنيل حقوقه الوطنية.
للأسف، بدل أن تكون المظاهرات الشبابية في 15 آذار محطة نحو تحقيق الالتقاء الفلسطيني بإنهاء الانقسام، كانت جرحاً عميقاً مؤلماً يصب في مجرى الشرخ الانقسامي، وتعميق الافتراق! ‘ كاتب من فلسطين